ارشيف من :ترجمات ودراسات
جهاد مؤقت: المعارضة الأصولية السورية
International Crises Group
"تقرير الشرق الأوسط رقم 131"
12 تشرين الأول 2012
موجز تنفيذي
أصبح وجود فرع سلفي بين المتمردين أمراً لا يمكن دحضه، بعد إلقاء النظام الضوء عليه وإبرازه بشكل مبكر ومبالغ به، وبعد اعتراف المعارضة متأخرة وبتردد بذلك. هذا الأمر مقلق، لكنه لا يشكل سوى جزء من الصورة المعقدة. بداية، ليس كل السلفيين سواء؛ فالمفهوم يغطي سلسلة كاملة بدءاً من التيار السائد وصولاً إلى التطرف. ثانياً، إن سوريا في يومنا هذا تقدم أرضاً مضيافة للسلفيين ـ العنف والمذهبية؛ التحرر من وهم الغرب، قادة علمانيين وشخصيات إسلامية براغماتية؛ إضافة إلى القدرة على الوصول إلى تمويل دول عربية خليجية و المعرفة العسكرية الجهادية ـ لكنها تقدم أيضاً ظروفاً معاكسة، بما فيها تقليد إسلامي معتدل، تركيبة طائفية تعددية، وخوف منتشر وواسع النطاق من نوع من أنواع الحرب الأهلية المذهبية التي ابتلعت بلدين جارين. ثالثاً، تسبب فشل الاندفاع المسلح هذا الصيف برد فعل عكسي ضد مجموعات سلفية استحوذت على العناوين الرئيسة خلال القتال.
هذا لا يعني استبعاد وزن السلفيين. فالمعارضة لديها مسؤولية: كبح نفوذهم، قطع الطريق أمام الانزلاق نحو خطاب متطرف وطائفي أكثر من أي وقت مضى ووقف التكتيكات الوحشية. كذلك أمام أعضاء المجتمع الدولي مسؤولية أيضاً، المسارعين إلى انتقاد المعارضة بسبب التشرذم والانسياق إلى التطرف بحيث إن انقساماتها، اختلالها الوظيفي وضعفها كان له الأثر الكبير في تعزيز هذا التشرذم والتطرف. فما دامت بلدان مختلفة ترعى جماعات مسلحة متمايزة، فإن حرب المزايدات هو ما سوف ينجم عنها، وأي أمل بتنسيق المتمردين، ضبطهم وتقييد أشد أفرادهم تطرفاً سيكون هو المنطلق. بمعنى آخر، القضية ليست بكثرة تسليحهم أو بتسليحهم من عدمه ـ وإذا ما حصل التسليح، بماذا يتم تسليحهم ـ وإنما القضية تتعلق بمنطق وتنسيق الدعم المقدم للمعارضة لجعل ظهور محاور أكثر تجانساً وتنظيماً وتمثيلاً، وبالتالي أكثر فاعلية، مسألة أكثر ترجيحاً، والذي ينبغي التفاوض معه، عاجلاً أم آجلاً، للتوصل إلى نتيجة ما معه. فحتى أولئك الذين يقفون إلى جانب النظام سيتقفون للاستفادة من ذلك التطور، إذا ما كانوا يرغبون برؤية المأزق العسكري المدمر اليوم يتطور باتجاه حل سياسي.
من اليوم الأول، كانت مسألة السلفية داخل صفوف المعارضة عبارة عن كرة قدم سياسية يتقاذفونها فيما بينهم أكثر من كونها موضوع حوار جدي. وقد لعب الداعمون للأسد هذه الورقة، لقناعتهم بأن بإمكانهم إخافة غير الإسلاميين والأقليات في البلد إضافة إلى إخافة الغرب الذي ما زال مصدوماً من مغامرته التعسة في العراق. وقد قلل المنتقدون والمعارضون للنظام من أهمية الأمر، بقصد المحافظة على صورة الثورة الأصلي وتعاطف الشعب مع قضيتهم؛ سواء في وسائل الإعلام أم في في أماكن أخرى، كما كانوا مترددين بالخوض في القضية بعمق شديد، لقلقهم من أن يكون ذلك في صالح النظام. وكانت الحصيلة الصافية ضباباً أكثر من الضوء.
هذا سوء حظ يؤسف له، وليس لأن السلفية هي، بالضرورة، سمة مركزية، مهيمنة أو حتى سمة دائمة للمشهد السوري. وإنما لأنها حاضرة من دون أدنى شك، ولأنها كانت تنمو بالتأكيد ولأنها حاسمة وتؤثر بقوة على الدينامية على الأرض، وهذا واضح: لقد كان لها تأثير على الجهة المستعدة لتمويل جماعات المعارضة، وعلى المواقف الشعبية، وعلى الرواية التي يعتبر النظام قادراً على شرحها إضافة إلى تأثيرها على العلاقات بين الفصائل المسلحة. ويسعى هذا التقرير، المبني على العمل الميداني في سوريا وعلى التحليل المتماثل لتواصل الجماعات المسلحة، إلى توضيح أصل ونمو وتأثير الخيوط الأصولية للمعارضة.
