ارشيف من :أخبار لبنانية

كيميائيّ في سورية.. وعطور في فييتنام!

كيميائيّ في سورية.. وعطور في فييتنام!

سليم سعدو سالم - صحيفة "البناء"

قبل ستة أشهر تقريباً، ارتفعت الصرخات الأميركية والأصوات الأوروبية والعربية المتأمركة منذرةً بالويل والثبور، تعلن «تخوّفها» من إقدام النظام السوري على استخدام السلاح الكيميائيّ ضدّ «الثوار المسالمين» وضدّ الشعب السوري، وأعلن النظام يومئذٍ أن ذلك من المستحيلات. كان ذلك عاملٌ من عوامل الضغط على النظام السوريّ بغية زحزحته عن موقفه ولكن من دون جدوى، وتطلّب الأمر بعدئذٍ ابتكار أساليب جديدة للضغط والتخويف والتهويل من أجل إسقاط النظام. امتدت أيّام المهل إلى أسابيع وأشهر، ثم «عادت حليمة إلى عادتها القديمة»، إلى التهويل على النظام أنّها تقف له بالمرصاد.

لا نستغرب إقدام أميركا والمتأمركين على التهديد «باحتمال» إقدام النظام على استعمال السلاح الكيميائيّ. فما قصّة هذا السلاح؟ وما قصة التهديد والتخويف والتلويح بالعقوبات؟ إلى نهاية المعزوفة المشروخة في هذا الموضوع؟

لسنا بحاجة إلى التفلسف في التحليل أو استخدام البلاغة في اللغة، لأنّ الطفل الصغير في العالم العربي ـ على الأقل ـ يعرف ويتذكر أنّ أميركا استخدمت هذه الأسطوانة في التمهيد لغزو العراق وتدميره. كانت إعلامياً وسياسياً تتحدّث عن أسلحة الدمار الشامل لدى حكومة صدّام حسين، وعن المخزون من الأسلحة الكيميائية في مستودعات الجيش العراقي، ولم تقل أميركا يومذاك أنّها زوّدت صدّام حسين بالمواد الكيميائيّة لمطاردة الأكراد في حلبشة وغيرها وقتلهم، من أجل تثبيت سيطرته على العراق، وخلقت بذلك جواً أوروبياً وعربياً متأمركاً يصدّق الأكذوبة الأميركية، أو يتظاهر بتصديقها، حتى كان الغزو وثبت كذب ـ وليس خطأ ـ المخابرات الأميركية والإدارة الأميركية كلّها.

القصّة تتكرّر اليوم. وكما صدّق بعض العرب وبعض العراقيين المتأمرين يومذاك قصّة السلاح الكيميائيّ، يراد اليوم من العالم أن يصدّق كذبة السلاح الكيميائيّ في سورية، وبعض العرب، بل بعض السوريين يروّج لذلك خدمة لوجه الشيطان، فرئيس ما يسمّى بـ«المجلس الوطني السوري» ـ جورج صبرا ـ قال إنّ لديه معطيات حول «احتمال» استخدام النظام الغازات السامة في الغوطة الشرقية. ويا سبحان الله لدقّة هذه المعطيات لدى جورج صبرا، التي، لدقّتها وصدقها تحدّد أين سيكون «احتمال» استخدام الغازات السامة. في الغوطة الشرقية، لا في الغوطة الغربية أو في حمص أو حلب أو رأس العين مثلاً. ويقولون إنّه مجرّد «احتمال»!

الأصوات الأميركية تتحدّث عن «احتمال» إقدام النظام السوري على استخدام أسلحة كيميائيّة، ووزير خارجية فرنسا يتحدّث عن «احتمال» سقوط النظام في وقت قريب، وصوت آخر يتحدّث عن «احتمال» توسّع الإرهاب، وصوت متأمرك رابع أو خامس أو عاشر يتحدّث عن «احتمال» تدخل حلف الأطلسي. منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تثير الكثير من «الاحتمالات»، ومنظّمات متأمركة أخرى تتحدّث عن «احتمال» ملاحقات قضائية إن حدث استخدام الأسلحة الكيميائية.
مرة أخرى نسأل: ما قصّة كلّ هذه الاحتمالات التي يتخيّلها البعض تمهيداً أو ذريعة لأمر يبيّتونه ليس ضدّ سورية فحسب، بل ضدّ المنطقة بأسرها؟ ثم ما قصّة السلاح الكيميائيّ من أساسها؟

كلمات لا بدّ منها للتذكير فقط. لعلّ أحداً يستطيع الرجوع إلى الصحف والمجلات في ستينات القرن الماضي، إبان حرب فييتنام. ليكتشف أنّ الأميركيين هم أوّل من استخدم الأسلحة الكيميائية منذ الحرب العالمية الثانية. كان اسم تلك المركبات «العنصر البرتقالي»، وهي أخطر أنواع الأسلحة السامّة ضدّ البشر. كانت الطائرات الأميركية ترشّ ذلك المسحوق برتقالي اللون من الطائرات فوق غابات فييتنام الكثيفة حيث يختبئ ثوّار الفيتكونغ، فيتساقط ورق الشجر رأساً، وتتعرّى المنطقة وينكشف الثوّار لتلاحقهم الطائرات بالرشّاشات والنيران الكثيفة.

في حينها، كانت أميركا تستعمل سلاحها الكيميائيّ في دعم نظام موالٍ لسياستها في فييتنام ضدّ الثوّار، ورغم تلك الحرب الكيميائية البربرية، انتصر الثوّار على نظام الحكم هناك وهرب السفير الأميركي من مقرّ السفارة في سايغون متعلقاً بطائرة الهيلوكبتر الأخيرة. اليوم تحارب أميركا وأنصارها النظام السوريّ، وتناصر من تسمّيهم بـ«الثوّار». وتهدّد النظام معربة عن خشيتها من «احتمال» استخدامه السلاح الكيميائيّ، وكأنّ ما استخدمته هي في فييتنام كان عطراً من عطور «شانيل وكارتييه وفيزيت»!

رحم الله سعيد تقي الدين حين أشار إلى التي تحاضر بالعفاف، لكنّه لم يعش حتى يتحدّث عن العفّة في السياسة الأميركية ولدى المتأمركين.
 


2012-12-08