ارشيف من :أخبار لبنانية
النكبة ومهارة استحضار الذاكرة
الايام - فلسطين- بقلم: د. عبد المجيد سويلم
غسان كنفاني المبدع الفلسطيني الخالد قبل أن يكتب روايته الشهيرة (عائد إلى حيفا) لجأ الى لعبة "جهنمية" في فن استحضار الذاكرة. فقد اتفق ان صديقاً لغسان أحضر له فيلماً صامتاً - بناء على طلبه - يدور في شوارع حيفا وبين أحيائها المعروفة. مجرد كاميرا تمر بالشوارع والأزقة، دون صوت ودون معرفة المارة ودون اية إثارة او مؤثرات. بينما شاهد غسان ذلك الفيلم المصور بمهنية عالية وبحيادية تامة خطرت بباله فكرة استدعاء بعض الحيفاويين القاطنين في ذلك الوقت في مخيم برج البراجنة في لبنان وكان معظمهم من كبار السن ومن الذين "عايشوا" يوم التهجير الجماعي من المدينة.
اتصل مساعد غسان بهم وأبلغهم ان "ابو فايز يريد ان يريكم فيلماً عن مدينة حيفا" وتمنى عليهم الحضور الى مكتب مجلة الهدف لمشاهدة الفيلم.
في الموعد المحدد حضر عدد كبير من رجالات حيفا الى المكان واستقبلهم غسان بالحرارة التي تعودوها منه وبالبشاشة الآسرة في شخصيته المعروفة لديهم.
غسان الشاب الجميل، سريع الخاطر والبديهة قرأ على الفور القلق في أعين ضيوفه فخاطبهم: يا جماعة الخير لا تقلقوا، فنحن لسنا في نيسان، فالمسألة وما فيها ان صديقاً لي، ربما تعرفونه الكاتب السويسري، كان في فلسطين المحتلة وصوّر مدينة حيفا وأحضر لي فيلماً عن رحلته الى المدينة فقلت بيني وبين نفسي لم لا أدعوكم لمشاهدته؟.. هذا كل ما في الامر، أليست فكرة جميلة أن تشاهدوا حيفا؟
في تلك الاثناء كان غسان قد احضر مسجلاً كبيراً ووضعه مخفياً في أحد خزائن القاعة وطلب إعداد الشاي واتفق مع مساعده على استدعائه (أي غسان) لأمر مهم حال دوران الفيلم..!!
وبالفعل فقد دخل "محمود" الى القاعة بمجرد بدء دوران الفيلم، وطلب من غسان الذهاب الى غرفة مدير التحرير لأمر "مهم وعاجل"..!!
استأذن غسان من ضيوفه "لاعناً كثرة الهموم والأشغال" وقال لهم: خذوا راحتكم سأعود بأسرع ما أستطيع.. مشاهد مدينة حيفا وشوارعها ألزمت الضيوف الصمت التام، صمت هو اقرب الى الذهول منه الى الانتباه. وبعد مضي ثلاث او اربع دقائق فقط بدأ الهمس وبدأت الاصوات بالتمتمة، زادت الاصوات وتداخلت وبدأ الرجال يتذكرون شوارع مدينتهم، تغيرت الاجواء في قاعة العرض، أجهش بعضهم بالبكاء وراح البعض الآخر يذكّر الرجال بأحداث ترتبط بتلك الشوارع، اختلطت الاصوات، كلهم يتكلمون وكلهم يتذكرون ويروون ويسردون، اقترب المشهد من الميناء، تعالت الاصوات، غابت الصور من وراء الدموع، وبدأ السرد الجماعي ليوم النزوح من حيفا، أدق التفاصيل وأكثرها ألماً ومأساوية، دبت الذاكرة بكل الحاضرين في لحظة ازدحام مروعة، اصبح اللسان اسيراً للمشهد وصوره، تداعت الاحداث والمشاهد والصور واستحضر الرجال كل على طريقته في السرد المأساة التي مر بها هو وذووه وجيرانه ومعارفه، واختلطت المشاهد وغاب الزمن الفاصل بين مشاهد الصورة ومشاهد النزوح الجماعي لأهالي مدينة حيفا.