بعيداً عن الصلابة أو التآلف والتراص، تعتبر السلفية السورية انتقائية ومائعة. ففي حين أن كل السلفيين يطبقون، نظرياً، تفسيرات حرفية للكتاب المقدس بناءً على المثال الذي وضعه النبي وأصحابه، فإن لدى البعض فهماً سطحياً له فحسب، بافتقارهم لأية رؤية إيديولوجية حقيقية؛ ويسعى آخرون لاستبدال النظام العلماني بشكل من أشكال الحكم الإسلامي؛ في حين يتبنى توجه ثالث مفهوم الجهاد العالمي الذي تؤيده القاعدة. أما درجة التسامح تجاه أفراد المعتقدات الأخرى فتتراوح بشكل واسع أيضاً. وتحدد السابقة العراقية، على سبيل المثال، إلى أية درجة تعتبر هذه التمايزات هامة وكيف يمكن للأهداف المحلية لجماعات التمرد السائدة، بما فيها تلك ذات التوجهات السلفية، أن تهددها الطموحات العالمية للجهاديين السلفيين.
كما أن ليس من البساطة التمييز بين السلفيين من غير السلفيين: ففي بعض الحالات، يعكس تبني مصطلحات وخطاب ورموز سلفية التزاماً مخلصاً بالمثل الدينية؛ وفي حالات أخرى، تعبِّر عن محاولة براغماتية، بأساسها، لتملق المانحين الأثرياء والمحافظين في دول الخليج. وما زال على معظم الجماعات المسلحة تطوير إيديولوجية ثابتة وقوية أو بنية قيادية؛ تطوير تذبذب العضوية وتقلبها، مع تحول المقاتلين من فصيل إلى آخر بناءً على توافر الأموال، إمكانية الوصول إلى السلاح والعلاقات الشخصية ـ بمعنى آخر، بناءً على عوامل لا علاقة لها كثيراً بالمعتقدات، هذا إذا كان هناك من علاقة أساساً.
بالطبع، لا أحد ينكر التغلغل والنجاحات المدهشة التي قامت بها السلفية منذ بداية حركة التظاهرات ـ التي كانت في البداية توجهاً هامشياً، في أفضل الأحوال. كما أن ليس هناك من جدل كبير حول الأسباب التي تقف خلف هذا النمو. لقد كانت الظروف مؤاتية: كانت الثورة متجذرة في خانة اجتماعية جاهزة بالنسبة للخطباء السلفيين، أي الطبقة الدنيا الفقيرة الريفية التي نزحت، على مدى سنوات، إلى بيئات حضرية قاسية لا شخصية وابتعادهم كل البعد عن شبكات دعمهم التقليدية. ونضجت الظروف: ما إن تصاعد العنف، حتى تراجعت الآمال بحل سريع، وأثبتت التوجهات البديلة (المعارضون للحوار؛ المتظاهرون السلميون؛ قيادة المنفى؛ الإسلاميون الأكثر اعتدالاً) عن محدوديتهم، فتوافد كثير منهم ، بشكل طبيعي، صوب البدائل السلفية. اقترن تردد الغرب المبدئي بالتصرف ـ والتردد الثابت بالتصرف بحسم ـ مع الاستعداد المبكر لعرب خليجيين أثرياء على الصعيد الخاص، ومعظمهم محافظون دينياً، لتوفير التمويل ودعم خزينة السلفيين وروايتهم، الذين هم بتصور أوروبا والولايات المتحدة شركاء سلبيين في جرائم النظام.
أما على نطاق أوسع، فقد قدمت السلفية أجوبة لم يتمكن غيرها من تقديمها. وتشمل هذه الأجوبة شكلاً صريحاً وبسيطاً من الشرعية ويمكن الوصول إليه وقدمت الإحساس بالهدف في زمن المعاناة والإرباك الحقيقي؛ طريقة بسيطة ومناسبة لتحديد العدو على أنه إنسان غير مسلم أو نظام مرتد، إضافة إلى القدرة على الوصول إلى المال والسلاح. وقد استفاد السلفيون أيضاً من الخبرة التي تراكمت لديهم في ساحات المعارك الأخرى؛ لقد تطوعوا للقتال، ليشاركوا بذلك مجموعات مسلحة محلية لا خبرة لديها ولا تجارب معارفهم القتالية. وفي وقت كانت مجموعات كهذه قد ناضلت للبقاء حية ضد عدو قوي لا يرحم ومؤمنة بأنها معزولة وتم التخلي عنها، صنعت موجودات كهذه فرقاً مباشراً وملموساً. ولا عجب أنه بحلول كانون الثاني 2012، كانت السلفية قد بدأت تصبح، وببطء، أكثر بروزاً ووضوحاً في مشهد المعارضة.
