ارشيف من :أخبار لبنانية
الهيئة القضائيّة: ضدّ كشف الـ«SMS»
محمد نزال - صحيفة "الاخبار"
«لم نبتّ بعد شأن كلمات المرور السرية (الباسوورد) الخاصة بالفايسبوك». هذا ما أكّده لـ«الأخبار» مصدر في الهيئة القضائية المختصة بشؤون الاتصالات، أمس، بعدما أثيرت قضية «داتا» الاتصالات مجدداً. القضية التي بات يمكن تشبيهها بقصة ابريق الزيت، عادت إلى الواجهة مع طلب فرع المعلومات من وزارة الاتصالات تسليمه مضمون كل الرسائل النصية، التي أرسِلَت من الأجهزة الخلوية وإليها، في الشهرين اللذين سبقا اغتيال اللواء وسام الحسن. إذاً، بإمكان رواد موقع التواصل الاجتماعي أن يطمئنوا. فحتى اللحظة، لا تزال «إينبوكساتهم» (بريد الرسائل الخاصة) بعيدة عن أعين المتطفلين. في المقابل، أكّد المصدر نفسه أن «مناقشة الأمر ستتم في الأيام القليلة المقبلة، علماً بأن هذه المرة الأولى التي يطلب فيها هذا الطلب. وفي كل الأحوال، لن يكون رأي الهيئة إلا وفقاً للقانون 144/99». ماذا عن الرسال النصّية (SMS)؟ اللافت، بحسب المصدر، أن الطلب الوارد هو الاطلاع على مضمون الرسائل، وليس على حركتها. والهيئة «أفادت المعنيين برفضها لذلك. لكن يبقى رأي الهيئة استشارياً، وإذا أصرّت الحكومة، مثلاً، على مخالفته، فيمكنها ذلك».
يُذكر أن مخالفة القانون بدأت بعيد اغتيال اللواء الحسن، بإعلان الحكومة أنها ستعطي الأجهزة الأمنية «الداتا» كاملة، بزمن مفتوح حتى نهاية العام، في مخالفة صريحة للقانون الذي ينصّ على عدم جواز إطلاق المدّة لأكثر من شهرين. «التخبيص بدأ مع هذا القرار»، بحسب مصادر الهيئة القضائية التي يقول أحد أعضائها: «اجتهادنا في القضية معروف. طالما أن الأمور لا تتطلب كشفاً للداتا، فلن نوافق على ذلك. نحن نقوم بالموازنة بين حجم الخطر الأمني وحجم ما يُسمح بكشفه من الاتصالات. لا نجد حاجة لكشف مضامين الرسائل النصية للهواتف الخلوية. ورغم فداحة الجريمة وتأثيرها أمنياً، إلا أنها لا توازن كشف مضامين الرسائل على مساحة البلد... نحن نعمل بقاعدة التناسب، وهنا لا تناسب».
يُشار إلى أن الهيئة القضائية زارت فرنسا أخيراً للاطلاع على الآليات المعتمدة هناك في موضوع كشف «داتا» الاتصالات. السلطات في فرنسا لا تسمح بإعطاء الأجهزة الأمنية «الداتا» كاملةً على كل الأراضي الفرنسية. «لا بد من تحديد زمني ومكاني». هذا ما فهمه الوفد اللبناني، لكن، في المقابل، «يبدو أن البعض لا يريد أن يفهم ذلك، لغايات سياسية، رغم أن هؤلاء، أو أغلبهم، من أشد المبهورين بالقوانين والقيم الفرنسية»!
في هذا الإطار، لا تتفرّد فرنسا في «الحفاظ على خصوصيات أفراد الشعب»، بل هناك دول أوروبية أكثر تشدداً. في ألمانيا، مثلاً، قانون يحدُّ من إجراءات التنصُّت والتدخل حتى في حياة «المشتبه فيهم» أمنياً. وبحسب المحامي بول مرقص، الذي أعدّ أخيراً دراسة في القانون المقارن حول الاتصالات، يظهر المشرّع الألماني متشدداً في الحفاظ على الحريات الفردية، إذ إنه «منع التنصت على جميع أفراد الشعب، بل منع التنصت على المشتبه فيهم في ما يتعلّق بأحاديثهم الخاصة، ذلك أنّ السلطات تعتبر أنّ للمشتبه فيهم الحق بالخصوصية والحياة الخاصة». وقال مرقص لـ«الأخبار»: «يجدر تسليم القوى الأمنية المكلفة التحقيق في جريمة ما، تحت إشراف القضاء، ما تطلبه من حركة الاتصالات الهاتفية، ولو تناول منطقة جغرافية بأسرها، شرط أن يكون الطلب معلّلاً ومفصَّلاً على نحوٍ مقنع، وأن يقتصر على حيّز زمني معيّن، على أن ينظر القضاء في الطلب وفق أصول مستعجلة... المهمّ ألّا تدخل السياسة الى الأمن».
تجدر الإشارة إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ينص على أنه «لا يجوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمسّ شرفه أو سمعته. ومن حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس».
يُذكر أن الهيئة القضائية المختصة كانت تضم، عندما أنشئت، ثلاثة من كبار القضاة، هم: شكري صادر وعوني رمضان وحاتم ماضي. ومع تسلّم ماضي مركز المدّعي العام لدى محكمة التمييز، أخيراً، حلّ مكانه رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد. ويشير مصدر من داخل الهيئة إلى أن القرارات التي صدرت عنها، منذ إنشائها، لم تكن إلا بتوقيع القضاة الثلاثة، و«بتوافق تام وانسجام في الآراء القانونية بينهم». ويلفت المصدر ذاته إلى الخشية من تحميل الهيئة وزر الخلافات السياسية، إذ «جرى التهجم عليها خلال الفترة الماضية، بعدما لم تعجب قراراتها بعض الجهات السياسية». ويضيف ممازحاً: «لم يعد ينقص إلا أن يأتي صاحب دكان السمانة جاري ويعملنّا سحسوح... نتمنى على الحكومة وعلى المسؤولين كافة إبعاد السحاسيح عنا».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018