ارشيف من :ترجمات ودراسات

رؤية اسرائيلية: ماذا تريد روسيا من تشددها حيال "الربيع العربي"

رؤية اسرائيلية: ماذا تريد روسيا من تشددها حيال "الربيع العربي"


صدر العدد الجديد من دورية "نظرة عليا"، عن مركز ابحاث الامن القومي في تل ابيب 1/11/2012، تحت عنوان " الامبراطورية الروسية تضرب من جديد". للباحث في المركز، ميغن تسبي، والتي تلخص رؤية اسرائيل للحراك الروسي والسياسة الخارجية الروسية، حيال الربيع العربي، والساحة السورية تحديدا. وفيما يلي اهم ما ورد في النشرة.

إن انعكاسات ثورات "الربيع العربي" خلقت وضعا مليئا بالتحديات اتجاه روسيا، التي وجدت نفسها محشورة في زاوية الشرق الأوسط، بواسطة تحالف "سني" يعمل بحسب فهم روسيا، بالتعاون مع الغرب.

من ناحية روسيا تحوّل الشرق الأوسط في هذه المرحلة إلى ميدان معركة بين مختلف القوى الإقليمية والعالمية في صراعهم على صياغة النظام المستقبلي. وتشتد هذه المواجهة خصوصا على خلفية الحرب الأهلية في سوريا، بين المنظومة "السنية" - الغربية، وبين المنظومة "الشيعية" المدعومة من روسيا والصين. في المواجهة المتجددة بين القوى العالمية، تحولت روسيا من لاعب هامشي تتعاون مع الغرب في الثورات التي وقعت في شمال أفريقيا، إلى لاعب أساسي، وهو الأمر الذي تم التعبير عنه في الحالة السورية، والتي خاضت فيها روسيا صراعا عنيدا من أجل الدفاع عن مكانتها الإقليمية.

في المواجهة السورية سجلت انجازات روسية، بفضل التكتيك، الذي حمل في طياته تقديم المساعدة لسوريا، وذلك من خلال عزل ميدان المعركة (استخدام واسع للفيتو في الأمم المتحدة، وممارسة الضغوط من أجل إفشال أي توجه من أجل التدخل العسكري في سوريا) وتقديم المساعدة العسكرية والاقتصادية للنظام السوري، الذي نجح بفضل ذلك، بالمحافظة على تفوق نسبي على الأرض.

توسعت مؤخرا المواجهة، مع تصاعد تدخل تركيا في الأزمة، سواء مقابل سوريا، أو من خلال التحرشات المباشرة بروسيا. إن التوتر القائم بين الدولتين خارج الشرق الأوسط، على سبيل المثال في القوقاز، من شأنه أن يتحول إلى مواجهة مباشرة. الآن يتضمن الاحتكاك بينهما أيضا منافسة على التأثير وسط الأكراد في كل المنطقة.

من المهم الإشارة إلى أن التوتر بين روسيا والغرب، ليس محدودا في الشرق الأوسط فقط. روسيا تشعر بأنها مضغوطة من جانب الغرب في مناطق حيوية بالنسبة لها على طول حدودها، في دول الاتحاد السوفياتي السابق. تركيا تساهم بدورها في توسيع تأثير الناتو وإخراجها (روسيا) من منطقة القوقاز، وهو الأمر الذي يزيد من حدة التوتر بين روسيا والغرب. ويبدو أن من بين دوافع روسيا لموقفها المتصلب بالوقوف إلى جانب سوريا، هو الرغبة في إبعاد الأميركيين عن مناطق الاهتمام الروسية على حدودها وتقييد تأثيرها في الشرق الأوسط.

لقد استطاعت روسيا حتى الآن أن تدير بنجاح المسألة السورية، وهي تعمل بموازاة ذلك على ضمان مكانتها المستقبلية في سوريا، سواء من خلال محاولتها التحدث مع المعارضة السورية، أو من خلال استعدادها لتفكك سوريا. وفي هذا الخصوص يجري الروس محاولات جس نبض مع الأحزاب والشرائح الاثنية والدينية في سوريا وخارجها.
ولكن في الفترة الأخيرة بدا حصول تغييرات في التصرفات الروسية بالشرق الأوسط، إذ تحولت الى أكثر تصلبا في آرائها ومواقفها، ربما تجاوزت إطار مواجهتها على مناطق نفوذها في سوريا والمحور الراديكالي إلى مناطق أخرى. ويمكن الوصول إلى هذا التصور الذي يتبلور أمام أعيننا من خلال التالي:
إيران ـ إلى جانب ما يحدث في سوريا، يتواصل التعاون الروسي ـ الإيراني، الذي ترافق في الآونة الأخيرة بإعراب روسيا عن دعمها لإيران وذلك على خلفية المواجهة حول برنامجها النووي.

العراق ـ بعد الجهود التي بذلتها روسيا، من أجل زيادة تدخلها بما يحدث في هذه الدولة، جرت مؤخرا زيارة لرئيس الحكومة العراقية المالكي لروسيا. وتم هناك التوقيع على اتفاقات تعاون، بما في ذلك توقيع صفقة سلاح بقيمة 4.2 مليارات دولار، بالإضافة الى عقود بمجالات استخراج النفط. إن دولة العراق الموجودة في حالة توتر مع جاراتها في دول الخليج الفارسي من جهة ومع تركيا من جهة أخرى، تجد نفسها مجددا في قلب اللعبة الإقليمية وبطريقة معارضة جدا للولايات المتحدة الأميركية.

