ارشيف من :أخبار لبنانية

النكبة الفلسطينية وذاكرة المجازر الإسرائيلية

النكبة الفلسطينية وذاكرة المجازر الإسرائيلية

صحيفة الوطن السورية - نبيل محمود السهلي / كاتب فلسطيني

بينما كان عرب فلسطين غير مستعدين للحرب على الإطلاق وغير مسلحين في الغالب، وفي وضع دفاعي، شنت العصابات الصهيونية: الهاغانا والإرغون وشتيرن، ضربات هجومية منسقة استهدفت المدنيين العرب في المدن الرئيسية الثلاث، حيفا والقدس، ويافا، وفي الريف الفلسطيني فتمت المجازر المنظمة وتدمير المنازل، لحمل العرب على الرحيل.

وفي ليلة (15) تموز 1947، دخلت قوة للهاغانا بستان الحمضيات الذي يملكه رشيد أبو لبن- وهو يقع بين يافا ومستوطنة بتاح تكفا الصهيونية- وكانت عائلة من سبعة أشخاص نائمة داخل منزلها وتسعة عمال آخرين خارجه، ووضعت القوة المهاجمة عبوات ناسفة، وأطلقت النار، فقتلت أحد عشر عربياً بينهم امرأة وبناتها الثلاث اللواتي كانت إحداهن تبلغ من العمر سبع سنوات، والثانية ثماني سنوات، والابن ثلاثة أعوام، وفي 29 أيلول 1947، هاجمت الهاغانا أيضاً، سوق حيفا فدمرت متجر أحمد دياب الجلني بعبوات ناسفة، وفي (12) كانون الأول 1947، دخلت قوة من الإرغون ترتدي بزات عسكرية بريطانية إلى قرية الطيرة من قضاء حيفا في الساحل الفلسطيني، وقتلت (12) عربياً وجرحت ستة آخرين. وبعد يوم من هذه المجزرة ألقت عصابة الإرغون قنابل على تجمعات عربية عند باب العمود في مدينة القدس، فقتلت أربعة من المدنيين العرب وجرحت خمسة عشر عربياً آخر، وفي اليوم نفسه هاجمت تلك العصابة الصهيونية مقهى عربياً في مدينة يافا، في شارع الملك جورج، واستشهد إبان ذلك ستة من العرب، وتبعاً لمعطيات إحصائية، استشهد في يوم 13 كانون الأول في كل المدن الفلسطينية من جراء المجازر الصهيونية المنظمة (21) مدنياً عربياً، وتابعت العصابات الصهيونية مجازرها المنظمة في القرى والمدن والخرب والمضارب الفلسطينية المختلفة. لكن المجزرة الأكبر كانت في (30) من كانون الأول 1947، حين رمت جماعة من الإرغون في الساعة العاشرة والدقيقة العشرين صباحاً، صفيحتي حليب تحويان قنابل على مجموعة من نحو (100) عامل فلسطيني، كانوا واقفين أمام مصفاة النفط في حيفا لتسجيل أسمائهم للعمل، وقد قتل في الهجوم ستة من العرب وجرح (46) آخرون كان بينهم (25) في حالة الخطر، وفي الاشتباكات داخل المصفاة قتل العرب دفاعاً عن النفس (41) يهودياً، واستشهد ستة من العرب وجرح (48) يهودياً، و(42) عربياً. ويذكر أن العصابات الصهيونية ارتكبت أثناء فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين 12 مجزرة على حين ارتكبت 44 مجزرة بعدها استهدفت الفلسطينيين العزل من السلاح.

وتابعت العصابات الصهيونية مجازرها وتدمير المنازل، والضغط على الفلسطينيين في كل القرى والمدن الفلسطينية وخاصة خلال الفترة من كانون الثاني 1948 وحتى أيار من العام نفسه، وكان الهجوم والطوق يتم من ثلاث جهات، على حين تترك الجهة الرابعة كمنفذ وحيد لهروب الفلسطينيين الناجين من المجازر الصهيونية، والحديث عنها في القرى القريبة، حتى يدب الرعب في قلوب أهل القرى الفلسطينية الأخرى.

