ارشيف من :أخبار لبنانية

الاستخفاف بالقوة والعنجهية

الاستخفاف بالقوة والعنجهية


 
نهلة الشهال - صحيفة "السفير"


لا يني «العالم»، بكل مستويات تعبيره عن نفسه، يكتشف كيف أن المحاجة مع المنطق الاسرائيلي مضجرة، ومن غير طائل. ففي ذلك المنطق، يرتفع الكذب الصريح والشراسة الرعناء معاً الى مصاف الممارسة الديبلوماسية. ولا يكترث المسؤولون الاسرائيليون بالصورة السلبية تلك في عيون «العالم» عن اسرائيل كمخلوق أهوج، ينبغي بذل كل الجهود لاحتوائه بالتي هي أحسن. فهي تعرف أن ذلك يعني فعلياً الميل للجور على الطرف الضعيف في المعادلة، اتقاء لشر الاقوى.

خططت إسرائيل منذ سنوات لعزل القدس نهائيا عن سائر الضفة الغربية من جهة، ولإحكام قطع الضفة من جهة ثانية الى قسمين، شمالي وجنوبي، ليس بينهما تواصل ممكن. ويتم ذلك بالدرجة الاولى بفعل توسيع مستوطنة معالي أدوميم باتجاه القدس، حيث ستضاف 1600 وحدة سكنية. وخطة كهذه لم تولد يوم الجمعة الماضي حين أعلن نتنياهو «استئناف البناء»، رداً على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رفع تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية الى مرتبة دولة مراقب غير عضو. بل هي تنفيذ «مشروع E1» الشهير. كما أن توسيع مستوطنة جيلو المطلة على بيت لحم، ببناء 800 وحدة جديدة، لم يولد يوم الجمعة الفائت، وهو يخدم فكرة العزل والتقطيع نفسها، متولياً جزأها الجنوبي، بينما يتولى «E1» جزأها الغربي. ويُكْمل ذلك بناء700 وحدة سكنية في «رامات شلومو»، المستوطنة اللصيقة بالقدس لجهة الشمال، من جهة مخيم شعفاط للاجئين... الذي يخسر بذا أجزاء جديدة من أراضيه. وهذه اتخذ قرار بناؤها العام 2010، اثناء زيارة لجو بيدن، نائب الرئيس الاميركي، لإسرائيل، وبوشر به ثم جمد بسبب ما أثاره من توتر مع واشنطن.

ومن يكلف نفسه عناء النظر الى خريطة سيصل الى الاستنتاج المذكور، بغض النظر عن الانشاء الاسرائيلي عن الحقوق القديمة قِدَم الزمن. ولا يوجد شك بأن السياسيين والعسكريين في مختلف بلدان العالم يمضون وقتهم في التبصر بالخرائط: قديما عبر فردها على طاولة كبيرة، اليوم عبر شاشة عملاقة. كنا نرى في الافلام ضابطا مهيباً يمسك بعصا طويلة وينقر بها على نقاط بعينها من الخريطة، وقد حل محل المشهد اليوم الـ«بوير بوينت» وامكانية التحريك الالكتروني للخطوط والألوان على الخرائط...
كل من زار فلسطين في السنوات العشر الاخيرة، سواء أكان ديبلوماسياً غربياً أم متضامناً دولياً، يعرف ذلك، شاهده على الارض، وشرحه له الفلسطينيون الذين لا بد التقاهم، كما المنظمات الاسرائيلية نفسها التي تناهض هذه السياسة. قيل وقتها، أي في مطلع الالفية الثالثة، أن توسيع تلك المستوطنات المحيطة بالقدس تحديداً يأتي رداً على الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وراجت تلك المقولة. ولم يسأل احد نفسه في سياق الترداد الببغاوي للحجج، عمَّا اشعل الانتفاضة الثانية أصلاً.

واليوم، وبعد تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذاك، تتوالى التواريخ: تذكير بتعهدات بوش لشارون في العام 2004، في سياق تبادل الرسائل بين الرجلين تمهيداً لانسحاب اسرائيل من قطاع غزة. لا يهم إن كان الرجلان قد طواهما النسيان، ولا يهم إن كان ما يقرب من عقد مر على تلك التعهدات (أو التفاهمات)، التي يؤكد فيها بوش أنه «على ضوء الوقائع الميدانية، فإن أي حل نهائي سيأخذ في الاعتبار واقع السكن الاسرائيلي الكثيف القائم أصلاً فوق أراضي الضفة، ولا يفترض إمكان الانسحاب الكامل الى خط الهدنة لعام 1949»، ما اعتبرته اسرائيل وقتها موقفاً اميركياً مؤيداً لتوسيع الاستيطان. ماذا يقال اليوم؟ ان قرار تفعيل بناء الـ3000 وحدة جديدة يأتي رداً... على رفض الرئيس أوباما الالتزام برسالة بوش تلك! أي أن الرجل يخالف تعهدات بلده. هذا في السياسة. ما لا يمنع نتنياهو وصحبه من الاعتداد بالخرافات ايضاً عن «ارض اسرائيل» الابدية، والتصريح بها في خطابات الكنيست، بحيث لا يعود مفهوماً إن كانت الاجراءات الاسرائيلية هي تنفيذ لتكليف إلهي تضمنه التوراة، أم عقوبات على السلطة بسبب مضيها في اللجوء الى الامم المتحدة، أم ضغوط وابتزاز على واشنطن وسائر العالم لمراضاتها بعد الفشل في منع قرار الجمعية العامة «الرمزي» عنها.

