ارشيف من :ترجمات ودراسات

كشفٌ عن مغامرة... أم عن فن إمرار الرسائل؟

كشفٌ عن مغامرة... أم عن فن إمرار الرسائل؟

عرض برنامج "عوفدا" في القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، تحقيقا كشف فيه عن أن رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير حربه ايهود باراك، وجها أوامر برفع مستوى تأهب القوات العسكرية والأمنية إلى درجته القصوى جداً، في العام 2010، التي كان يرمز إليها بـ "كود B+"، تمهيدا لمهاجمة إيران. إلا أن رئيس أركان الجيش آنذاك، غابي اشكنازي، ورئيس الموساد مائير داغان، رفضا تنفيذ الأوامر بحجة أن تأهباً كهذا لا يمكن الرجوع عنه وبالتالي الذهاب حكما نحو حرب، كما أوضح اشكنازي، أو لأن هذا القرار غير قانوني كونه لم يصدر عن هيئة الحكومة كما أوضح دغان.


بداية لا بد من التأكيد على حقيقة أنه من الصعوبة فصل المواقف التي وردت في التحقيق عن الأجواء الانتخابية، التي تلقي بظلالها على كافة القيادات السياسية في كيان العدو، بغض النظر عن خلفيات من يقف وراء إنتاج التحقيق، الذي شكل بالمقاييس الصحافية انجازا مدوياً. لكن اللافت جداً، أنه بالرغم من أن فصول البرنامج النووي الإيراني لم تنته لحد الآن، هو سماح الرقابة العسكرية بنشر مواقف وتفاصيل كانت حتى الأمس القريب من المحظورات، وصولا إلى الدخول في التفاصيل المتصلة بالخلافات وفي أبعاد النشاطات العملياتية التي استهدفت العلماء النووي الإيرانيين رغم التستر وراء مقولة "وفق مصادر أجنبية".


وهو ما يؤكد على حقيقة أن بعض الاعتبارات الأمنية يمكن تطويعها لمصلحة الاعتبارات الانتخابية والسياسية الداخلية، وإلا كيف تمنع الرقابة نقاشاً إعلامياً حول مهاجمة المفاعل النووي السوري في العام 2007، طوال السنوات التي تلت، وتقيد نشر معلومات حول الجدال في الموضوع الإيراني.. ثم يتم نشر الكثير من التفاصيل والنقاشات المرتبطة به وبالسجال حول مهاجمة إيران، بالصوت والصورة أمام شاشة التلفزة وفي ظل الحملة الانتخابية.


بالمقاييس الإعلامية، يمكن التأكيد على صحة ما ورد في التقارير الإعلامية الإسرائيلية بأن أيهود اولمرت خصم نتنياهو الانتخابي كان أكثر المستفيدين من عرض هذا التحقيق التلفزيوني، إذ قدمه التقرير بأنه شخصية "جريئة في الأماكن التي ينبغي أن يكون فيها جريئا (سوريا، العمليات السرية ضد إيران)، وحذراً في الأماكن التي ينبغي أن يكون فيها حذراً (معارضة قصف إيران بدون تنسيق مسبق مع الولايات المتحدة) (هآرتس/ عاموس هرئيل/ 9/11/2012). والاهم من كل ذلك، أن كل هذا العرض والانطباع يأتي عشية إعلانه العودة إلى الحياة السياسية، بحسب التقديرات السائدة.

أما بخصوص تفسير دوافع نتنياهو وباراك للمشاركة في هذا التحقيق، فهو بهدف تقليص الضرر الذي يمكن أن يتسبب لهما اولمرت (من خلال المعلومات والمواقف التي اعلنها، كما كشف المعلق العسكري في صحيفة " هآرتس"، "عاموس هرئيل"، أنهما "انجرا في أعقاب اولمرت. فضلا عن أن نتنياهو وظَّف المقابلة من خلال الالتزام بأن إيران لن تملك قدرة نووية عسكرية، حتى نهاية ولايته المقبلة. وهو ما ينسجم مع محاولاته جعل الموضوع الإيراني، محور التجاذب بين القوائم والقيادات المتنافسة في الانتخابات المقبلة.


أما بخصوص حقيقة نوايا نتنياهو، فتتراوح احتمالاتها بين كونها مقدمة فعلية لمهاجمة إيران، بطريقة خاطفة، نتيجة أن أغلبية الحكومة تعارض هذا الخيار، وهي التي تملك صلاحية اتخاذ قرار الحرب والسلم، وبين كونها محاولة فرض وقائع تؤدي إلى التدحرج نحو صدامات ومواجهة مع ايران، وهو ما تخوف منه اشكنازي نفسه، وبين كونها تهدف إلى تحريك الدول الغربية لمزيد من الخطوات والعقوبات الفاعلة ضد إيران، استنادا إلى أن نتنياهو يعرف مسبقا بأن استنفارا بهذا الحجم ستعلم به واشنطن والدول الأوروبية، وخاصة أن اشكنازي من المعارضين بشدة لهذا الخيار وقد يقوم بنفسه بتسريب القرار إلى واشنطن كي تتحرك لكبح إسرائيل..


في كل الأحوال، أياً كان السيناريو والتفسير الحقيقي لتعليمات رفع مستوى التأهب، فإن اشكنازي وداغان، ومعهما وزير الشؤون الاستراتيجية موشيه يعالون قد حالوا دون تنفيذ الاوامر. وهو أمر يؤكد أنه بالرغم من نص القانون حرفيا على أن الحكومة هي من يتخذ قرار الحرب والسلم، لكن يمكن لمؤسسة الجيش، من الناحية العملية، أن تفرمل خيارات عسكرية في حال كانت تقدر بأن نتائجها وتداعياتها تشكل خطرا على الكيان الإسرائيلي.

لكن السؤال الذي سيبقى من دون جواب حاسم ونهائي، هل حاول نتنياهو تهريب قرار الحرب، والمغامرة، ام أن ما حصل فن من فنون إمرار الرسائل (إلى الاميركيين)؟.


محرر الشؤون العبرية
 

2012-11-13