ارشيف من :أخبار لبنانية

عاصم سلام ..عمارته "لم تمت"

 عاصم سلام ..عمارته "لم تمت"

كثر يفارقون الحياة ولكن ذكراهم تلازمنا. تماماً كما حال نقيب المهندسين الأسبق عاصم سلام. اللبناني المتمسك بعاداته وتقاليده. المقاوم الذي تشبث بتراثه فناضل عنه حتى الرمق الأخير. لم يكن عاصم "البيك" كما يحب كثر ان ينادوه مؤمناً بالثقافات الغريبة عن المجتمع. أبغض الحلال لديه استنساخ العمارة من الغرب. أحب ان تبقى "عروس الشرق" بيروت حاضنة للذاكرة الاسلامية والعربية. رفض كل ما يشوه تاريخها وتراثها. حاول ان يعصمها من الغزو المعماري. ناضل في وجه مشاريع كثر حاولت إبعاد عاصمة بلد الأرز عن هويتها الحقيقية.

عاصم أب الفقراء الذين وقف الى جانبهم ضد حزب "المستقبل" في مشروع "سوليدير". ارتبط اسمه بمعالم عمرانية أساسية ومهمة في لبنان أبرزها جامع "الخاشقجي" وسرايا صيدا. رحل عاصم عن عمر يناهز 88 عاماً وبرحيله خسر لبنان عماداً  أساسياً من أعمدة العمارة التراثية. وكما كان للنقيب "النسر" مبغضين امتعضوا من متانة وصلابة الشخصية التي لا تفرق بين كبير وصغير الا عبر ميزان العدل والمساواة. كان له محبين عشقوا خطه المقاوم ضد مشاريع الفساد والرشوة. فمن هو عاصم سلام؟ وبماذا تميزت فلسفته العمرانية ؟.

 عاصم بين الصلابة والبساطة..

يسرد مسؤول وحدة المهن الحرة في حزب الله المهندس حسن حجازي شخصية الراحل سلام من موقعه كصديق مقرب من النقيب الأسبق. ينوه بقوة الشخصية التي امتلكها الراحل. انه رجل يجمع بين المتانة والصلابة في مواجهة الأوضاع العامة السياسية والإجتماعية. عاصم القوي امتلك صفاء ونقاء وبساطة داخلية قل نظيرها في مجتمعاتنا.

"كل من يعرف عاصم من الخارج يرى فيه شخصية البيك الكبير المتشدد. رجل فكر وموقعية اجتماعية. يشدّد حجازي على أن لا مكان للمحسوبيات في معادلات سلام. حمل صلابة قوية في مواجهة السياسيين بشكل كبير ولم  يراعي أحداً. وهذا ما جعل من الراحل رجلاً لا ثمن له. انه محبوب من قبل الكثير من الناس الذين يملكون استقامة وصفاء ومكروه من الكثير من الناس الذين لديهم مشاريع يريدون إمرارها ووقف في وجههم بصلابة ولم يستطيعوا ازالته من الطريق".

فلسفة سلام المعمارية..تراث وبساطة

الفلسفة العمرانية التي امتلكها عاصم لطالما ميزته في زمن أضحت فيه العمارة بلا هوية. يبين حجازي كيف ان" صديقه كان يضع نصب عينيه الحفاظ على النسيج الاجتماعي في المكان العمراني. فلسفته المعمارية ارتكزت على ضرورة الحفاظ على الترابط بين الناس، ما يعني ان لا نغيّر من طبيعة الناس وطريقة عيشهم بتغيير العمارة".

 عاصم سلام ..عمارته "لم تمت"

عاصم النقيب شكّل انتفاضة كاملة ضد السيطرة الغربية على الثقافة الوطنية والقومية. يشرح المهندس المعماري رهيف فياض فكر سلام المعماري. يوضح انه" قاوم  الثقافة الغربية لإيمانه بأنها تعتمد على الشخصنة والفردنة في حين ان ثقافتنا المعمارية قائمة على مجموعة من القيم تجعل منها ثقافة شعبية واساسها الرئيسي هو الاسلام. وفق فياض، انطلق الراحل من هذا الفكر وقام بمقارنة بين عماريتين واستنتج ان العمارة الغربية مزينة ومبهرجة خاضعة لسيطرة التكولوجيا، أما عمارة بلدنا بسيطة متقشفة تستعمل المواد المحلية تبتعد عن الزينة وتعبر بصورة مباشرة عن علاقة الابنية بالمكان وبالمجتمع والعادات والتقاليد".