مع نهاية الفيلم دخل غسان ليشاهد بنفسه وجوه الضيوف ولينظر في أعينهم الدامعة.
"خلّونا نشوفكم" قال لهم مودعاً والغصة في حلقه، قد فهم كم كان مؤلماً لهم مشاهدة ذلك الفيلم. عاد غسان مسرعاً ليطمئن على سلامة تسجيله اولاً ولتحضير نفسه لحفلة تعذيب صوتية.
في مساء ذلك اليوم استمع غسان للتسجيل بالتزامن مع مشاهد الفيلم، وأعاد الاستماع مرات ومرات، ثم قرر أن يستمع للأصوات دون المشاهد، ثم عاد وشاهد تلك المشاهد دون الاصوات، وكرر هذه الدورة من الاستماع والمشاهدة لعشرات المرات قبل ان يبدأ بكتابة رائعته "عائد إلى حيفا".
الرواية بنيت مشاهدياً من كلام ضيوفه أبناء حيفا، وأحداثها رويت في تلك القاعة الصغيرة، وتفاصيلها رُكّبت من ذاكرتهم التي هوت على صدر الفيلم دفعة واحدة.
درامية الرواية في بعدها السياسي والفلسطيني حيكت قبل مشاهدة الفيلم بأكثر من عام، وقصة سعيد وصفية ودوف انتظرت عاماً كاملاً لتدخل في نسيج الرواية عبر مشاهد المدينة الصامتة ومن ذاكرة أهلها في مخيم برج البراجنة.
كان استحضار الذاكرة هو استحضار للروح وكانت الروح الفلسطينية هي هدف الرواية وغايتها.
في ذكرى النكبة يتناقص بالتدريج السريع عدد الاشخاص الذين اخرجوا من بلادهم، وبعد عشر او عشرين سنة من الآن ستكون القلة القليلة ممن يتذكرون أحداث النكبة قد غابت الى الابد لكن عدد الحالمين بالعودة يزداد بتسارع اكبر، فقد ورثوا ذاكرة آبائهم بأكثر مما توقع الآباء والأجداد وتمثلوا روحهم بأفضل مما كانوا يتمنون انفسهم. الاسرائيليون يراهنون على النسيان والفلسطينيون على وهج الذاكرة.
الفرق بين الذاكرة الجماعية لليهود والذاكرة الجماعية للفلسطينيين ان الذاكرة اليهودية موجودة في الكتب والاوراق، أما الذاكرة الفلسطينية فموجودة في الروح النابضة.
الذاكرة الفلسطينية هزمت النسيان والنسيان لم ينتصر يوماً الا عبر إبادة جماعية للذين يحملون الذاكرة، والذاكرة عندما تكون روحاً تنتصر في كل معاركها مع النسيان وهذا هو الفرق.
في ذكرى النكبة وفي بلدة الكفرين المهجرة والمدمرة بالقرب من مدينة أم الفحم حناجر آلاف الشباب الفلسطيني من أهلنا هناك هتفت بصوت واحد:
هنا ضاعت فلسطين وهنا سنجدها من جديد
أيتها الاسرائيليات أيها الاسرائيليون: حدث هذا قبل عدة ايام فقط.
لا أمل في أن تكسبوا معركة النسيان مع الذاكرة، لا أمل في ضمور الذاكرة عندما تكون روحاً حية، لا أمل لكم ولا أمل لنا الا باعترافكم بالواقع وعدولكم عن الخرافة واستبدالها بروح العيش المشترك إن استطعتم فأنتم لا تحتاجون أن تنسونا بلادنا، ونحن لا نحتاج منكم الى ذاكرة يفندها الواقع، وأغلب الظن أيتها السيدات والسادة أننا سنحتاج الى مستقبل مختلف حتى يكون لنا تاريخ مختلف ايضاً. أقصد المستقبل هو الذي سيصحح أخطاء التاريخ وسيعيد كتابة الرواية الحقيقية لقصة الاراضي المقدسة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018