ارشيف من :أخبار لبنانية
محاربة التعطيل بحسم الرواتب
احمد زين ـ "السفير"
تحول المجلس النيابي بفعل مقاطعة نواب المعارضة ممارسة المسؤوليات التي أناطها الدستور بهم كممثلين للشعب، إلى حائط مبكى يلجأون إليه لذرف الدموع كلما تذكروا ان في البلد حكومة لا يتحكمون بناصية قرارها، حتى إذا ما جف الدمع يستعينون بالهاجس الأمني للقول إنه يمنعهم من الحضور للمشاركة في أعمال المجلس، والمفارقة أن بعضهم يعلن ذلك من مجلس النواب بالذات! أو «يفشّون خلقهم» برئاسة المجلس، حتى إذا ما استنفدوا ابتكار الذرائع، لم يجدوا أمامهم إلا إعلان «التنازل» وتعليق مقاطعتهم لاجتماعات اللجان المشتركة أو اللجنة الفرعية التي تدرس مشروع قانون الانتخابات، بشرط عقد الجلسات في بيوتهم!
يبدو واضحاً من هذا التقلب (عادوا بالأمس عن مقاطعة اللجنة الفرعية فقط) ان مقاطعة أعمال مجلس النواب، كانت مدانة حتى من أقرب المقربين للمعارضة وأنها أصبحت حملاً ثقيلاً لا يستطيعون تحمل وزره، فابتكروا عرضهم الأخير بخرق المقاطعة بعقد جلسات منزلية، لهدر المزيد من الوقت كونهم يعلمون جيداً ان تحويل حرم المؤسسة التشريعية إلى «شقق مفروشة» غير قابل للتنفيذ.
ان المكان، أي حرم المجلس، له قيمة دستورية بدليل ان المشترع حدد مركز السلطتين الدستوريتين التشريعية والإجرائية في متن النص الدستوري، وإذا كان كل من المجلس النيابي أو مجلس الوزراء قد تجاوز النص في بعض المرات، فذلك حصل في ظروف كانت تحول دون الاجتماع في المركز المحدد للجلسات، أو استناداً إلى قرار الهيئة العامة للمجلس النيابي، والحالتان غير متوافرتين اليوم.
والسؤال الذي يطرح: هل يحق لنواب ان يعطلوا مؤسسة دستورية هم أعضاء فيها، لأي سبب كان وخصوصا معارضة استمرارية حكومة؟
من المؤكد ان الدستور، كما القوانين النافذة والأعراف والأصول، لا يشرّع أي منها لأي معارضة، وفي أي زمان ومكان، العمل لإسقاط حكومة، بتعطيل عمل مؤسسة أخرى «فكل عنزة معلقة بكرعوبها»، كما يقول المثل، ولهذا حدد الدستور الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة ومنها نزع الثقة عنها من قبل مجلس النواب.
إذاً، المواجهة تكون في المجلس النيابي وليس في الصالونات والساحات والقصور، مع الإشارة هنا إلى ان الفارق شاسع بين مقاطعة أعمال المجلس في المطلق، وبين الانسحاب من الجلسات عند طرح مشروع محدد، إذ ان الانسحاب يكون في ظل عدم وجود مقاطعة بحيث يكون المجلس متابعاً لاعماله، بينما مقاطعة اليوم تستهدف إمكان متابعة الاعمال.
والحقيقة ان المشترع لم يضع أحكاماً لمثل مقاطعة اليوم، وقد يكون السبب الأساس لذلك هو احترام السادة النواب ممثلي الشعب بحيث لا يجوز معاملتهم وفق قانون الموظفين أو كالذين لا يدركون مسؤولياتهم.
ولكن اللافت للانتباه ان النظام الداخلي للمجلس حاول في بدايات الحياة النيابية وضع ضوابط لظاهرة تغيب النائب عن الجلسات. ففي أول نظام داخلي متكامل صدر العام 1930، نصت المادة 108 منه على حسم «ما يصيب اليوم من التعويض الشهري الذي يتقاضاه النائب المتغيب من دون عذر يقدمه خطياً». وهذا ما يسري على التغيب عن الجلسات العامة وجلسات اللجان. أما المادة 109 فاعتبرت ان تكرار الغياب عن الجلسات العامة وجلسات اللجان لخمس مرات، يستلزم حكماً حسم نصف التعويض الشهري، أما إذا انقضى شهر ولم يحضر الجلسات فيستلزم ذلك حسم تعويض الشهر بكامله.
