ارشيف من :أخبار لبنانية
«القبة الحديدية»: الخرافة والفراشة
اياد زيعور (كاتب وأكاديمي ـ لبنان) - صحيفة السفير
لا يحتاج المرء إلى معلومات استخبارية خارقة لتقييم نظام اعتراض الصواريخ الاسرائيلي المعروف بالقبة الحديدية ، بل كان يكفي مشاهدة برنامج «مكذبو الخرافات» على قناة «ديسكفري». ففي أحد الحلقات يحاول مقدمو هذا البرنامج اثبات أو تكذيب أمكانية التقاط رصاصة منطلقة. وهذا البرنامج الذي عادة ما يختار مشاهد من افلام هوليوودية ليحكم بامكانية حصولها من عدمه بطرق علمية جدية تصل الى حد الاستعانة بمختبرات «الناسا»، حكم باستحالة التقاط رصاصة. فبعد استعمالهم مروحة واسعة من الطرق، فشلت كل محاولات الالتقاط لان ليس هناك من رصاصتين تتشابهان في سرعتهما.
بناء عليه، ليس من الصعب الاستنتاج بان نجاح القبة الحديدية التي هي عبارة عن محاولة اصابة رصاصة برصاصة أو صاروخ بصاروخ، هي أيضا مسألة شديدة الصعوبة. لكن لنكون أكثر دقة، فان من المرجح أن يكون صاروخ القبة الحديدية مزودا بصاعق اقترابي proximity fuse، وهو صاعق يحدد القرب من الهدف عبر موجات رادارية، وينفجر عند الاقتراب الكافي مما يغني عن الاصابة المباشرة. ورغم ان الصاعق الاقترابي قد استعمل بنجاح في الاسلحة المضادة للطائرات منذ أواخر الحرب العالمية الثانية، فان تفجير الصاروخ يطرح صعوبة اضافية، لانه، على عكس الطائرة، له غلاف سميك من المعدن، مما يعني ان الانفجار يجب ان يكون قريبا جدا ليكون له تأثير حقيقي.
ولفهم صعوبات اعتراض الصاروخ عبر اصابته، لا بد من النظر الى نظام مجرب مثل نظام الدفاع عن السفن البحرية الروسي «أك-360 «أو «فالنكس» الأميركي. ففي محاولته لتفجير صاروخ قادم، يستعمل هذا النظام رشاشا يطلق خمس آلاف طلقة من العيار الثقيل في الدقيقة، مما يعني انه يطلق كل مخزونه (1500 طلقة) في أقل من عشرين ثانية مكونا غيمة من الرصاص ستفجر كل شيء تصادفه. وحتى تتمكن الطلقات من اختراق الصاروخ وتحمل عزم الاصطدام، يستعمل التنغستن اصلب المعادن المعروفة للانسان. وحتى مع الفي طلقة تطلق على الصاروخ، تبقى اصابته وتدميره مسألة غير مضمونة. يذكر ان الاميركيين حاولوا نقل نظام «فالنكس» الى البر، فجربوه في العراق لحماية بعض الاهداف الحساسة من القذائف والصواريخ، لكن لا يبدو ان النتائج كانت مشجعة.
قد يكون الحكم النهائي على هكذا انظمة بحاجة الى معطيات اكثر من المتداول. لكن بالنسبة للأكاديمي، هناك مصدران يمكن الاعتماد عليهما: التاريخ والعلم. في التاريخ القريب، نجد قصة شديدة الشبه بقصة القبة الحديدية، انها قصة «حرب النجوم» التي أطلقها الرئيس الأميركي ريغن العام 1983، وهي عبارة عن خطة طموحة لبناء منظومة دفاع في مواجهة الصواريخ الباليستية السوفياتية. ومع أن العلماء قالوا انهم بحاجة الى عشر سنين فقط ليحددوا «امكانية» الوصول الى هذا النظام، فإن الجيش الأميركي بدأ يبث مشاهد هوليوودية عن النجاحات في تفجير الصواريخ الباليستية بعد سنة واحدة من بدء البرنامج. ففي حزيران 1984، بعد فشل المحاولة الرابعة لاعتراض صاروخ، وزع البنتاغون مشاهد هوليوودية تصور «النجاح الباهر» في تدمير الصواريخ. ولم يعترف الاميركيون بعملية الخداع هذه حتى العام 1994 حين كشفوا عن الحقيقة بعدما اصبح الاتحاد السوفياتي نسيا منسيا. وبرر البنتاغون خداعه بحاجته للتأثير في مفاوضات الحد من التسلح، وهو أمر نجح بالفعل، وربما أكثر من اللازم. ففي القمة التي جرت العام 1985 بين ريغن وغورباتشوف، كان مطلب الاخير ايقاف «حرب النجوم» هو المطلب الذي افشل القمة بسبب رفض ريغن هذا الطلب. «حرب النجوم» رغم فشلها الكامل تكنولوجيا، كان لها نجاح دعائي هائل لان السوفيات كانوا قد صرفوا المليارات لمواجهتها. وهنا يبدو ان ريغن نفسه صدق كذبته، والا لما أفشل القمة بسبب هذه النقطة التي كان الاميركيون يسعون لانجاحها دعما لغورباتشوف.