لا يمكن للنظام أن يفلت من حصته من اللوم. فلسنوات، كان السلفيون من بين أولئك الذين زعموا بأن التيار السائد من السنة يواجه تهديداً خطيراً من إيران ومن حلفائها الشيعة، وهي خانة ضموا إليها العلويين. ومن خلال زيادة الاعتماد على العناصر الأكثر ولاء من العلويين المهيمنين على القوى الأمنية لقمع الثورة السنية بغالبيتها، وبسبب تلقيه الدعم من شريكيْه الشيعييْن الرئيسييْن (إيران وحزب الله)، فقد أيّد النظام هذه الحبكة القصصية: إذ ساوى كثير من المعارضين بين النضال ضد الأسد وبين الجهاد ضد المحتل.
مع ذلك، سيكون من الخطأ الاستنتاج بأن الطريق واضح وخال بالنسبة للسلفيين. فسوريا تفاخر بتاريخ من الممارسة الإسلامية المعتدلة، ولطالما اعتزت بالتعايش السلمي المشترك بين الطوائف. وقد شهد مواطنوها، مباشرة وعن كثب، التداعيات المفجعة للنزاع المذهبي والطائفي، حيث دمرت الحرب الأهلية بلدين مجاورين لها، أولاً لبنان ولاحقاً العراق. أما الشخصيات الأساسية لهذه الثورة إضافة إلى قاعدتها الشعبية فغالباً ما تتبنى إيديولوجية وأهدافاً متناقضة. إن الهجمات الواسعة النطاق ضد القوات النظامية في تموز وآب 2012، التي اضطلعت فيها المجموعات السلفية بدور ظاهر بشدة، انتهت بفشل، ما أدى إلى انهيار بعض معتقداتها الموجود لديها مسبقاً. والمعارضة واعية جداً للمزالق: إن صعود السلفية يؤكد، وبشكل أساسي، صحة فرضية النظام ويساعد بالتالي على تبرير قمعها؛ يقلق الداعمين الخارجيين الفعليين والمحتملين؛ ويقوض جاذبية المعارضة الواسعة، في الوقت الذي يحشد فيه السلفيون بعض المتطوعين الجهاديين السوريين والراعين الإسلاميين في الخارج لأجل القضية، ويعزز، في آن معاً، قدرة النظام على تعبئة حلفائه وقاعدته الاجتماعية.
كل هذا يضع السلفيين في موقف غير مريح للحصول على الدعم، بسبب سلوكهم وخطابهم، وهو نقاش مركزي يطرحه النظام الذي يسعون للإطاحة به. وهذا يفسر سبب إطلاق التيار السائد للمعارضة حملات عديدة ـ غير الناجحة حتى تاريخه ـ لتوحيد صفوف المتمردين، تعزيز فعاليتهم الشاملة واحتواء رؤىً وتطلعات أكثر تطرفاً، أو على الأقل توجيهها في قنوات.
هناك أساطير عديدة محيطة بسلفيي سوريا. فهم ليسوا تعبيراً عن هوية حقيقية وأصدق للمجتمع؛ هم ليسوا مجرد نتاج ثانوي لمكائد النظام ودسائسه؛ وهم ليسوا، ببساطة، نتيجة نفوذ عرب الخليج المتنامي. بالأحرى، ينبغي فهم هؤلاء على أنهم أحد امتدادات الصراع العديدة، ليس أقله، فهمه كجزء من أزمة الهوية العميقة التي أنتجها الصراع. فمن نواح عديدة، هي صورة تعكسها المرآة لعبادة العنف وعبادة العائلة الحاكمة في آن معاً، والتي برزت بين العلويين بدرجة مدهشة. وفي كلا الحالين، فإن صعود رؤى عالمية أكثر تطرفاً وتشدداً ليس بالأمر الذي لا يمكن إنكاره، بل ليس بالضرورة أمرا لا رجعة فيه. ويبدو بأن السلفية، التي هي سبب وأعراض أوجه القصور الحالية للمعارضة وتعبير عن مأزق دموي وعسكري ـ كأشياء أخرى كثيرة في سوريا ـ طريق لا يمكن العودة عنه ولا وجود لمخرج له حتى الآن.
دمشق، بروكسل، 12 تشرين الأول 2012
1 . مقدمة
في الأسابيع الأخيرة ، أصبحت العناصر الأصولية ظاهرة للعيان أكثر فأكثر ضمن صفوف المتمردين، ما دفع إلى إثارة جدل وقلق بين السوريين وظهور تناقض حاد وصارخ لرواية المعارضة الأصلية. بالواقع، وعلى امتداد الأشهر بداية الثورة، أكد كبار الناشطين على توظيف لغة ـ على الأرض وعلى الانترنت ـ مصمَّمة لاجتذاب أوسع شريحة ممكنة من الطيف الاجتماعي. فالتظاهرات السلمية هتفت مطالبة بالحرية وألحت على الوحدة عبر المذاهب والطوائف، في حين لم تقنع محاولات النظام بصبغ المعارضة بصبغة المتطرفين السلفيين والعنف إلا قلة من المراقبين.