وتوجت المجازر الصهيونية والإسرائيلية فيما بعد، بقتل الوسيط الدولي «الكونت برنادوت» في القدس في 18/9/1948، على يد العصابات الصهيونية ومن عناصرها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير، وذلك لأن الوسيط الدولي حمّل في تقريره الذي رفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16/9/1948، إسرائيل مسؤولية بروز قضية اللاجئين، وأكد أن أي تسوية لا يمكن أن تنجح دون عودتهم إلى ديارهم. وبناءً على تقريره، صوتت الجمعية العامة على القرار (194) بتاريخ 11/12/1948.

وبشكل عام فإن المجازر الصهيونية والإسرائيلية فيما بعد أدت إلى التهجير القسري لنحو (850) ألف عربي فلسطيني كانوا يشكلون ستين في المئة من مجموع سكان فلسطين العرب خلال الأعوام (1948-1949)، فقد كان سبب تهجير 25% من سكان نحو (532) قرية وخربة عربية الطرد المباشر والمجازر بوساطة عمليات البطش والمجازر على يد العصابات الصهيونية مثل: الهاغانا والشتيرن وغيرها، على حين هُجّرَ 55% من سكان تلك القرى، التي دمر منها (400) قرية، أمام هجوم عسكري على القرية، وهُجّرَ 10% من سكان القرى العرب تحت وطأة هجوم قادم متوجه إلى القرية، أي إن الهجرة العربية تحت الضغط العسكري اليهودي شملت 90% من المهجرين العرب، على حين هُجّرَ تحت وطأة الحرب النفسية والإيحاء للأهالي بهجوم قادم نحو 10%. ويتوضح من خلال ما تقدم أن الهجمات العسكرية والمجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين في العديد من القرى والخرب الفلسطينية (دير ياسين، قبية، أم الفحم، بلد الشيخ) إنما هي عملية عسكرية منظمة استهدفت الطرد الجماعي للفلسطينيين، وليست المجازر عمليات فردية بل إنها مقدمات تخدم التوجهات الصهيونية لإفراغ الأرض من سكانها العرب وهو الهدف الأساسي، لكل المخططات الصهيونية في فلسطين.

وفي سياق مجازرها المنظمة أيضاً، ارتكبت السلطات الإسرائيلية مجزرة كبيرة في ساحة المسجد الأقصى في عام 1990، ذهب ضحيتها ثلاثة عشر فلسطينياً، وارتكب مستوطن صهيوني مدفوع من الأحزاب الإسرائيلية، مجزرة في الحرم الإبراهيمي، ذهب ضحيتها في عام 1993 نحو60 فلسطينياً من المدنيين العزل. ولم تكن المجازر الإسرائيلية محصورة في فلسطين، بل تعدت ذلك إلى المناطق العربية الأخرى، وكان من أهم فصولها قصف الطيران الإسرائيلي لمنطقة قانا في لبنان التي استشهد إبانها نحو (100) من النساء والشيوخ والأطفال اللبنانيين، وذلك في مقر لقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب اللبناني، وقد حصل ذلك على مسمع ومشاهدة من عيون العاملين في القوات الدولية في صيف 1996. فضلاً عن ذلك ارتكب الموساد الإسرائيلي مجازر عديدة داخل فلسطين وخارجها، ناهيك عن الاغتيالات المنظمة للعديد من سفراء فلسطين ومثقفيها في الخارج. ولم تنته فصول الاغتيالات والمجازر الصهيونية الإسرائيلية، فخلال الفترة من (1948- 2009)، استخدمت الدولة الصهيونية المجازر أدوات أساسية للحفاظ على البقاء، وخاصة أن مشكلة الأمن الإسرائيلي كانت ولا تزال الشغل الشاغل لأصحاب القرار في إسرائيل، التي أقيمت قبل أكثر من ستة عقود خلت في ظروف دولية وإقليمية استثنائية، ولم تكن المجازر الإسرائيلية التي ارتكبت في قطاع غزة في بداية العام الحالي نهاية خطة معينة بل هي حلقة في سلسلة سياسات ثابتة في العقيدة الصهيونية لدفع الفلسطينيين خارج أرضهم وتحقيق أهداف ديموغرافية، وإستراتيجية وفي مقدمتها فرض الإملاءات الإسرائيلية على الفلسطينيين للتخلي عن ثوابتهم الوطنية .



2009-05-14