اما في العلم، فان النقاش حول قدرة العلم على التفسير والتنبؤ بالظواهر الفيزيائية بشكل كامل (كالتنبؤ بمسار صاروخ) هو نقاش يدور على حافة نطاق العلم، وينتمي على الاكثر الى الفلسفة. فبعد اكتشافات نيوتن، ساد تفاؤل كبير بالوصول الى الفهم الكامل لظواهر الكون حيث بدا الكون كساعة دقيقية تتحرك على اساس قوانين واضحة ومعروفة.
ظل هذا الاعتقاد مسيطرا حتى العام 1890 حين استطاع هنري بونكاريه Poincaré ايجاد حل لمعضلة «الأجسام الثلاثة» التي حيرت العلماء بدءا من نيوتن نفسه. المعضلة كانت حول ايجاد المعادلة الرياضية لثلاثة أجسام تتبادل التأثير (غالبا ما اختيرت الشمس والأرض والقمر التي تتبادل التأثير عبر الجاذبية) والتي تسمح بتحديد مكان أي من هذه الأجسام في اي وقت من الاوقات. انجاز بونكاريه بالواقع لم يكن في ايجاد المعادلة، بل في اثباته استحالة ايجاد هكذا معادلة. وهذا يعني انه لا يمكن التنبؤ بتصرفات هذا النظام البسيط نسبيا، الممكن فقط هو ايجاد اجوبة تقريبية. افتتح عمل بوانكاريه هذا نطاقا جديدا في العلم يدعى «نظرية الفوضى» (Chaos theory) التي أسست لرؤية بديلة عن رؤية نيوتن. فقد قدمت نظرية الفوضى الكون على انه مكان شديد التعقيد ويصعب جدا بالتنبؤ بالأحداث فيه.
[[[
رفضت المؤسسة العلمية وجود الفوضى لأنها ظاهرة تعني وجود أحداث لا تخضع لقوانين الفيزياء. وفضلت التفسير الذي يقول إن الفوضى هي نتيجة متغيرات صغيرة جدا لا يمكن قياسها وهو الطرح الذي اشتهر به العالم الرياضي ادوار لورنز Lorenz والذي سمي «بتأثير الفراشة». ففي مثال لورينز الشهير، أعتبر ان ضربة جناح فراشة في البرازيل قد يسبب اعصارا في اميركا. وفي هذا دلالة على كيفية انه في الأنظمة المعقدة، مثل نظام المناخ، يتأثر النظام بشكل كبير بتأثيرات ضعيفة للغاية.
هكذا أصبحت مسألة عدم القدرة على التوقع مرتبطة بعدم القدرة على ايجاد التساوي بين كل المتغيرات بين النظام المعروف والنظام المرغوب بتوقعه. فمثلا بالعودة الى مثال اطلاق الرصاصة، فان المتغيرات المؤثرة في سرعة الرصاصة عديدة وأهمها قوة حشوة البارود. وبالتالي حتى نستطيع توقع حركة رصاصة، يجب ان تتساوى متغيرات هذه الرصاصة مع متغيرات رصاصة سابقة قمنا بقياسها. وهذا أمر غير ممكن لأسباب عملية ونظرية. فعمليا، ليس من الممكن ان ننجح في ان ننتج رصاصتين مع عدد حبات البارود نفسها، حيث كل حبة تساوي في الشكل والحجم والفاعلية مثيلتها في الرصاصة الثانية. وبالتالي، على مستوى معين من الدقة، لا يمكن ان تتساوى السرعة بين رصاصتين وهذا ما افشل جهود «مكذبي الخرافات».