حتى بعدما حملت المعارضة السلاح، ظلت الجهود لرفض الشعارات المذهبية والطائفية تبذل دون هوادة. ففي حزيران 2011، أعلن أحد رواد المعارضة المسلحة، العقيد حسين هرموش، بأنه قد انشق مع رفاقه عن الجيش " لحماية المتظاهرين العُزَّل المطالبين بالحرية والديمقراطية"، مضيفاً، "لا للطائفية، الشعب السوري شعب واحد". ذاك التبرير ـ أي أن المعارضة بحاجة للجوء إلى السلاح لحماية الشعب من وحشية النظام وتعزيز طموحاته ـ سرعان ما تبناه منشقون عن الجيش، وناشطون وسياسيون منشقون على حد سواء. ومهما يكن من سعي النظام الكبير والمبكر لإبراز المعارضين المحليين على أنهم متطرفون إسلاميون يمارسون العنف، فقد تذرع رواد المقاومة المسلحة بنفس القيم القومية والديمقراطية التي تبناها نظراؤهم السلميون.
في الوقت الذي استمرت فيه حملة النظام الوحشية لقمع الثورة على امتداد صيف 2011، تلاشت آمال المتظاهرين بقدرة التظاهرات على الإطاحة بهذا النظام أكثر. ففي آب، فشلت التظاهرات اليومية التي كان يُتوقع منها الكثير خلال شهر رمضان الكريم بتقويض سيطرة الحكومة على دمشق وحلب، حيث كثفت القوى الأمنية وبدائلها من المدنيين الذين جندتهم من إجراءاتها. ومع محافظة النظام على قبضته الممسكة بالعاصمتيْن السياسية والاقتصادية للبلاد، فلن يكون هناك من "ميدان تحرير" سوري.
رداً على ذلك، ارتفع الدعم في أوساط الناشطين لمحاكاة النموذج الليبي بتغيير النظام: المقاومة المسلحة المدعومة بتدخل خارجي غربي، الذي قاد إلى سقوط طرابلس خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان. وفي سعيهم للحصول على حماية مسلحة، بدأ التيار السائد للناشطين يتبني ما يسمى بالجيش السوري الحر علناً، وهو كيان بدأ كبقع منتشرة من المجموعات المسلحة المعارضة المخصصة والمتجذرة في مجتمعات مضطهدة، حيث حارب متطوعون محليون ومنشقون عن الجيش ضد الاستخدام المفرط للقوة الذي مارسه النظام. في نفس الوقت، نزل السوريون إلى الشوارع في تظاهرات الجمعة في كل أنحاء البلاد تحت عنوان "الحماية الدولية" والدعوة إلى تثبيت منطقة حظر طيران.
في الأشهر التي تلت، تضاءلت آمال المعارضة بعمل عسكري غربي، حتى عندما أصبحت القوات الموالية للنظام أكثر عدائية في جهودها الرامية إلى سحق جيوب المقاومة المسلحة المنتشرة. وزاد الإحباط جراء التراخي الدولي بالتوازي مع ارتفاع عدد الضحايا المدنيين (وغير المدنيين). ففي الأسابيع الأولى من عام 2012، كانت صفوف المعارضة تتجادل فيما بينها حول إعلان الجهاد ضد النظام أو لا ـ وجهة نظر لطالما طُرحت في منتديات نضالية متشددة لكنها اعتبرت حتى ذلك الحين من المحرمات في أوساط تيار المعارضة السائد. تزامن هذا التحول مع بروز أول مجموعتين سلفيتين بارزتين للثورة: جبهة النصرة وكتائب أحرار الشام، وقد تبنت كلاهما، بشكل لا لبس فيه، لغة الجهاد ودعتا إلى استبدال النظام بدولة إسلامية مبنية على المبادئ السلفية.
هذه التطورات ميَّزت مرحلة التطرف داخل المعارضة. وبحلول كانون الثاني 2012، كان الخط السلفي قد أصبح أكثر وضوحاً في المادة المباشرة المنتجة من قبل المسلحين على الانترنت، بما في ذلك أشرطة الفيديو، البيانات، صفحات الفايسبوك والتويتر. ونظراً للدور المركزي الذي لعبته وسائل التواصل على الانترنت في السماح للمتظاهرين السوريين بالتعبئة والتحرك، وتنسيق وتسويق جهودهم، تمثل هذه المادة نافذة قيمة في الحالة الحالية للثورة.
كان قسم كبير من هذه المادة متوافراً لشهور، لكن في الآونة الأخيرة، نادراً ما وصلت إلى الإعلام الغربي والعربي السائدين. هناك تفسيرات عديدة. أولاً، لقد أخذ التأثير السلفي وقتاً، برغم تناميه، قبل أن يتحدى، بشكل جدي وخطير، الرواية التأسيسية للثورة عن حركة ثورية قومية تركز على الإطاحة بالنظام وجسر الهوة الموجودة بين الانقسامات المذهبية والطائفية. ثانياً، كان لدى المعارضة كل الأسباب الموجبة، تحديداً شبكات الناشطين التي توفر المعلومات والمادة التوضيحية لوسائل الإعلام، لعرض أكثر صورها جاذبية، ووعيها جيداً للشكوك التي ستنشأ بسبب الخطاب الإسلامي الأصولي المفرط. ثالثاً، ظهر الصحافيون لوهلة، المتعاطفون أو المصدومون على الأقل بسبب قمع النظام، بأنهم موافقون على أن التركيز على الظاهرة السلفية سيقوض أهداف الثورة الأوسع نطاقاً. أخيراً، ولأن النظام قام بإلقاء الضوء على التهديد السلفي قبل وقت طويل من بروزه بشكل موثوق على الأرض، شعر كثيرون بأن الإنكباب على القضية ومعالجتها سيكون لصالح الأسد. باختصار، كان هناك خوف من أن يتم استغلال البحث التحليلي وغير المنحاز لدور السلفية داخل المعارضة.
