ارشيف من :ترجمات ودراسات

العدوانية الصهيونية في ظل التغييرات المصرية

العدوانية الصهيونية في ظل التغييرات المصرية

كتب محرر الشؤون العبرية
كما في كل حرب أو عملية عسكرية محدودة شنها كيان العدو الصهيوني، كانت لها بيئتها الاستراتيجية التي جعلتها ضرورية و/أو ممكنة، من أهم العوامل التي حضرت، وتحضر، لدى صانع القرار في تل ابيب عند اتخاذه قراراً باستهداف، أو محاولة استهداف المنظومة الصاروخية "النوعية" في قطاع غزة والتي مكنت فصائل المقاومة من تحقيق قدر من التوازن في الردع وشكلت تهديدا للعمق الاستراتيجي للكيان، إضافة إلى اغتيال القائد العسكري لكتائب عز الدين القسام احمد الجعبري.. حضرت دراسة وتقدير البيئتين الإقليمية والدولية التي تركت بالتأكيد أثراً على الاندفاع نحو أصل تنفيذ الضربة العسكرية، وتوقيتها، وضوابطها، والمدى الذي يمكن أن تبلغه.. وايضا فيما يتعلق بمسار المواجهة التي اندلعت في أعقابها.. وبالتالي، المؤكد أن ارجحية محدودية طبيعة وحجم رد الفعل المصري على عدوان كهذا، والتي مكَّنته من اتخاذ قرار الضربة الابتدائية، كان حاضرا بقوة في عملية التقدير التي سبقت بدء التنفيذ، رغم أنه قد يكون بالغ في تقديراته.
أما لجهة منبع الاطمئنان الإسرائيلي، يمكن القول إنه تبلور تباعاً منذ سقوط نظام مبارك، بعد اتضاح معالم الخط السياسي الإقليمي للاخوان المسلمين، قبل وبعد وصولهم إلى الحكم. وبعد الرسائل التي وجهتها القيادة الاخوانية، تجاه كيان العدو فيما يتعلق بعملية السلام وتعيين سفير مصري جديد في تل ابيب (رسالة مُرسي: صديقي العزيز شمعون بيريز..)، والاهم من كل ذلك، قياس الإسرائيلي لردود الفعل المصرية على الاعتداءات التي سبقت العدوان الواسع الأخير، منذ ما بعد سقوط مبارك، وأكثر خصوصية منذ تولي محمد مرسي المنصب الرئاسي.
المسار والمحطات التي مرت بها القيادة المصرية الجديدة، الاخوانية، وما واكبها من مواقف صدرت على لسان القيادات الاخوانية، وتحديدا فيما يتعلق باتفاقية كامب ديفيد، وأولوياتهم في هذه المرحلة، وعلاقاتهم الإقليمية والروابط الوثيقة بالإدارة الأميركية.. وردود فعلهم على الاعتداءات في غزة... دفعت كيان العدو إلى تقليل منسوب القلق الذي كان مرتفعا مع بداية سقوط مبارك، بل انتقل النظام المصري، في ظل قيادة الأخوان المسلمين، بنظر العدو، من نظام تكيف مع اتفاقية السلام مع "إسرائيل"، بحكم الأمر الواقع وبمنطق المرحلية، إلى دور الراعي الذي يضبط حركة فصائل المقاومة... بل ويطالبها بتجميد نشاطها المقاوم..
وهكذا توافرت البيئة الإقليمية، رغم سقوط مبارك، التي تقدّر "إسرائيل" في ظلها انها قادرة على توجيه ضربتها الخاطفة.. ومن ثم تنفيذ اعتداءاتها في غزة..
على خط مواز، بالرغم من أن القلق الإسرائيلي من رد فعل الشارع المصري خاصة، والعربي عامة، هو الذي دفعه إلى الالتزام بضوابط وقيود معينة في استخدام القوة النارية خلال القصف على غزة، الأمر الذي أدى إلى خسائر مدنية أقل بكثير (رغم فداحتها) قياسا إلى المجازر التي ارتكبها خلال عدوانه السابق (عام 2008 ـ 2009).. إلا أن ما جرى ينطوي ايضا على أن الإسرائيلي تمكن من استكشاف سقف رد فعل الشارع المصري تحديداً، بعد "الربيع" الذي أسقط أنظمة مصر وتونس وليبيا، إزاء أي عدوان على قطاع غزة.. وهو ما قد يمنحه هامشاً أوسع، ويؤسِّس لاعتداءات لاحقة أبعد مدى.
وعليه، يصح القول إنه بالرغم من الانجازات العملانية التي تمكَّنت فصائل المقاومة من تحقيقها، وبتعبير أدق النصر الذي حققته المقاومة، تمكَّن الإسرائيلي من توجيه رسالة إلى الطرف الفلسطيني مفادها أن التغيير الذي شهدته الساحة المصرية لا يُشكِّل عامل كبح بالمطلق عن شن اعتداءات قاسية، في حال شعر أن هناك تهديداً يمس أمنه، أو أن مصلحته تتطلب ذلك.

2012-12-05