ارشيف من :أخبار لبنانية

مهلة سبعة ايام...

مهلة سبعة ايام...

شارل أيوب - "الديار"


يأخذ العالم كله صورة ان الاشتباكات الحاصلة بين حركة حماس والجهاد الاسلامي من جهة واسرائيل هي اشتباكات عادية، وان المقاومة تطلق صواريخ واسرائيل تقوم بالقصف بالطائرات وشنّ الغارات. ويتابعون الأحداث خاصة في الدول العربية على نحو كأنه اشتباك عادي بين الفلسطينيين والاسرائيليين. والسبب ناتج من ان الانظمة العربية قامت أخيراً على ثقافة قبول العدو الاسرائيلي وطروحاته وان غارات اسرائيل امر طبيعي، والاشتباك مع الفلسطيني أمر روتيني.
وعلى هذا الأساس، سرت ثقافة الخضوع لاسرائيل واتفاقات الهيمنة من قبلها باستثناء حركة حماس والجهاد الاسلامي وسوريا وحزب الله في لبنان.

أما واقع الامر في ما جرى في غزة، فهو ان واشنطن وبريطانيا وفرنسا اعطت مهلة 7 أيام لاسرائيل لإسكات الصواريخ الفلسطينية. وعطّلت واشنطن قرار ادانة بحق اسرائيل في مجلس الأمن على أساس أنها تريد اعطاء الفرصة لاسرائيل لإسكات المقاومة وصواريخها، لأن واشنطن لا تريد تكرار تجربة لبنان بحصول وقف اطلاق النار بين المقاومة واسرائيل وتثبيت وجود هذه المقاومة كعنصر أساسي في المعركة.

أميركا وبريطانيا وحلف الناتو لا تريد ان تثبت حماس وجودها ولا الجهاد الاسلامي، وكانت تتوقع من خلال 300 غارة اسرائيلية اسكات الصواريخ الفلسطينية وتدمير البنية لاطلاق الصواريخ التي ترتكز عليها حماس والجهاد الاسلامي، فاذا بها تتفاجأ بصواريخ بعيدة المدى حتى أن الـ«سي.ان.ان» محطة التلفزيون الشهيرة نقلت عن مسؤولين في البنتاغون في وزارة الدفاع الاميركية تعجباً كبيرا كيف استطاعت حركة حماس الحصول على هذه الصواريخ، وكيف استطاعت حركة حماس تحضير نفسها لحرب صاروخية وبرية مع اسرائيل.

واعلنت محطة الـ «سي.ان.ان» ان المخابرات الاميركية اعتمدت في الفترة الاخيرة خطاً ايرانياً الى السودان الى سيناء وعبر الانفاق الى غزة. وان ايران اوصلت هذه الصواريخ الى قطاع غزة، كذلك استطاعت سوريا وحزب الله تأمين الدعم لحركة حماس والمقاومة الفلسطينية بشكل اصبح لدى المقاومة الفلسطينية صواريخ متطورة من طراز كورنيت ضد الدروع، اضافة الى قدرة صاروخية اصابت تل ابيب والقدس. وهذا ما جعل واشنطن ولندن وحلف الناتو تعطي الفرصة على مدى 7 أيام وعندما فشلت اسرائيل خلال 7 ايام في إسكات المقاومة تحرّكت واشنطن لتحقيق هدنة لان اسرائيل اصبحت في وضع محرج. فكلما قامت بغارات وسقط مدنيون قام الرأي العام في أوروبا واميركا ضد اسرائيل.

ومن الأخبار ونتائجها، رأت الولايات المتحدة وحلف الناتو صور الاطفال والنساء وهم شهداء نتيجة الغارات، وان الطيران الاسرائيلي يضرب عشوائياً في غزة دون ان يستطيع تحقيق أهداف لحماس وضربها. وبالتالي، بعد مضي 7 أيام ضغطت واشنطن فأرسلت امين عام الامم المتحدة بان كي مون ليجتمع بالرئيس نتنياهو من اجل بحث الوضع في المنطقة.

وصلت اسرائيل الى استنفاذ كل وسائلها الجوية في الطيران، وصمدت غزة، لا بل اصبح المشهد معاكساً، الاسرائيلي ينزل الى الملجأ نتيجة صفّارات الانذار من صواريخ حركة حماس، فيما الشعب الفلسطيني يتحرك في شوارع غزة رغم الغارات الاسرائيلية ولا يدخل الى الملاجىء.

وهنا ظهر صمود شعبنا في فلسطين، وكيفية خوف الشعب الاسرائيلي ولجوئه الى الملاجىء نتيجة الصواريخ الفلسـطينية وصفّارات الانـذار.

جاء بان كي مون يتدخل لحلّ المشكلة، كذلك تحركت الجامعة العربية بطلب أوروبي - اميركي، وبضغط من الشارع العربي الذي لم يعـد يسكت عن الغارات الاسرائيلية على غزة. وبعدما رأت اسرائيل والدول العربية ودول العالم أن اسرائيل خسرت الجولة الأولى في الغارات الجوية، ولم يعد أمامها سوى الاجتياح البري.