كل ذلك لا يهم، فهو أصلاً جارٍ بإعلان ومن دونه، بتسريع أو تسلل. كما لا تهم العقوبة المالية التي قررتها الحكومة الاسرائيلية، فأعلنت امتناعها عن تحويل الاموال المتوجبة عليها الى السلطة، وانها عوضا عن ذلك ستستخدمها لتسديد ديون هذه الاخيرة لشركة الكهرباء الاسرائيلية! فهذا انتقام صغير، وهو قابل للتعويض، فالسلطة تعيش أصلا على المساعدات الخارجية.

وإسرائيل من جهة المزعج في الامر هو تحريك الهواء الدولي الذي يصاحب هذه الاجراءات، ويتسبب ببعض الضجيج. فلا فرنسا ولا بريطانيا ولا سواهما، بصدد سحب سفرائهم من تل أبيب. وليس الرئيس الفرنسي هولاند جاداً حين يلمح الى العقوبات، ولو بمعرض نفي الحاجة الى اللجوء إليها، «فهناك وسائل أخرى» كما قال. والواقع أن اسرائيل تمثل كاشفاً لحال العالم، وذلك على مستويين. فهي من جهة تجسيد، قد يكون كاريكاتورياً أو فلنقل هيكلياً، للحماقة السائدة، والمرتبطة على الاغلب بامتلاك التفوق العسكري. فعدوانها على غزة مؤخرا والذي اسمته «عمود السحاب» مجاني، ونتائجه السياسية سلبية عليها إجمالاً، وقد اعترف المحللون بالفشل بينما لم يجرؤ على ذلك السياسيون. وربما لا يرتبط انسحاب ايهود باراك من الحياة السياسية على ما أعلن عقب انتهاء العملية على غزة بهذه الاخيرة، وانما بحسابات تخصه، ولكنه رمزياً تجسيد للخيبة. وفي هذا تشبه اسرائيل الولايات المتحدة التي تعجز عن تبرير حربها على افغانستان، باهظة الكلفة قليلة النتائج، حيث هي متورطة ولا تعرف كيف سيمكنها الانسحاب، ولا حربها على العراق الكارثية بكل المقاييس. هذا في الحروب، التي يمكن أن نضيف اليها حماقة حلف «الناتو» الاخيرة في ليبيا. ولن يجد المرء في أي تصريح أو تقرير اعتراف بالخطأ (رغم أنه فضيلة!)، ولن يجد سوى التبرير «المرتبط بالظرف»، والاصرار على تسجيل أن «النتائج تطابق اجمالا التوقعات». بل الاستمرار بإشاعة الاوهام حول امكان التدخل في مالي الافريقية أو في سوريا على سبيل الامثلة، رغم الصعوبة التي تداني الاستحالة، لألف سبب.

في كل مرة يعاد اكتشاف «حدود القوة»... بلا طائل.

واسرائيل ثانياً نموذج عن الافتقاد العام للتصور بعيد المدى. وبخلاف مرحلة الاستعمار القديم التي كانت تضبطها نظرية عن الذات والآخر، بشعة ومغلوطة، ولكنها عقلانية بذاتها، بات العالم يخضع لإيقاع غير مفتَكر، يعالج المشكلات المطروحة بما يمكنه، من دون حساب يتعدى اللحظة. والرجاء الا يُغش أحد بوجود خطط عشرية، وبتلك البرامج عن «أمريكا 2050» وعن الاولوية الاستراتيجية لمنطقة أسيا/ المحيط الهادي. فعلى من نسي تذكُّر النظريات التفصيلية والحماسية حول «الشرق الاوسط الجديد»، أو «الكبير» في رواية أخرى. وبالطبع تدفع الشعوب الثمن، كما يدفعه الفلسطينيون اليوم. بينما يكفي تلك القوى المهيمنة ان تغير رأيها من دون حتى ان تعتذر. ولكن، هنا تحديداً تتفارق اسرائيل عنها: يمكن لأمريكا ان تخبط هنا وهناك أو أن تنكفئ، ويمكن التعايش مع أزمات طاحنة أو أقل طحنا، وهذا يصح على فرنسا وبريطانيا ومن شئتم. أما اسرائيل فتبدو محكومة باستحالة، كلما امعنت في القوة المتعجرفة والتوسع، كلما بدا انكشافها أقرب. هل يدفع ذلك للاطمئنان أو للاستكانة؟ طبعا لا. ولكن للاستخفاف بالعنجهية والسطوة، وللتمسك بالأمل.
 


2012-12-05