وقد تطور رادع التغيب في أول نظام داخلي مجلسي صادر بعد استقلال الدولة (العام 1953)، إلى «قصاص معنوي»، فنصت المادة 108 على ان تكرار غياب النائب من دون عذر شرعي عشر جلسات متتالية من جلسات المجلس أو اللجان «ينشر أمر غيابه في الجريدة الرسمية ويطبع به اعلان على نفقة النائب يوزع في دائرته الانتخابية ويقطع راتبه للمدة التي تغيب عنها». وبقيت هذه النصوص نافذة حتى سنة 1982 حين تم وضع نظام داخلي جديد.
والجدير ذكره ان المادة 108 لم تبق حبراً على ورق، وعمل بها أكثر من مرة، ففي سنة 1947 مثلاً حسم تعويض يوم على النواب: عادل عسيران، حميد فرنجية، كاظم الخليل، أديب الفرزلي، أحمد الأسعد، بطرس الخوري وخليل أبو جودة. فهل يقدم المجلس في المستقبل القريب على ممارسة «القصاص» المعنوي لحالة المقاطعة وبالتالي التغيب من دون عذر؟
قد يكون إلغاء الرادع في نظام 1982 عائدا إلى الأوضاع الأمنية التي كانت سائدة، ولكن تلك الأوضاع زالت وهناك فريق نيابي واسع يشل أعمال المجلس بالمقاطعة، ألا يعتبر ذلك كافياً لإعادة درس إمكان اتخاذ إجراء ما لا يبقي اليدين مكتوفتين تجاه تعطيل المؤسسة التشريعية؟
صحيح أن البعض يرى ان الحصانة النيابية واعتبار النائب ممثلاً للشعب وغير ذلك، تحول دون اعادة النظر بهذه القضية، ولكن هل هذا دقيق فعلاً أم لا؟
من المفروض، كما دلت الوقائع، حسم ذلك استناداً إلى القانون أولاً، كي لا يبقى في المؤسسات الدستورية ناس يقبضون ولا يعملون.
في الختام، مبروك لنواب المعارضة عودتهم الى اللجنة الفرعية وعقبال عودتهم قريبا الى الهيئة العامة.
تحول المجلس النيابي بفعل مقاطعة نواب المعارضة ممارسة المسؤوليات التي أناطها الدستور بهم كممثلين للشعب، إلى حائط مبكى يلجأون إليه لذرف الدموع كلما تذكروا ان في البلد حكومة لا يتحكمون بناصية قرارها، حتى إذا ما جف الدمع يستعينون بالهاجس الأمني للقول إنه يمنعهم من الحضور للمشاركة في أعمال المجلس، والمفارقة أن بعضهم يعلن ذلك من مجلس النواب بالذات! أو «يفشّون خلقهم» برئاسة المجلس، حتى إذا ما استنفدوا ابتكار الذرائع، لم يجدوا أمامهم إلا إعلان «التنازل» وتعليق مقاطعتهم لاجتماعات اللجان المشتركة أو اللجنة الفرعية التي تدرس مشروع قانون الانتخابات، بشرط عقد الجلسات في بيوتهم!
يبدو واضحاً من هذا التقلب (عادوا بالأمس عن مقاطعة اللجنة الفرعية فقط) ان مقاطعة أعمال مجلس النواب، كانت مدانة حتى من أقرب المقربين للمعارضة وأنها أصبحت حملاً ثقيلاً لا يستطيعون تحمل وزره، فابتكروا عرضهم الأخير بخرق المقاطعة بعقد جلسات منزلية، لهدر المزيد من الوقت كونهم يعلمون جيداً ان تحويل حرم المؤسسة التشريعية إلى «شقق مفروشة» غير قابل للتنفيذ.
ان المكان، أي حرم المجلس، له قيمة دستورية بدليل ان المشترع حدد مركز السلطتين الدستوريتين التشريعية والإجرائية في متن النص الدستوري، وإذا كان كل من المجلس النيابي أو مجلس الوزراء قد تجاوز النص في بعض المرات، فذلك حصل في ظروف كانت تحول دون الاجتماع في المركز المحدد للجلسات، أو استناداً إلى قرار الهيئة العامة للمجلس النيابي، والحالتان غير متوافرتين اليوم.