واجهت العمارة في لبنان تحديات جمة. كادت معها ان تفقد هويتها التراثية. أصبحت الأبنية في لبنان عبارة عن نماذج تستورد من الخارج بعيداً عن أي مراعاة للتراث والعادات والتقاليد. هنا، يبين فياض المهندس الزميل لسلام كيف ان "الأخير حاول ان ينتج عمارة تعود الى الماضي ولكن فيها نوع من الانصهار بين الحاجات المعاصرة التي فرضت نفسها بفعل التطور والطابع المحلي. باختصار، حاول "تطويع الحاضر بما يلاءم الثقافة والمكان والناس".

لسلام لمسته الخاصة على العديد من المعالم المهمة في لبنان. يشير فياض الى ان" الرفيق قام بعدة أعمال معمارية أبرزها جامع الخاشقجي، سرايا صيدا، مدرسة برمانا العالية، كما قام بترميم المبنى التابع لمدرسة الصنائع واعده ليكون مقرا لرئاسة مجلس الوزراء بعد اتفاق الطائف، فضلاً عن الكثير من الاعمال العادية".

سلام مع الفقراء ضد مشروع "سوليدير"


لم يسلم مشروع إعادة إعمار وسط بيروت كما أنجزته شركة "سوليدير" من ثورة سلام على كل ما يهدّد النسيج الإجتماعي ويقضي على الالفة والمصلحة الوطنية. خاض معركة قوية ضد هذا  المشروع في وقت كانت فيه السلطة السياسية قوية جداً. في هذا الإطار، يشير مسؤول وحدة المهن الحرة في حزب الله الى" وقوف عاصم الى جانب الفقراء المظلومين وأصحاب الحقوق. لم تهزه الرياح آنذاك واقتنع بان سكان المدينة اصحاب حقوق. رأى أن بيروت تملك تراثا معماريا محددا بطبيعة تركيب الأبنية مع بعضها اي ان طبيعة تنظيم بيروت كانت تعبر عن تاريخها. آنذاك حاول الرئيس رفيق الحريري ازالة هذه المعالم واعادة اعمار

قلب المدينة باسواق وابنية شاهقة فاعترض سلام انطلاقاً من ان العمارة على التصاق مباشر بحياة الناس وهي تعبر عن خلفية وعادات وتقاليد وتراث ينبغي الحفاظ عليها منعاً من تفكك النسيج الاجتماعي. فكان وقوفه بشراسة لان طريقة العمارة المستوردة تضيف صبغة غربية وجديدة على البيئة وتلغي العلاقات الاجتماعية السليمة".

هنا، يسرد فياض موقف سلام من "سوليدير" التي" تملكت قلب المدينة غصباً والتي قضت على الذاكرة الجماعية وأماكن الوحدة التي تصنع وحدة المجتمع. هذا المشروع الذي غير النسيج بالكامل وقضى على أمكنة الذاكرة بالكامل. غيرت علاقة بيروت بالبحر ردمت جزءا كبيرا من مياهه وقتلت علاقة الناس فيه".

بحسب المهندس المعماري الزميل، انتفض النقيب لطرد 130 الف شخص وتمزيق النسيح الاجتماعي واستبدال سكان المدينة الأصليين بأشخاص لم تعرف هويتهم. ثار على كل ما يفتت الوطن".

عاصم والمقاومة..دعم وتقدير

عاصم "البيك" لم يتخلى يوماً عن المقاومة. يلفت حجازي الى انه كان مساهما وداعما دائماً لها يحب المقاومين ويعتز بالعلاقة معهم. يقدر حزب الله ورموز المقاومة يستفسر عنهم دائماً. عاصم كان يمتلك باي حوار وموقع واي حدث رؤية سياسية كبيرة تنظر الى مصلحة الجو الاسلامي والعربي العام. لم يفكر بمصلحة صغيرة او زاوية صغيرة بل رؤيته شملت المصلحة العامة.

كان لعاصم لمسته الخاصة ورؤيته أيضاً في إعادة اعمار الضاحية الجنوبية لبيروت عقب حرب 2006. يلفت مسؤول وحدة المهن الحرة في حزب الله الى ان فلسفته في هذا الإطار ركزت على ضرورة عودة الناس الى منازلهم بنفس النسيج الاجتماعي والعمراني. لنشعر اننا انتصرنا من جديد على العدو "الإسرائيلي".

يختم حجازي " عاصم امتلك عقلاً كبيراً بحجم المنطقة".
2012-11-09