فضلاً عن ذلك، وبقدر ما انكبت وسائل الإعلام الدولية وخاصة الغربية والمحللين على معالجة الدور السلفي داخل المعارضة المسلحة، بقدر ما مالوا للتركيز، وبشكل غير متناسب، على الخوف من استفادة القاعدة من العنف للدفع قدماً بقضيتها. ففي شباط 2012، تصدَّر زعيم القاعدة أيمن الظواهري عناوين رئيسة مع رسالة بثها شريط فيديو يدعو فيها المسلمين إلى دعم الجهاد في سوريا. وألقى مسؤولو الاستخبارات الأميركية باللائمة علناً، بما يتعلق بتفجيرات انتحارية بارزة في دمشق وحلب ـ اللتين ادعت جبهة النصرة مسؤوليتها عنهما ـ على أعضاء مجموعة عراقية تابعة للقاعدة تعمل بأوامر الظواهري. ومنذ ذلك الحين، كُتب الكثير في الصحافة الغربية بما يتعلق بنشاط القاعدة المزعوم ووجود مقاتلين أجانب يشنون حرب الجهاد على الأرض السورية. إلا أن السلفية ظاهرة تمتد وتتخطى القاعدة كثيراً، وبالتالي هناك أسئلة أكثر تعقيداً ، ذات صلة أكبر في النهاية، تتعلق بدورها لا تزال غير مستكشفة إلى حد كبير.
مع اكتساب مسلحي المعارضة القوة، وتصاعد العنف وتكثف الجهود الدولية لتجهيز قوات التمرد، فإن فهماً أكثر دقة لفروع المعارضة المسلحة يعتبر أمراً حاسماً. قد تكون السلفية أحد أبعادها فحسب، إلا أن الطبيعة الهشة للمجتمع السوري، العنف المذهبي الشديد والدور الملتبس والغامض لمختلف الفاعلين الدوليين يعطيها أهمية محددة. بالواقع، وتحديداً لأنها مسيسة واستقطابية بشدة ـ مضخمة إلى حد كبير ومستغلة من قبل البعض، مخفية أو مهملة من قبل آخرين ـ فإنها تستحق الفحص بشكل دقيق وحذر. هذا التقرير يستكشف مكان السلفية ضمن طيف النضال المسلح ويعالج العوامل الأساسية مميزاً بين العناصر الجهادية السلفية الأكثر تطرفاً وبين نظرائهم العاديين. وهذا التقرير مستمد، على نطاق واسع، من مقابلات أجرتها "Crisis Group" في سوريا مع ناشطين ومسلحين في المعارضة، إضافة إلى مواد مأخوذة عن شبكة الانترنت والتلفزيون أنتجتها مجموعة واسعة من الناشطين والجماعات المسلحة والشخصيات الدينية داخل وخارج البلاد.
2 . مدخل إلى مصطلح الدوغمائية السلسة
• سوريا والسلفية
رغم أن لديها جذوراً في حركة الإصلاح الحداثية الإسلامية للقرن التاسع عشر ـ إحدى التوجهات الإيديولوجية المعاصرة العديدة، كالقومية العربية، التي كانت تناضل لأجل شكل من أشكال الإحياء العربي ـ كان مصطلح " السلفية" متبنى منذ ذلك الحين من قبل مسلمين سنة محافظين يسعون إلى تطبيق التفسير الحرفي للكتاب المقدس بناءً على المثال الذي وضعه النبي وأصحابه. وقبيل اندلاع الثورات العربية عام 2011، كان المحللون قد ميَّزوا عموماً بين السلفيين التقليديين، الذين يعتبرون نشاط الدعوة الاجتماعية أولوية تأتي قبل النشاط السياسي، وبين الجهاديين السلفيين، وهم فرع صغير من السلفيين الذين يعتنقون "ايديولوجية إسلامية هجينة مبدأها العقائدي الأول هو تقديم مسوغ لوجود المتشددين وتبرير وسلوكهم".
كان السلفيون التقليديون ميالين لأن يكونوا داعمين للحكام العرب المستبدين (تحديداً العائلة الحاكمة السعودية وحلفاءها)، وصرف النظر عن الديمقراطية بصفتها خرقاً وانتهاكاً بشرياً لحرمة وسلطة الله ورفض أية محاولة لإزالة المؤسسة الحاكمة ـ سواء بالعنف أو بغيره ـ بصفته انتهاكاً للشريعة الإسلامية. وفي حين يشارك السلفيون الجهاديون السلفيين التقليديين احترام التفسير الحرفي للكتاب المقدس الإسلامي ورفض الديمقراطية، فإنهم هم يجمعون بين هذه المحافظة وبين الالتزام الذي لا لبس فيه بالعنف الجهادي ضد أعداء مزعومين للإسلام، سواء كان الأعداء دولاً أجنبية (إسرائيل، الولايات المتحدة أو روسيا، على سبيل المثال)، أو هيكليات سلطات محلية (معظم الأنظمة العربية، بسبب معارضتها للحكم الإسلامي أو دعمها "لحرب الغرب المفترضة على الإسلام") أو ممثلين لديانات أخرى، ملحدين، "مرتدين" (ما يعني مسلمين من مدارس فكر منحرفة).