الاجتياح البري له حساباته، والمجتمع الدولي غير قادر على تأمين غطاء لاجتياح بري لقطاع غزة وحصول مجازر، وحركة حماس والجهاد الاسلامي استعدا للمواجهة البرية والجيش الاسرائيلي من خلال تجربة عدوانه على غزة وغزوه منطقة غزة فإن القتال سيصبح من منزل الى منزل، وهذه المرة أقامت حماس والجهاد الاسلامي نسفيات كبرى وعبوات مضادة للدروع، اضافة الى قدرة عناصر بشرية من حركة حماس والجهاد الاسلامي للقتال ضد الاجتياح البري. لكن بريطانيا التقطت الاشارة وتدخلت معتبرة انها لا تستطيع تحمّل تأمين غطاء لعملية برية كما يخطط نتنياهو.

وازاء هذا الوضع، تدخلت وزيرة خارجية الولايات المتحدة وقررت السفر الى الشرق الأوسط في زيارة أسمتها وأطلقت عليها اسم زيارة ازمة، اي انها جاءت لانقاذ الوضع، والدول العربية والتركية دخلت الى غزة واتصلت مع السلطة في رام الله من اجل اظهار تضامنها مع الشعب الفلسطيني، لكن الواقع هو ان حركة حماس نجحت في الصمود مع الجهاد الاسلامي، وان اسرائيل فشلت في إسكات المقاومة الفلسطينية، وان مهلة الـ 7 ايام من الغارات المتواصلة بكل انواع الطيران والصواريخ لم تجعل اسرائيل تحقق اهدافها.

وهنا باتت اسرائيل في وضع افلاسي، فإما ان توقّع هدنة عبر القاهرة واما القيام بحملة برية، والحملة البرية لا تستطيع واشنطن والمجتمع الدولي تغطيتها، ولا تستطيع الانظمة العربية تغطية الاجتياح البري. ولذلك تدخلت هيلاري كلينتون وزيرة خارجية اميركا، فيما اسمته زيارة ازمة ووصولها الى المنطقة، وارسلت اسرائيل مسؤولين عسكريين ووزراء الى القاهرة للتهدئة، ومن هنا التوصل الى اتفاق هدنة بين حماس والجهاد الاسلامي من جهة واسرائيل من جهة اخرى.
وهذا لم يكن يحصل في السابق، ذلك انه بعد غزو قطاع غزة سنة 2008 وسقوط اكثر من 1400 شهيد في غزة، جاء ايهود باراك كوزير للدفاع لسحب الجيش الاسرائيلي من غزة ولينفذ مع رئيس الوزراء اولمرت انسحاباً من القطاع واعترفا بأن مجزرة كبرى حصلت ولا بدّ من تخفيف وطأتها، وبالتالي أعلن يومها باراك ان غزو غزة لن يحصل بعد الآن لانه مكلف لاسرائيل على الصعيد الدولي.

في الساعات الاخيرة، كانت الاتصالات لا تقف بين الرياض والقاهرة وواشنطن وباريس ولندن وموسكو من اجل تأمين حلّ لا يجعل اسرائيل مهزومة بشكل فاضح امام الرأي العام العربي والدولي، لكن اسرائيل خضعت للأمر الواقع ووافقت على الهدنة وهي لم تكن تعترف لا بحماس ولا بوجود الجهاد الاسلامي ولا تقبل التوازن معهما، وتعتبرهما منظمتين ارهابيتين، كذلك الولايات المتحدة وبريطانيا تصنّف حركة حماس بأنها منظمة ارهابية، غير قابلة للتفاوض معها، فاضطرت هذه المرة واشنطن وبريطانيا والدول العربية الى الاعتراف بحق المقاومة لحماس وبوجود حركة حماس والجهاد الاسلامي.

ومن هنا، بعد 7 أيام من الغارات وصلت اسرائيل الى الطريق المسدود، إما هدنة وتخضع عندها اسرائيل للأمر الواقع ووجود المقاومة الفلسطينية، وإما اجتياح بري لا أحد يعرف نتائجه ولا يتحمّله المجتمع الدولي ولا الانظمة العربية، فاختارت واشنطن وبريطانيا واسرائيل القبول بالهدنة لانها غير قادرة على الاجتياح البري بسهولة.

نحن نقف اليوم أمام انتصار للمقاومة الفلسطينية في وجه اسرائيل، ولا شـك ان سـوريا لها فضل كبير في هذا المجال، ولا يحق لحركة حماس ان تنسى الموقف السوري معها، ونحن أمام انتصار شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة المحاصر، رغم الفقر، ورغم البطالة ورغم انقطاع الكهرباء والماء، فان شعبنا في غـزة حقـق انتصـار التوازن مع العدو الاسرائيلي، وضرب عمق فلسطين المحتلة من تل ابيب الى القدس.

ونقول الحمدلله اننا نعيش اياما مجيدة من انتصار حرب تموز 2006 في لبنان، الى انتصار حركة حماس في تشرين الثاني 2012، ونقول الحمدلله والحمدلله ان شعبنا ينتصر والهزيمة للجيش اليهودي والمخطط الصهيوني ضد حقوقنا ووجودنا وعزة نفسنا وسيادتنا على ارضنا.
2012-11-21