والسؤال الذي يطرح: هل يحق لنواب ان يعطلوا مؤسسة دستورية هم أعضاء فيها، لأي سبب كان وخصوصا معارضة استمرارية حكومة؟
من المؤكد ان الدستور، كما القوانين النافذة والأعراف والأصول، لا يشرّع أي منها لأي معارضة، وفي أي زمان ومكان، العمل لإسقاط حكومة، بتعطيل عمل مؤسسة أخرى «فكل عنزة معلقة بكرعوبها»، كما يقول المثل، ولهذا حدد الدستور الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة ومنها نزع الثقة عنها من قبل مجلس النواب.
إذاً، المواجهة تكون في المجلس النيابي وليس في الصالونات والساحات والقصور، مع الإشارة هنا إلى ان الفارق شاسع بين مقاطعة أعمال المجلس في المطلق، وبين الانسحاب من الجلسات عند طرح مشروع محدد، إذ ان الانسحاب يكون في ظل عدم وجود مقاطعة بحيث يكون المجلس متابعاً لاعماله، بينما مقاطعة اليوم تستهدف إمكان متابعة الاعمال.
والحقيقة ان المشترع لم يضع أحكاماً لمثل مقاطعة اليوم، وقد يكون السبب الأساس لذلك هو احترام السادة النواب ممثلي الشعب بحيث لا يجوز معاملتهم وفق قانون الموظفين أو كالذين لا يدركون مسؤولياتهم.
ولكن اللافت للانتباه ان النظام الداخلي للمجلس حاول في بدايات الحياة النيابية وضع ضوابط لظاهرة تغيب النائب عن الجلسات. ففي أول نظام داخلي متكامل صدر العام 1930، نصت المادة 108 منه على حسم «ما يصيب اليوم من التعويض الشهري الذي يتقاضاه النائب المتغيب من دون عذر يقدمه خطياً». وهذا ما يسري على التغيب عن الجلسات العامة وجلسات اللجان. أما المادة 109 فاعتبرت ان تكرار الغياب عن الجلسات العامة وجلسات اللجان لخمس مرات، يستلزم حكماً حسم نصف التعويض الشهري، أما إذا انقضى شهر ولم يحضر الجلسات فيستلزم ذلك حسم تعويض الشهر بكامله.
وقد تطور رادع التغيب في أول نظام داخلي مجلسي صادر بعد استقلال الدولة (العام 1953)، إلى «قصاص معنوي»، فنصت المادة 108 على ان تكرار غياب النائب من دون عذر شرعي عشر جلسات متتالية من جلسات المجلس أو اللجان «ينشر أمر غيابه في الجريدة الرسمية ويطبع به اعلان على نفقة النائب يوزع في دائرته الانتخابية ويقطع راتبه للمدة التي تغيب عنها». وبقيت هذه النصوص نافذة حتى سنة 1982 حين تم وضع نظام داخلي جديد.
والجدير ذكره ان المادة 108 لم تبق حبراً على ورق، وعمل بها أكثر من مرة، ففي سنة 1947 مثلاً حسم تعويض يوم على النواب: عادل عسيران، حميد فرنجية، كاظم الخليل، أديب الفرزلي، أحمد الأسعد، بطرس الخوري وخليل أبو جودة. فهل يقدم المجلس في المستقبل القريب على ممارسة «القصاص» المعنوي لحالة المقاطعة وبالتالي التغيب من دون عذر؟
قد يكون إلغاء الرادع في نظام 1982 عائدا إلى الأوضاع الأمنية التي كانت سائدة، ولكن تلك الأوضاع زالت وهناك فريق نيابي واسع يشل أعمال المجلس بالمقاطعة، ألا يعتبر ذلك كافياً لإعادة درس إمكان اتخاذ إجراء ما لا يبقي اليدين مكتوفتين تجاه تعطيل المؤسسة التشريعية؟
صحيح أن البعض يرى ان الحصانة النيابية واعتبار النائب ممثلاً للشعب وغير ذلك، تحول دون اعادة النظر بهذه القضية، ولكن هل هذا دقيق فعلاً أم لا؟
من المفروض، كما دلت الوقائع، حسم ذلك استناداً إلى القانون أولاً، كي لا يبقى في المؤسسات الدستورية ناس يقبضون ولا يعملون.
في الختام، مبروك لنواب المعارضة عودتهم الى اللجنة الفرعية وعقبال عودتهم قريبا الى الهيئة العامة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018