في كل الأحوال، وفي السياق الذي أحدثته الثورات العربية، أضحت بعض السمات التي أخذت تحدد السلفيين التقليديين غير واضحة. فبعد سنوات من وجودهم على الهامش السياسي، وضع عدد من أتباع السلفية في اليمن، تونس، ليبيا، ومصر معارضتهم للسياسات الديمقراطية جانباً، ليؤسسوا أحزاباً تتنافس في الميادين السياسية المفتوحة حديثاً؛ ففي مصر، فاز السلفيون بحوالي 25 بالمئة من المقاعد البرلمانية. إن تراجعاً سريعاً كهذا عما كان يعتبر مرة موقفاً مبدئياً أساسياً وجوهرياً يعكس مفارقة في صميم السلفية المعاصرة: فبرغم إدعائها بأنها "صارمة"، وتعبر بصفتها عقائدية ومتصلبة، فإنها تقدم مرونة لا بأس بها ومدهشة بالواقع، الأمر الذي يمكن أن يثبت قيمته، تحديداً، في زمن الصراعات والاضطرابات السياسية.
أما داخل سوريا، فقد حالت عوامل سياسية، اجتماعية وثقافية دون النمو المحتمل للسلفية، على الأقل في البداية. فالقمع القديم، الذي اشتد بعد العام 2001، منع، على العموم، ترسخ السلفية ضمن المشهد السياسي المحلي، ويمكن القول بشكل أكثر فاعلية من أي مكان آخر في المنطقة. فالبلد يتمتع بتاريخ عميق وبممارسة حيوية لمدارس الفكر الإسلامي المعتدل؛ هذه المدارس ـ ورغم أنه لم يتم التطرق إليها في هذا التقرير ـ ممثلة بشدة داخل المعارضة. إذ لطالما اعتز المجتمع السوري وتفاخر بالتعايش السلمي عبر الطوائف. فقد شهد عن كثب عواقب النزاع الطائفي والمذهبي عندما دمرت الحرب الأهلية بلدين جارين، لبنان أولاً ومن ثم العراق. فضلاً عن ذلك، ومن بين ناشطي ومسلحي المعارضة، يشكل الإسلاميون المتشددون والعلمانيون العريقون أقليات صغيرة؛ فمعظمهم من السنة المتدينين من دون انتماءات إيديولوجية قوية.
مع ذلك، فإن المرونة التي تشكل مفارقة في هذه العقيدة الجامدة المزعومة، إلى جانب سمات وخصائص هامة أخرى، تفسر سبب اكتساب السلفية أرضية لها بسرعة في سوريا في الوقت الذي ينتشر فيه العنف، رغم أنها لم تمثل سوى مكون تافه ومتواضع نسبياً من المشهد الديني السني للبلد قبل الثورة. فالسلفية تضفي شرعية مطلقة وسريعة على أولئك الذين يتوسلونها، حيث إنها تهدف حتى الآن إلى محاكاة طرق النبي. فأتباع السلفية محددون ومعروفون بعلامات ودلالات هامة، مع ذلك هي دلالات يمكن الوصول إليها: لحى بطول محدد وخاص، شوارب محلوقة، وملابس تصل بطولها إلى ما فوق الكعب تماماً. وبرغم كون الدعاة السلفيين مثقفين وواسعي الاطلاع عادة، فإن السلفية في تجسيداتها الأكثر شعبية لا تتطلب أية خلفية ثقافية محددة أو تدريباً بحثياً؛ فالسلفيون العصاميون يعتمدون، بالأساس، على التكرار المحض للنصوص التأسيسية، وبذلك يمكنون الغرباء وما يسمى بالمقاولين الدينيين من الوصول إلى مكانة معينة بصرف النظر عن الثروة، التعليم، أو الأصل.
تتيح السلفية أيضاً درجة أكبر نسبياً من الحرية في تحديد المعايير الدينية من تلك الشائعة والمشتركة التي توفرها مؤسسات راسخة، وهي تقاليد وتفسيرات تشكل بنية وأساس مدارس الفكر الإسلامي الأخرى وتقيدها. أخيراً، إن السلفية تبني على رواية تتناسب جيداً، وبالتحديد، مع الحاجات التي تتولد من صراع العنف، سواء تحديد وتصنيف عدو المرء، حشد الدعم للجهاد، أو تبرير الشهادة. فبالنسبة للطبقة الدنيا المحافظة إلى حد كبير، والتي تعتبر هويتها الإسلامية منفصلة ومستقلة عن تلك التي للنخب المحلية من رجال الدين والتي تمثل العمود الفقري الاجتماعي ـ الاقتصادي للمعارضة، كانت جاذبية السلفية واضحة.