مصر ـ وهي الهدف السياسي الروسي القادم . لا تدخر روسيا مؤخرا أي جهد من أجل اظهار الاهتمام بالحكومة المصرية وإعادة التعاون الذي تضرر خلال ثورة "الربيع العربي" الى سابق عهده. وقريبا ينوي وزير خارجية روسيا لافروف زيارة القاهرة ويمكن الافتراض بأنه ستحصل استجابة مصرية لمحاولات الغزل الروسية.

السعودية ودول الخليج ـ تحديدا هذه الدول تقود منذ "الربيع العربي" صراعا ضد المحور الايراني، وتدفع روسيا الى خارج المنطقة، وجدت نفسها عرضة للغزل من قبل روسيا التي تعرب عن اهتمامها بالتعاون وتقدم عروضا مغرية جدا في المجال العسكري. ومن المتوقع أن يزور قريبا وزير خارجية روسيا لافروف السعودية وغيرها من الدول الخليجية وهو في طريقه من مصر. وهناك من يعتقد بأنه يحمل في جعبته عروضا من أجل حماية دول الخليج من تهديدات من جانب جهات راديكالية.

الأردن ـ رغم أن الأردن موجود في منطقة الاهتمام الروسية، سواء للأبعاد التي ذكرت آنفا أو كهدف من أجل التقدم في التأثير الروسي على شؤونه الداخلية. الصورة ما تزال غير واضحة، لكن يمكن تشخيص التوجهات الروسية في هذه الدولة.

الفلسطينيون ـ بمعزل عن محاولات جس النبض التي تجريها روسيا مع الأردن وإسرائيل بشأن المسألة الفلسطينية التي تبقى موضع اهتمام كبير، وذلك من خلال إحياء العملية السلمية على المسار الإسرائيلي الفلسطيني. إن المسألة الفلسطينية تشكل منصة مريحة لعودتها الى الانشغالات الدولية في المنطقة ونقل الاهتمام عن مناطق متوترة هي متدخلة بها. وفي هذا الخصوص لم توقف روسيا تأييدها لحماس، وفي موازاة ذلك تواصل حوارها مع السلطة، على أمل ان تستغل هذا الحوار للتوسط بينهما.

إسرائيل ـ حصل مؤخرا في العلاقة بين الدولتين انفراج. فإسرائيل مهمة من أجل التعاون معها ولها أهمية استراتيجية، وهذا التعاون يساهم مساهمة ايجابية في الجهود الروسية الرامية الى فك عزلتها في المنطقة والتخلص من الانعكاسات السلبية "للربيع العربي".
أفريقيا ـ موقع أفريقيا لم يغب عن خارطة الاهتمامات الروسية. فمؤخرا أجرى مبعوث الرئيس الروسي مرغلوف جولة زيارات في عدة دول في شرق ووسط القارة، وهدف الى التقدم في التعاون مع هذه الدول في المجالات السياسية والاقتصادية.

إن قراءة مجمل الأنشطة الروسية في منطقة الشرق الأوسط، كما عرضت آنفا، تظهر أمرا واحدا مشتركا فيما بينها وهو أن هذه الأنشطة هي جزء من خطة واضحة ومحددة، وهي تبدو وكأنها نوع من "الهجوم المضاد" الدبلوماسي. ربما قد تكون تهدف الى تحقيق خروج روسيا من عزلتها في الشرق الأوسط واستعادة دورها الى سابق عهده، بعد أن وجدت نفسها منذ بداية "الربيع العربي" في حالة تراجع عن كل انجازاتها وخسارة لكل مصالحها السابقة في المنطقة تحت الضغط المزدوج للمنظومة الغربية ـ السنية. وفي هذه الحالة فإن الأمر يتعلق بخطة روسية للخروج من الحصار وذلك من خلال التقدم بتسويات مباشرة مع دول المنطقة، وبذات الوقت البحث عن مسارات للدخول الى قلب هذه الدول عبر مجموعة من الاقتراحات المهمة ـ على أمل النجاح ولو جزئيا على الأقل. وربما إذا لعب الحظ لمصلحتها أن تقيم مجددا كتلة مؤيدة لها من الدول.

ولكن لا يجب أن لا نستبعد احتمال أن يكون الامر متعلقا بخطة مركّبة وأكثر جرأة من الخطة التي أوردناها آنفا وهي التحرك بعملية بعيدة المدى تتجاوز مسألة خرق الحصار وإعادة دور روسيا إلى سابق عهده. يمكن أن يتعلق الامر بتحريك خطة روسية تهدف الى إقامة نظام إقليمي جديد. وفي هذه الحالة، تحمل هذه الخطة الروسية في طياتها خطوات إقليمية تهدف الى تغيير الواقع الجيو سياسي الحالي في دول مثل سوريا والعراق وغيرها وفي مناطق مثل كردستان. وهناك عدة مؤشرات تدلل على وجود احتمال كهذا.
كالعادة في مثل أوضاع كهذه، من السابق لأوانه التقدير بشكل كامل الانعكاسات المحتملة التي قد تنشأ نتيجة الأنشطة الروسية. بكل الأحوال من الواضح للعيان انطلاق روسية في خطة هجوم مضاد وشاملة، تديرها وفق خطة محددة ربما تستطيع من خلالها التأثير على إعادة صياغة مستقبل المنطقة. الايام هي التي ستتكلم عن ذلك.

إذا كان هناك شيء من الحقيقة ـ ولو جزئيا ـ في الصورة التي تم عرضها هنا، فهو يكفي لأن تفكر إسرائيل بالانعكاسات التي ستؤثر على الواقع الدولي على حدودها، ومن ضمنها الكثير من المواضيع التي يجب حلها مع روسيا.

الانتقاد ـ محرر الشؤون العبرية

2012-11-02