اما على المستوى النظري، فان التساوي هو مسألة غير ممكنة خارج الاشكال النظرية والمجردة التي تشتغل فيها الرياضيات. فعندما نقول مثلا ان تفاحتين متساويتين بالوزن فان هذا التساوي يصح فقط بالنسبة لاداة القياس، فلو اننا استعملنا أداة اكثر دقة للقياس فانهما لن تبدوا متساويتين. وفي هذا، كتب العالم الرياضي بنوا مندلبروت Mandelbrot مقالة علمية شهيرة بعنوان: «كم يبلغ طول شاطئ انكلترا؟»، برهن فيه انه لا يمكن قياس اي شيء معقد مثل شاطئ انكلترا، لأنه كلما زادت دقة اداة القياس ازداد طول الشاطئ. وهذا يعني أن طول الشاطئ غير متناه مما يخلق معضلة رياضية شبيهة بمعضلات زينون الفلسفية. وكان زينون الفيلسوف اليوناني الذي عاش 500 سنة قبل الميلاد، قد طرح مجموعة معضلات رياضية - فلسفية ذكرها أرسطو في كتابه «الفيزياء» وأشهرها معضلة أخيل والسلحفاة. وفي هذه المعضلة، يستعمل زينون المبدأ الرياضي القائل بوجود عدد غير متناه من النقاط بين نقطتين، ليبرهن ان أخيل لن يستطيع أبدا أن يسبق السلحفاة اذا بدأت السباق متقدمة عليه!
على عكس الشائع عن الثقة والسيطرة اللتين يوحي بهما العلم، فان المتعمق لن يجد الا معضلات تُعجز العلم فيتركها للفلسفة. كثيرة هي الحالات، مثل اصابة صاروخ بصاروخ، التي تحدث على حافة الممكن علميا، حيث تصبح الاحتمالات والحلول التقريبية هي السائدة بدل اليقين والدقة. بل حتى وإن افترضنا حدوث نجاح ما، فانه يبقى نجاحا هشا يختفي مع اي ضربة جناح فراشة.
الصاروخ هو بالتأكيد نظام معقد يؤثر فيه عدد هائل من المتغيرات الذاتية والخارجية. فمثلا، لا يمكن وصف الفضاء الذي يعبره الصاروخ بالمتجانس، انما هو متنوع ومتغير حيث تعم فيه التيارات الهوائية الحارة والغيوم. وبدل انتظار ضربة الفراشة، يمكن بسهولة تعديل متغيرات ذاتية تزيد نسبة الفوضى. فمثلا فانه باستعمال مرحلتين للدفع الصاروخي، فان صاروخاً جديداً سيولد في منتصف الطريق. فعندما تسقط حجرة الدفع الأولى خلال طيران الصاروخ، فان كل شيء فيه سيتغير: الوزن، الشكل، الانسياب، والأهم السرعة وقوة الدفع. علما ان علوم الصواريخ تعطي افضلية كبيرة للصواريخ ذات المرحلتين في السرعة والمدى.
سيمضي وقت طويل قبل أن نعرف مدى النجاح الحقيقي الذي يمكن أن تحققه القبة الحديدية وأخواتها مثل الدرع الصاروخي. لكن الحصول على تقييم دقيق أمر مستبعد قبل انتهاء الاهداف السياسية وراء هذه المنظومة، كما حدث مع حرب النجوم، حيث كان علينا ان ننتظر نهاية الاتحاد السوفياتي لنعرف الحقيقة. في الصراعات حيث النصر والهزيمة يتعلقان بحالة القناعة أكثر من الواقع، يمثل الخداع بالصورة والخبر الكاذب أسهل الطرق للنجاح.
الطبيعة معقدة اكثر مما نظن، والفيزياء تقول لنا إن ما يبدو بسيطا هو في غاية التعقيد، وإن ما يبدو صغيرا تافها قد يكون هائل التأثير. ولكن لا أحد يجادل بان النظام الأعقد والأصعب بالتنبؤ هو الانسان نفسه.
الذين ينامون على حرير تفوقهم، سيستيقظون عاجلا ام اجلا على دود القز الذي يصنع حريرهم وقد أصبح فراشات تضرب بجوانحها لتولد اعصارا... يبتلع خرافاتهم... لا محالة.
