ارشيف من :أخبار لبنانية
أي رسائل تحملها البصمات الإيرانية على صواريخ غزة؟
بينما كانت إسرائيل تدفع في اتجاه توجيه ضربة عسكرية الى إيران لإقفال ملفها النووي بالشمع الأحمر، إذ بالصواريخ الفلسطينية التي يحمل بعضها بصمات الصناعة او الخبرات الإيرانية تضرب تل ابيب والقدس، لتؤكد طهران مرة أخرى، «ان محور المقاومة والممانعة هو كلٌ لا يتجزأ»، وانها معنية بالمساهمة في مدّه «بعناصر القوة وتحصين قواه الممتدة من المقاومة في فلسطين، الى «حزب الله» في لبنان، مرورا بنظام الرئيس بشار الاسد في سوريا».
والمفارقة هنا، ان العرب الذين يرفضون الدور الإيراني ويتحسسون من مداه الإستراتيجي الذي يصل الى غزة، اكتفوا خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة، تحت سقف الربيع المفترض، بإصدار بيان متواضع، سبقه على لسان عدد من الوزراء اعتراف بالضعف والافتقار الى العزيمة واقتصار الطموح على تقديم مساعدات مالية وانسانية الى الشعب الفلسطيني، وكأن الجامعة العربية لا تتعدى ان تكون فرعا للهلال الأحمر أو حائطا للمبكى، عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.
والغريب في الأمر ان بعض الدول العربية هي التي تصنع «الفراغ» بسبب عجزها عن رفد الفلسطينيين بأسباب القوة أو عدم رغبتها في ذلك، ثم لا تجد حرجا في الاعتراض على سلوك إيران التي تحاول ان تملأ هذا «الفراغ» بما تيسر من المساهمات العسكرية.
وإذا كان من شأن هذا الشريان الممتد عبر البحار والأنفاق بين طهران وغزة ان يعزز النفوذ الإيراني في المنطقة، ما يشكل تهديدا للأمن القومي العربي، وفق أدبيات القلقين من «الطموحات الفارسية»، فان المطلوب بدل انتقاد إيران، انتزاع المبادرة منها والقيام بما تقوم به من مؤازرة فعلية للمقاومين الفلسطينيين، وعندها يتخذ دورها حجمه الطبيعي في معادلة الصراع مع إسرائيل.
والى جانب المفعول المادي للقدرات العسكرية الإيرانية المتسربة الى غزة، فان لها أهمية أخرى في زمن الإنقسام الحاد، إذ انها تثبت ان المواجهة ضد إسرائيل تستطيع ان تخترق الحواجز والهواجس المذهبية الآخذة في التمدد، بحيث لا تتردد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مساندة حركات المقاومة الفلسطينية التي تحمل انتماء مذهبيا مغايرا، انطلاقا من ان العدو مشترك.
وعلى قاعدة «ترابط خطوط محور المقاومة والممانعة»، تماما كما ان الخصوم يصطفون في معسكر واحد، تستمر إيران في الدفاع عن نظام الرئيس بشار الاسد، من دون ان تقفل الباب في الوقت ذاته على الحوار مع معارضيه في الداخل، والذين استضافت شريحة منهم في الايام الماضية في إطار «اجتماع الحوار الوطني السوري».
وتؤكد مصادر إيرانية واسعة الإطلاع ان سقوط الرئيس الاسد «مستحيل ولن يحصل قسرا، مهما طال الزمن، وكما مرّ حتى الآن قرابة 20 شهرا على الأزمة من دون رحيل الاسد، سيمر 20 شهرا إضافيا من دون ان يرحل، وقد حان الوقت ليكف البعض عن رهاناته الخاسرة وأوهامه الكبيرة، بعدما ثبت ان المعارضة وكل حلفائها الإقليميين والدوليين عاجزون عن إسقاط النظام بالقوة، وهذه المعادلة ستظل سارية المفعول».
وتشدد المصادر على ان سوريا «هي جزء حيوي من جبهة المقاومة والممانعة، وإيران ليست بوارد ان تقف متفرجة على الإستهداف الخارجي الواضح الذي يتعرض له هذا البلد، لتغيير خياره الاستراتيجي وموقعه الحيوي في المنطقة، وطهران لا تخجل من تقديم الدعم السياسي والاقتصادي لدمشق، في مواجهة المؤامرة المتعددة الأضلاع التي تطالها».
وتعتبر المصادر ان نظام الأسد «ما يزال يتمتع بتأييد الأكثرية الشعبية، وإذا كان الآخرون يريدون حقا اعتماد الديموقراطية في سوريا، فإن آليات الديموقراطية واضحة وبسيطة، وقاعدتها الأولى هي الانتخابات التي تعكس الإرادة الشعبية الحقيقية».
