ارشيف من :أخبار لبنانية
"الإستشهاد"...ثقافة حياة
لا يختلف إثنان عاقلان على قدسية "الإستشهاد" في سبيل قضية محقة. إنه اختيار يتخطى بمعانيه الوجود الحسي ليسمو في أعلى درجات النبل والإيثار. أصحابه أناس آثروا الشهادة على العيش في ذل وخنوع. اختاروا التضحية سبيلاً لنحيا ونعيش في عز وكرامة. هم أناس آمنوا بقضيتهم فازدادوا عشقاً للفداء بالنفس في سبيلها. لم تردعهم صورة "الموت" عن النضال حتى الرمق الأخير. فجهادهم جزء من ثقافة "حياة" أبدية.
هذا المعنى السامي لثقافة "الاستشهاد" لم يسلم من أصحاب الألسن "الخبيثة" الذين تلهوا بالقشور. نظروا الى "الشهادة" على انها ثقافة "موت" تنهي حياة صاحبها. تناسوا اننا لولالهم لم نكن. وبدونهم لا معنى للوجود. ولا مكان للضعيف. فلماذا يتم التصويب على هذا الفعل العالي والراقي بمضمونه وأهدافه؟. وهل يمكن ان يتحقق نصر بدون أن تسود ثقافة الاستشهاد والمقاومة في أي مجتمع؟.
"الإستشهاد" جسر للعبور الى حياة أفضل
القرآن الكريم وكافة الكتب السماوية تحدثوا عن الشهادة وأهمية الإستشهاد. قدّروا لصاحبها أعلى الدرجات في الجنة. وفي ذلك دليل قاطع على المستوى العالي لهذا الفعل. وهنا ينطلق عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي فياض في الحديث عن الموضوع من معنى الاستشهاد. انه" التضحية بالنفس في سبيل الله او الامة او المصالح العامة، وهو اصطفاء اي ان الله يختص البعض من عباده بنعمة الاستشهاد ويختار صاحبها من بين عموم الناس وفقاً لقابلية يحملها الانسان المؤهل للشهادة".
لا يتوقف معنى الشهادة عند هذا الحد. يوضح فياض" انها مرتبة عالية تخول صاحبها مجاورة الاولياء وهي ايضا مرتبة عالية على المستوى الاخلاقي والوطني وتلقى كل تقدير من قبل المجتمع والناس".
أمين عام الحزب "الشيوعي" خالد حدادة يبدأ في مقاربته لقضية الاستشهاد من الإشارة الى "انها ليست هدفاً بحد ذاتها بل هي واقعة تمر خلال
![]() |
| د. خالد حدادة |
وفق حدادة، يتحوّل الإستشهاد من هدف بحد ذاته الى جسر عبور من أجل حياة أفضل سواء لهذا المناضل اذا لم يستشهد في حياته او للأجيال التي تبقى بعده وللناس بشكل عام، وهنا يتحول الاستشهاد الى جزء من ثقافة حياة وجزء من احداث يتعرض لها المناضلون وهم واعون لها دون خوف منها".
يتقاطع هدف الاستشهاد عند العديد من الأحزاب والقوى الوطنية والسياسية. الشاعر القومي غسان مطر يتفق مع الآراء السابقة. "الاستشهاد هو ان يبذل الانسان حياته ودمه من أجل قضية كبرى يعتبرها مصيرية. بنظره، هذا المستوى من العطاء لا يقربه الا المرضي عليهم من السماء والناس. يصف هؤلاء المناضلين برسل حياة لانهم بدمائهم التي يبذلونها يقدمون للآخرين الحياة العز والكرامة. انه باختصار العطاء بلا حدود".
الشهادة هي التضحية في سبيل كل ما يلامس قدس أقداسنا. هكذا يصفها القيادي في "التيار الوطني الحر" ناصيف قزي. ويعتبر انها " اختيار الموت في سبيل ما نؤمن به، أو لأجل ما نعتبره هدفاً أسمى ليتجسد معنى الفداء. يتابع ان" كل من مات في سبيل قضية حق أو مبدأ هو شهيد... والقضيّة التي قد تستحق الشهادة هي، في عرفنا، الكرامة الوطنية أو الحق الانساني أو المعتقد".
ثقافة "الإستشهاد" بداية لـ"ثقافة الحياة"
لم تسلم هذه القضية السامية بكل معانيها من شرارات "التخلف" التي سعت للنيل من قدسيتها. تحولت بنظر البعض من ثقافة "للحياة"
|
| الشاعر غسان مطر |
لا علاقة للإستشهاد بما يسمونه "ثقافة الموت". يجزم قزي قائلاً "انها أبجديّة صنّاع الجريمة وقهر الشعوب، أما تلك، أي "ثقافة الإستشهاد"، فتدخل لدى الشعوب المكافحة من أجل الحق والعدل والسلام، في باب القداسة". ويسأل "أولسنا في نهاية المطاف شعباً يناضل من أجل حقه في أرضه وكرامته، سعياً لبلوغ إنسانيّة قيميّة... تتزين بأرقى المعايير الخلقية والإجتماعيّة والإقتصادية والحقوقيّة...!؟" ويشير الى ان" ما أصابنا في السنوات الأخيرة من وهن غبّش كلّ الصور وأفقد الأشياء دلالاتها"، لافتاً الى فظاعة هذا الاستثمار السياسي للشهادة وتوظيفه اليوميّ في السياسة".