لا يحتاج المرء إلى معلومات استخبارية خارقة لتقييم نظام اعتراض الصواريخ الاسرائيلي المعروف بالقبة الحديدية ، بل كان يكفي مشاهدة برنامج «مكذبو الخرافات» على قناة «ديسكفري». ففي أحد الحلقات يحاول مقدمو هذا البرنامج اثبات أو تكذيب أمكانية التقاط رصاصة منطلقة. وهذا البرنامج الذي عادة ما يختار مشاهد من افلام هوليوودية ليحكم بامكانية حصولها من عدمه بطرق علمية جدية تصل الى حد الاستعانة بمختبرات «الناسا»، حكم باستحالة التقاط رصاصة. فبعد استعمالهم مروحة واسعة من الطرق، فشلت كل محاولات الالتقاط لان ليس هناك من رصاصتين تتشابهان في سرعتهما.
بناء عليه، ليس من الصعب الاستنتاج بان نجاح القبة الحديدية التي هي عبارة عن محاولة اصابة رصاصة برصاصة أو صاروخ بصاروخ، هي أيضا مسألة شديدة الصعوبة. لكن لنكون أكثر دقة، فان من المرجح أن يكون صاروخ القبة الحديدية مزودا بصاعق اقترابي proximity fuse، وهو صاعق يحدد القرب من الهدف عبر موجات رادارية، وينفجر عند الاقتراب الكافي مما يغني عن الاصابة المباشرة. ورغم ان الصاعق الاقترابي قد استعمل بنجاح في الاسلحة المضادة للطائرات منذ أواخر الحرب العالمية الثانية، فان تفجير الصاروخ يطرح صعوبة اضافية، لانه، على عكس الطائرة، له غلاف سميك من المعدن، مما يعني ان الانفجار يجب ان يكون قريبا جدا ليكون له تأثير حقيقي.
ولفهم صعوبات اعتراض الصاروخ عبر اصابته، لا بد من النظر الى نظام مجرب مثل نظام الدفاع عن السفن البحرية الروسي «أك-360 «أو «فالنكس» الأميركي. ففي محاولته لتفجير صاروخ قادم، يستعمل هذا النظام رشاشا يطلق خمس آلاف طلقة من العيار الثقيل في الدقيقة، مما يعني انه يطلق كل مخزونه (1500 طلقة) في أقل من عشرين ثانية مكونا غيمة من الرصاص ستفجر كل شيء تصادفه. وحتى تتمكن الطلقات من اختراق الصاروخ وتحمل عزم الاصطدام، يستعمل التنغستن اصلب المعادن المعروفة للانسان. وحتى مع الفي طلقة تطلق على الصاروخ، تبقى اصابته وتدميره مسألة غير مضمونة. يذكر ان الاميركيين حاولوا نقل نظام «فالنكس» الى البر، فجربوه في العراق لحماية بعض الاهداف الحساسة من القذائف والصواريخ، لكن لا يبدو ان النتائج كانت مشجعة.
قد يكون الحكم النهائي على هكذا انظمة بحاجة الى معطيات اكثر من المتداول. لكن بالنسبة للأكاديمي، هناك مصدران يمكن الاعتماد عليهما: التاريخ والعلم. في التاريخ القريب، نجد قصة شديدة الشبه بقصة القبة الحديدية، انها قصة «حرب النجوم» التي أطلقها الرئيس الأميركي ريغن العام 1983، وهي عبارة عن خطة طموحة لبناء منظومة دفاع في مواجهة الصواريخ الباليستية السوفياتية. ومع أن العلماء قالوا انهم بحاجة الى عشر سنين فقط ليحددوا «امكانية» الوصول الى هذا النظام، فإن الجيش الأميركي بدأ يبث مشاهد هوليوودية عن النجاحات في تفجير الصواريخ الباليستية بعد سنة واحدة من بدء البرنامج. ففي حزيران 1984، بعد فشل المحاولة الرابعة لاعتراض صاروخ، وزع البنتاغون مشاهد هوليوودية تصور «النجاح الباهر» في تدمير الصواريخ. ولم يعترف الاميركيون بعملية الخداع هذه حتى العام 1994 حين كشفوا عن الحقيقة بعدما اصبح الاتحاد السوفياتي نسيا منسيا. وبرر البنتاغون خداعه بحاجته للتأثير في مفاوضات الحد من التسلح، وهو أمر نجح بالفعل، وربما أكثر من اللازم. ففي القمة التي جرت العام 1985 بين ريغن وغورباتشوف، كان مطلب الاخير ايقاف «حرب النجوم» هو المطلب الذي افشل القمة بسبب رفض ريغن هذا الطلب. «حرب النجوم» رغم فشلها الكامل تكنولوجيا، كان لها نجاح دعائي هائل لان السوفيات كانوا قد صرفوا المليارات لمواجهتها. وهنا يبدو ان ريغن نفسه صدق كذبته، والا لما أفشل القمة بسبب هذه النقطة التي كان الاميركيون يسعون لانجاحها دعما لغورباتشوف.