قدمت السلفية، وبشكل حاسم، أجوبة لهذه الجماهير، أجوبة لم تتمكن مذاهب أخرى من تقديمها: صيغة بسيطة ويمكن الوصول إليها من الشرعية والنظام الإيماني، كلاهما حيويان في زمن الصراع والتطرف والعنف، طريقة بسيطة ومناسبة لتحديد العدو وتعريفه على أنه النظام غير الإسلامي والمرتد؛ والتمويل، وذلك بفضل الشبكات الممتدة عميقاً في الخليج، وطور السلفيون روابط اقتصادية وثيقة في عدد من المجالات السورية التي تأثرت أكثر من غيرها بالأزمة. كما استفادت السلفية من خبرة وتجربة مسلحيها التي تراكمت لديها في ساحات معارك أخرى؛ لقد تطوع السلفيون للقتال، لذا فهم قاسموا معارفهم القتالية مجموعات مسلحة محلية لا خبرة لديها. بالمقابل، لم يكن لدى القيادة الدينية السائدة الكثير لتقترحه وتقدمه، وكانت جهودها الممتدة ضعيفة؛ وبأسلوب مماثل، أصبحت كل من المعارضة في المنفى والمجتمع الدولي مصدر إحباط عميق.
بمرور الوقت، وما إن تطور الصراع إلى حرب أهلية مطولة وممتدة، بدأ كبار الشخصيات حتى في المعارضة بترديد صدى المخاوف الغربية القديمة من تنامي دور المسلحين الأكثر تطرفاً. وفي تموز 2012، حذر العميد مصطفى الشيخ، رئيس المجلس العسكري الأعلى للجيش السوري الحر، وهو يقصد القاعدة وجماعات جهادية أخرى بكلامه، بقوله: "إنهم يصبحون أكبر شيئاً فشيئاً. وبدأوا يمتلكون يوماً بعد يوم مواقع أكثر قوة داخل البلد. الوضع خطير جداً."
• أشكال وأنواع السلفية
في تحليل تأثير الجماعات السلفية، ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا عوامل عديدة. أولاً، يجب أن يكون المرء منتبهاً للاختلافات الموجودة ليس فقط بين الجماعات المسلحة التي تتبنى الخطاب السلفي وبين فئات المعارضة الأخرى، وإنما بين المجموعات السلفية المختلفة نفسها أيضاً. فمن بين الأسئلة الهامة سؤال عما إذا كان المرء يتبنى المفهوم الجهادي السلفي (كما تؤيده القاعدة) أم أنه يهدف بدلاً من ذلك إلى استبدال نظام الأسد بصيغة ما من صيغ الحكم الإسلامي. وكما توضح، وبإسهاب، الحالة العراقية، فإن تمايزات كهذه تعتبر هامة ويمكن أن تكون أصل الانقسامات الداخلية العنيفة للمعارضة. ويمكن للطموحات العالمية للجهاديين السلفيين أن تشكل تهديداً للأهداف الأكثر محلية لمجموعات التمرد السائدة ذات التوجهات السلفية؛ خاصة، بينما تكون الأولى تسعى ربما إلى تدمير الدولة الموجودة، وتهدف الأخيرة لحكمها.
ثانياً، إن الدوافع تختلف وتتباين حتى بين المجموعات التي تعتبر أهدافها محدودة بسوريا فقط. فبالنسبة للبعض، فإن تبني أسماء، وخطاب ورموز سلفية أمور تعكس التزاماً مخلصاً بالمثل السلفية؛ بالنسبة لآخرين، فإنها تعبِّر عن محاولة براغماتية بأساسها لتملق المانحين الخليجيين الأثرياء والمحافظين. وقد ولَّد عبد الرزاق طلاس، وهو قائد جذاب المنظر من المستوى المتوسط محبوب جداً، جدلاً عاماً في صفوف المعارضة عندما أطال شعر لحيته بأسلوب مرتبط بالسلفيين. مع ذلك، وبحسب ناشط بارز في حمص، فإن القرار كان يشير إلى مجهود لإرضاء ممولين خليجيين ولا يشير إلى تحول إيديولوجي لديه. عموماً، فإن تفضيل الممولين الخليجيين المحافظين منعكس في مواقف وحدات المتمردين؛ ففي حزيران نشرت مجموعة صغيرة من المسلحين شريط فيديو على اليوتيوب تسمي فيه رسمياً وحدتها باسم رجل دين كويتي تيمناً به بعدما قدم لها الدعم.