انطلاقا من هذه المقاربة، تشدد المصادر الإيرانية البارزة على ان اساس الحل السياسي في سوريا «يكمن في إجراء انتخابات رئاسية نزيهة، مع انتهاء ولاية الاسد العام 2014، على ان يُسلّم الجميع عندها بما ستفرزه صناديق الاقتراع، وإذا كانت المعارضة تعتبر ان الانتخابات في ظل النظام الحالي ستكون معلبة ونتائجها ستكون معروفة سلفا، بعيدا عن شروط النزاهة المطلوبة، فلا بأس في مناقشة الضمانات اللازمة لإجراء انتخابات سليمة، تحظى بثقة جميع الأطراف.. المهم إقرار مبدأ الركون الى الانتخابات، كمخرج من الأزمة، وبعد ذلك يمكن البحث في كل الضمانات المتعلقة بالجوانب التطبيقية».
وتنبه المصادر الى ان محاولة إسقاط النظام السوري، بضغط خارجي وبالقوة المسلحة، رغما عن موقف الأكثرية الشعبية، «إنما تشكل سابقة خطيرة لا يمكن القبول بها، وإلا ما الذي سيحول غدا دون ان تطالب أي دولة تختلف مع نظام معين برحيله، لمجرد انه لا يعجبها، فتحاول تكوين قوة ضغط والدفع في هذا الاتجاه، متجاوزة صفته التمثيلية وشرعيته الداخلية، كما يحصل حاليا مع سوريا التي التقت ضدها مجموعة دول، لها أجندتها الخاصة».
ومن هنا، تشير المصادر الى ان رفض طهران إزاحة الاسد بالقوة وبناء على رغبات خارجية، «هو موقف مبدئي يرتبط بالحفاظ على الاستقرار الدولي والاقليمي».
وتعتبر المصادر الإيرانية انه كان الأجدر بالأميركيين الإستفادة من تجاربهم الفاشلة في احتلال العراق وأفغانستان والشراكة في الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، ولو كنا مكانهم لاستخلصنا العبر والدروس من تلك المحطات، مؤكدة ان واشنطن والدول الحليفة لها وصلت الى طريق مسدودة في سوريا، وعليها الإقتناع بهذه الحقيقة للحد من خسائرها.
وترى المصادر ان المشكلة تكمن في ان بعض المجموعات المسلحة وبعض الدول الداعمة لها بالمال والسلاح «لم تصل بعد الى هذه القناعة، والحرب في سوريا ستتوقف متى أدركت هذه الأطراف بان إسقاط النظام السوري بالقوة العسكرية أمر مستحيل وان الخيار الوحيد المتاح هو الإحتكام الى صناديق الإقتراع لا صناديق السلاح».
وتلفت المصادر الانتباه الى انه لو لم يكن هناك إمداد خارجي للمجموعات المسلحة في سوريا، لكانت المواجهة قد حُسمت، منبهة الى ان استمرار هذا الإمداد سيطيل أمد الأزمة، لكن من دون ان يعني ذلك ان لدى خصوم النظام فرصة لتغييره، وبالتالي فان الكلفة التي ستترتب على مواصلة الحرب «ستكون عبثية، وسيكتشف الجميع انه ما من مفر في نهاية المطاف من العودة الى طاولة المفاوضات».
وتشير المصادر الى ان توحيد فصائل المعارضة، وبمعزل عن الخلفيات، «يساعد على تأمين شروط أفضل للحوار، لانه تصبح هناك جهة يمكن التفاوض معها، بدل ان تفتح كل مجموعة على حسابها ويختلط الحابل بالنابل، خلافا للحال على ضفة النظام حيث تعرف من تحاور».
وتشدد المصادر على ان موقف روسيا الرافض لقلب النظام بالعنف الداخلي او بالضغط الخارجي «هو موقف استراتيجي وليس تكتيكيا»، داعية الى قراءته في هذا السياق وعدم التوهم انه يمكن مقايضته بصفقة ما على حساب النظام.
وتجزم المصادر بان العقوبات الغربية المتصاعدة على إيران، والتي تتدرج من رأس السمكة الى ذيلها، لن تؤثر على صلابة طهران في مقاربتها للملف النووي وللأزمة السورية والقضية الفلسطينية وخيار المقاومة، وإذا كان صحيحا ان بعض العقوبات يتسم بالقسوة، فان الصحيح ايضا ان القيادة الايرانية تعمل على التكيف معها وإيجاد البدائل المناسبة.
صحيفة "السفير"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018