اما في العلم، فان النقاش حول قدرة العلم على التفسير والتنبؤ بالظواهر الفيزيائية بشكل كامل (كالتنبؤ بمسار صاروخ) هو نقاش يدور على حافة نطاق العلم، وينتمي على الاكثر الى الفلسفة. فبعد اكتشافات نيوتن، ساد تفاؤل كبير بالوصول الى الفهم الكامل لظواهر الكون حيث بدا الكون كساعة دقيقية تتحرك على اساس قوانين واضحة ومعروفة.
ظل هذا الاعتقاد مسيطرا حتى العام 1890 حين استطاع هنري بونكاريه Poincaré ايجاد حل لمعضلة «الأجسام الثلاثة» التي حيرت العلماء بدءا من نيوتن نفسه. المعضلة كانت حول ايجاد المعادلة الرياضية لثلاثة أجسام تتبادل التأثير (غالبا ما اختيرت الشمس والأرض والقمر التي تتبادل التأثير عبر الجاذبية) والتي تسمح بتحديد مكان أي من هذه الأجسام في اي وقت من الاوقات. انجاز بونكاريه بالواقع لم يكن في ايجاد المعادلة، بل في اثباته استحالة ايجاد هكذا معادلة. وهذا يعني انه لا يمكن التنبؤ بتصرفات هذا النظام البسيط نسبيا، الممكن فقط هو ايجاد اجوبة تقريبية. افتتح عمل بوانكاريه هذا نطاقا جديدا في العلم يدعى «نظرية الفوضى» (Chaos theory) التي أسست لرؤية بديلة عن رؤية نيوتن. فقد قدمت نظرية الفوضى الكون على انه مكان شديد التعقيد ويصعب جدا بالتنبؤ بالأحداث فيه.
[[[
رفضت المؤسسة العلمية وجود الفوضى لأنها ظاهرة تعني وجود أحداث لا تخضع لقوانين الفيزياء. وفضلت التفسير الذي يقول إن الفوضى هي نتيجة متغيرات صغيرة جدا لا يمكن قياسها وهو الطرح الذي اشتهر به العالم الرياضي ادوار لورنز Lorenz والذي سمي «بتأثير الفراشة». ففي مثال لورينز الشهير، أعتبر ان ضربة جناح فراشة في البرازيل قد يسبب اعصارا في اميركا. وفي هذا دلالة على كيفية انه في الأنظمة المعقدة، مثل نظام المناخ، يتأثر النظام بشكل كبير بتأثيرات ضعيفة للغاية.
هكذا أصبحت مسألة عدم القدرة على التوقع مرتبطة بعدم القدرة على ايجاد التساوي بين كل المتغيرات بين النظام المعروف والنظام المرغوب بتوقعه. فمثلا بالعودة الى مثال اطلاق الرصاصة، فان المتغيرات المؤثرة في سرعة الرصاصة عديدة وأهمها قوة حشوة البارود. وبالتالي حتى نستطيع توقع حركة رصاصة، يجب ان تتساوى متغيرات هذه الرصاصة مع متغيرات رصاصة سابقة قمنا بقياسها. وهذا أمر غير ممكن لأسباب عملية ونظرية. فعمليا، ليس من الممكن ان ننجح في ان ننتج رصاصتين مع عدد حبات البارود نفسها، حيث كل حبة تساوي في الشكل والحجم والفاعلية مثيلتها في الرصاصة الثانية. وبالتالي، على مستوى معين من الدقة، لا يمكن ان تتساوى السرعة بين رصاصتين وهذا ما افشل جهود «مكذبي الخرافات».