يذهب حدادة الى أبعد من مسمى ثقافة الاستشهاد. يصر على نعتها بـ"ثقافة المقاومة". انها جزء من ثقافة الحياة والجمال وليس "الموت". بنظره، من يدعو بحجة الخوف من الاستشهاد الى عدم النضال فانه يدعو الى تأبيد الاحتلال ونشر التخلف وبذلك يدعو الى "ثقافة الموت". يبين أمين عام الحزب الشيوعي" كيف كان المناضلون يذهبون الى الجهاد بفرح. وهم يعلمون انهم قد يقضون في سبيل قضيتهم.كانوا يطلقون الأغاني الثورية". ويضيف "نحن حزب كلفته الحرب الاهلية مئات الشهداء والمقاومة الوطنية من اجل تحرير الارض كلفته ايضا مئات الشهداء ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين في سجون العدو ، بهذا المعنى الذي نعتبر فيه ان الاستشهاد هو ثمن يدفع خلال نضالنا فاننا نعتبره جزءا من خلال عملية التغيير للفرح الاكبر سواء الفرح بالتحرير او التغيير الديمقراطي".
الشهداء لا يموتون إنهم أحياء. القرآن الكريم وصفهم بذلك. اذاً لا مكان لـ"ثقافة الموت" في قضية "الاستشهاد".
|
| ناصيف قزي |
ويتابع مطر "الاجساد قد تسقط اما النفوس فهي التي تبقى فاعلة في الاخرين مشكّلة قدوة وشمساً منيرة ليسلكها الناس باتجاه الحق والعدل والكرامة"، وسأل" لماذا استشهد الإمام الحسين (ع) هل لانه كان يحب الموت ام لانه رفض حياة الذل ورفض حياة العبودية؟ لماذا قتل المسيح هل لانه كان يحب الموت او لانه كان يفتدي الناس بدمه؟". ويضيف " هكذا دائماً عندما يحبون النيل من قضية كبرى يحاولون ان ينزلوا بابتذال الى مستويات مادية سخيفة ولا يرون ما وراء الاستشهاد من نبل وضوء وحياة كريمة وعز وجمال وقيم".
لا مكان للنصر في مجتمع بدون مقاومة
التاريخ حافل بالتجارب التي حسمت الطريق لاسترداد الكرامة والحقوق. شكّل الاستشهاد فيها كلمة السر الأقوى. لم يكن بمقدور أحد من الشعوب استرداد ما اتنزع منهم الا عبر المقاومة. لبنان خير مثال على ذلك. يبين فياض كيف ان" كل الحضارات والامم مرت في تحديات تتعلق في وجودها وبسيادتها وكرامتها ولم يكن من خيار أمامها سوى الاستشهاد في سبيل القضية او الوطن"، ويؤكد على انه" من الصعب ان نتصور ان بامكان امة من الامم ان تحمي ذاتها دون استعدادها للتضحية والشهادة وهذه مسالة لا تقتصر فقط على المعنى الديني للشهادة وانما هي مسألة انسانية عامة جربتها الامم والشعوب كافة".
|
| د. علي فياض |
يستشهد عضو كتلة الوفاء للمقاومة بتحربة حزب الله في هذا الإطار. يشدّد على اعتبار الشهادة الركيزة الاساس التي سمحت بتحقيق النجاحات والانجازات التي قامت بها المقاومة طوال سنوات النضال والمستمرة حتى الآن.
يتفق شاعر المقاومة مع ما أسلفه فياض. يشير الى ان" ما من شعب استعبد او احتلت ارضه او استعمر الا ولجأ الى المقاومة. مستغرباُ كيف يمكن ان نرد على محتل قهرنا في ارضنا ووطننا وكرامتنا دون ان نقدم الأغلى والدم لتحرير الارض والكرامة وتحقيق الاستقلال والعزة". يضيف "الخانعون وحدهم هم الذين يتصورون انهم بالسياسة والدبلوماسية يمكنهم ان يحققوا انتصاراً". يتابع" لقد أثبتت التجارب التاريخية منذ بداية الكون حتى اليوم والتجارب اللبنانية تحديداً والفلسطينية انه لا يمكن ان نحرر ارضاً او أن نطرد عدواً الا من خلال العطاء الاقصى والدم الذي يروي الارض". يجزم باللغة القومية " لا يمكن ان يتحقق انتصار دون ان يقدم الدم على مذبح القضية التي نؤمن بها".
يلتقي حدادة مع مطر. كان لا بد من أن تدفع الشعوب المقاومة والمناضلة الثمن من أجل التحرير. يلفت الى ان" التاريخ عودنا ان ضريبة الدم التي تدفعها الشعوب هي ضريبة معمّمة على كل الأمم التي ناضلت من أجل حريتها وسيادتها واستقلالها". فيما يعتبر القيادي في "التيار الوطني الحر" ان" الشهادة فعل إيمان بالأرض والكرامة، بالله وبالإنسان، وبالتطور الخلاق للشعوب".
ويسأل قزي هل كانت أعمال عظيمة وتحولات كبيرة في التاريخ، وهل كانت "أنوار" وإبداعات، وهل انتشرت رسالات، وما فيها من حقائق وأسرار... وهل كانت انتصارات بغير الشهادة...!؟ ".
ويختم بالقول " الشهادة للحق كما الإستشهاد بالجسد فعلان يتكاملان على طريق تحقيق إنسانيّة الإنسان".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018