ثالثاً، منذ ذلك الحين عندما برزت أولى المجموعات المسلحة في صيف 2011، كان التمرد المسلح متسماً بالميوعة والتنظيم الرخو. فقد كان لا يزال على معظم الجماعات المسلحة تطوير إيديولوجية ثابتة أو بنية قيادية؛ تميل العضوية في الفصائل المختلفة إلى التقلب، مع تحول المقاتلين من مجموعة إلى أخرى بناءً على توافر التمويل والسلاح والعلاقات الشخصية، إضافة إلى وضعية قوات النظام. فضلاً عن ذلك، تتمتع المجموعات بدرجات مختلفة من القدرة على الوصول إلى وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية، ما يؤثر أكثر على الدرجة التي تمكنهم من الوصول إلى مراقبين خارج منطقتهم المجاورة مباشرة. ففي بعض الحالات، يسيطر على حسابات الفايسبوك والاتصالات مع القنوات الإخبارية الفضائية العربية ناشطون من خارج البلاد، غالباً في منطقة الخليج. هذا الأمر، جنباً إلى جنب مع التمويل الخليجي، يعني بأن لهجة الناشطين والفصائل المسلحة تميل لأن تكون أكثر إسلامية ( أصولية) من تلك التي لجماعات المعارضة الفعلية على الأرض.
تعقد هذه العوامل، معاً، مهمة تقويم الحجم النسبي لفصائل التمرد وفعالية تجانسها وانسجامها. نتيجة لذلك، يركز هذا التقرير على الجماعات التي دعمت بالوثائق نفوذها وتأثيرها وقوة بقائها على الأرض على مدى فترة طويلة من الزمن، مؤيدة مزاعمها بدليل موثوق مسجل على شريط فيديو منشور على الانترنت.
أخيراً، كلمة حذر بما يتعلق بطبيعة الجيش السوري الحر: ففي حين يشير محللون وصحافيون غربيون وعرب أحياناً إلى الجيش السوري الحر بوصفه مؤسسة متجانسة ومنسجمة، فإنه يشبه علامة تجارية أكثر مما يشبه قوة عسكرية موحدة. إن قسماً كبيراً من فصائله ذات تنسيق رخو فيما بينها، تتقاسم مصادر التمويل أو هي منخرطة في جهود أولية لتأسيس هيكليات قيادة وتحكم إقليمية. وبسبب ظهورها البارز على شاشات التلفزة العربية وعلى أشرطة الفيديو على اليوتيوب، ساهمت شخصيات أساسية ببروز مبادئ غامضة وغير متبلورة تقف خلف مزاعم الجيش السوري الحر (صحيحة كانت أم لا) ـ تحديداً العقيد رياض الأسعد، القائد الاسمي للجيش السوري الحر؛ عبد الرزاق طلاس؛ ومصطفى الشيخ رئيس المجلس العسكري الأعلى: من أنه يمثل التيار الرئيس للمعارضة المسلحة؛ ومن أنه غير إيديولجي؛ ويتعامل قادته بمسؤولية مع المجتمع الدولي؛ وبأنهم يتبنون مفهوم سوريا الديمقراطية الضامنة للحقوق والحريات لكل مواطنيها. مع ذلك، لا يزال على الجيش السوري الحر إنتاج هرمية قيادية واحدة، وإنتاج أخلاقيات أو انتماء سياسي قادر على توحيد عشرات الألوية التي تحارب تحت رايته.
رغم أن الفصائل التي تعمل تحت اسمه مختلفة عن بعضها بشكل هام وبارز، فإن أهمية وشهرة الجيش السوري الحر هي من النوع الذي إذا ما اختارت مجموعة ما عدم القتال تحت رايته فإنها تؤكد استقلاليتها بشكل فاعل. وأبرز المجموعات التي امتنعت عن تبني شعار الجيش السوري الحر هي مجموعات سلفية في استشرافها وآفاقها بصورة غير متناسبة مع آفاق الجيش الحر؛ فقد اختار عدد منها راياتها، وهي عبارة عن رايات إسلامية سوداء جنباً إلى جنب مع ألوان الثورة، أو بدلا عنها، بحالات نادرة. هذا التقرير يبين التمايز الموجود بين الجماعات، السلفية وخلافها، التي تعرف عن نفسها بأنها تنتمي إلى الجيش السوري الحر وتلك التي لا تعرف عن نفسها بأنها كذلك، في الوقت الذي يعترف فيه التقرير بأن الخط الفاصل بين الاثنين هو خط ملتبس وضبابي أحياناً.
3. تربة خصبة، محصول غامض
كما أشرنا، تجذرت الثورة في خانة اجتماعية كانت، من حيث المبدأ، قابلة بشدة للتأثير والنفوذ السلفي: فالطبقة الدنيا من النازحين الريفيين، كثير منهم كانوا مركزين في أحياء عشوائية تزنر المدن الكبرى. وعلى خلاف الدائرة الداخلية للنظام والنخب المتحضرة، لم تكن هذه الشريحة من السكان تتمتع بثمار الانفتاح الاقتصادي ما بعد 2005. وقد دفعت سنوات من القحط والجفاف والانحدار الاقتصادي خارج المراكز السياسية والتجارية إلى فترة نزوح مطولة من الأرياف إلى ضواحي المدن. فالناس المعتادون على أساليب الحياة الريفية التقليدية، زُرعوا فجأة في مواضع قاسية، لا شخصية، بعيداً عن شبكاتهم الاجتماعية الداعمة. في هذه الأثناء، لم تقدم الدولة سوى خدمات قلي
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018