اما على المستوى النظري، فان التساوي هو مسألة غير ممكنة خارج الاشكال النظرية والمجردة التي تشتغل فيها الرياضيات. فعندما نقول مثلا ان تفاحتين متساويتين بالوزن فان هذا التساوي يصح فقط بالنسبة لاداة القياس، فلو اننا استعملنا أداة اكثر دقة للقياس فانهما لن تبدوا متساويتين. وفي هذا، كتب العالم الرياضي بنوا مندلبروت Mandelbrot مقالة علمية شهيرة بعنوان: «كم يبلغ طول شاطئ انكلترا؟»، برهن فيه انه لا يمكن قياس اي شيء معقد مثل شاطئ انكلترا، لأنه كلما زادت دقة اداة القياس ازداد طول الشاطئ. وهذا يعني أن طول الشاطئ غير متناه مما يخلق معضلة رياضية شبيهة بمعضلات زينون الفلسفية. وكان زينون الفيلسوف اليوناني الذي عاش 500 سنة قبل الميلاد، قد طرح مجموعة معضلات رياضية - فلسفية ذكرها أرسطو في كتابه «الفيزياء» وأشهرها معضلة أخيل والسلحفاة. وفي هذه المعضلة، يستعمل زينون المبدأ الرياضي القائل بوجود عدد غير متناه من النقاط بين نقطتين، ليبرهن ان أخيل لن يستطيع أبدا أن يسبق السلحفاة اذا بدأت السباق متقدمة عليه!
على عكس الشائع عن الثقة والسيطرة اللتين يوحي بهما العلم، فان المتعمق لن يجد الا معضلات تُعجز العلم فيتركها للفلسفة. كثيرة هي الحالات، مثل اصابة صاروخ بصاروخ، التي تحدث على حافة الممكن علميا، حيث تصبح الاحتمالات والحلول التقريبية هي السائدة بدل اليقين والدقة. بل حتى وإن افترضنا حدوث نجاح ما، فانه يبقى نجاحا هشا يختفي مع اي ضربة جناح فراشة.
الصاروخ هو بالتأكيد نظام معقد يؤثر فيه عدد هائل من المتغيرات الذاتية والخارجية. فمثلا، لا يمكن وصف الفضاء الذي يعبره الصاروخ بالمتجانس، انما هو متنوع ومتغير حيث تعم فيه التيارات الهوائية الحارة والغيوم. وبدل انتظار ضربة الفراشة، يمكن بسهولة تعديل متغيرات ذاتية تزيد نسبة الفوضى. فمثلا فانه باستعمال مرحلتين للدفع الصاروخي، فان صاروخاً جديداً سيولد في منتصف الطريق. فعندما تسقط حجرة الدفع الأولى خلال طيران الصاروخ، فان كل شيء فيه سيتغير: الوزن، الشكل، الانسياب، والأهم السرعة وقوة الدفع. علما ان علوم الصواريخ تعطي افضلية كبيرة للصواريخ ذات المرحلتين في السرعة والمدى.
سيمضي وقت طويل قبل أن نعرف مدى النجاح الحقيقي الذي يمكن أن تحققه القبة الحديدية وأخواتها مثل الدرع الصاروخي. لكن الحصول على تقييم دقيق أمر مستبعد قبل انتهاء الاهداف السياسية وراء هذه المنظومة، كما حدث مع حرب النجوم، حيث كان علينا ان ننتظر نهاية الاتحاد السوفياتي لنعرف الحقيقة. في الصراعات حيث النصر والهزيمة يتعلقان بحالة القناعة أكثر من الواقع، يمثل الخداع بالصورة والخبر الكاذب أسهل الطرق للنجاح.
الطبيعة معقدة اكثر مما نظن، والفيزياء تقول لنا إن ما يبدو بسيطا هو في غاية التعقيد، وإن ما يبدو صغيرا تافها قد يكون هائل التأثير. ولكن لا أحد يجادل بان النظام الأعقد والأصعب بالتنبؤ هو الانسان نفسه.
الذين ينامون على حرير تفوقهم، سيستيقظون عاجلا ام اجلا على دود القز الذي يصنع حريرهم وقد أصبح فراشات تضرب بجوانحها لتولد اعصارا... يبتلع خرافاتهم... لا محالة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018