ارشيف من :ترجمات ودراسات
مرحلة جديدة في العلاقات الاميركية ـ الروسية
(المقال التالي يلقي الضوء على السياسة الدولية لمعسكر "المعتدلين" في الادارة الاميركية، فيما يخص العلاقات الاميركية ـ الروسية، وذلك خلافاً لسياسة معسكر "الصقور" او "المحافظين الجدد". والكاتب هو: ستيف بايفر، دبلوماسي سابق، حالياً رئيس لجنة مبادرة الرقابة على التسلح في مؤسسة بروكينغز وأحد واضعي كتاب "امكانية: الخطوات التالية في تخفيض الاسلحة النووية". والمقال مترجم عن جريدة: "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية):
في السنة الماضية كانت العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الاميركية شبه معلقة بانتظار انتهاء الانتخابات الرئاسية في كلا البلدين. ولكن بعد ان فاز باراك اوباما بالانتخابات الرئاسية لدورة ثانية لاربع سنوات، بعد ان اعيد انتخاب فلاديمير بوتين لدورة رئاسية جديدة، فكيف ستكون عليه العلاقات بين الولايات المتحدة الاميركية وروسيا؟
ان الحلحلة، التي اطلقتها ادارة اوباما في سنة 2009، جرت بنجاح. في سنة 2008 كانت العلاقات بين الولايالت المتحدة الاميركية وروسيا قد وصلت الى ادنى مستوى لها منذ سنة 1991. وكان يوجد على جدول الاعمال الكثير من المسائل المختلف عليها، وكان الطرفان غالباً ما يختلفان بحدة حول تلك المسائل، مثل الرقابة على الاسلحة الاستراتيجية، منظومة الدفاع المضادة للصواريخ في اوروبا، توسيع حلف الناتو، جورجيا، ايران وتعديل قانون جاكسون ـ فانيك (حول التضييقات التجارية على الاتحاد السوفياتي السابق وتالياً روسيا ـ ملاحظة من المترجم). وفي السنوات الاربع الاخيرة عقدت واشنطن وموسكو معاهدة جديدة حول تخفيض الاسلحة الاستراتيجية، وعمقتا التعاون فيما يخص افغانستان، واتفقتا على تشديد الضغط على ايران، بما في ذلك المقاطعة المتعلقة بالتزويد بالاسلحة، وعملتا معاً على مسألة قبول روسيا في منظمة التجارة الدولية.
ولكن الحلحلة لم تحل جميع المسائل المختلف عليها. وبقيت مواقف الطرفين مختلفة بشدة، مثلاً، حول سوريا ومسألة الديمقراطية. وقد استمر خلاف الطرفين في مسألة منظومة الدفاع الصاروخية، وان بتعبيرات اقل حدة. ولكن بأي مقياس كان، فإن العلاقات الاميركية ـ الروسية اليوم اصبحت افضل بكثير مما كانت عليه سنة 2008. وهذا كان هدف الحلحلة.
في الاشهر الاولى من تسلم اوباما للسلطة بدأ موظفو الادارة الاميركية يتحدثون في جلساتهم الخاصة عن أن الرئيس يطمح الى تحسين العلاقات مع موسكو وهو يأخذ في الاعتبار عدداً من المسائل التي تقلق روسيا، على امل اجتذاب دعم روسيا في مسائل مفصلية، مثل مسألة ايران. وحدث انقلاب بناء في العلاقات على اثر لقاء اوباما ودميتريي ميدفيدييف في نيسان 2009 ثم زيارة اوباما لموسكو في تموز من السنة ذاتها. ولمس اوباما النتائج الايجابية وشارك شخصياً في تطوير العلاقات الاميركية ـ الروسية خلال مرحلة ولايته الاولى، وفعل ميدفيدييف الشيء نفسه.
والآن تدخل العلاقات الاميركية ـ الروسية في مرحلة جديدة. والمسائل التي تنتظر الحل الآن هي اكثر تعقيداً، جزئياً، لان المسائل الاقل تعقيداً نسبياً قد جرى حلها قبلاً. وفي مكان ميدفيدييف حل بوتين بوصفه المحاور الرئيسي لاوباما من الجانب الروسي. وتطرح افتراضات انه حينما يكون شغل اوباما مع بوتين تبرز خلافات ومشادات اكثر مما كان مع ميدفيدييف. من المحتمل انه كان يوجد اعجاب متبادل بين اوباما وميدفيدييف، ومثل هذا الاستلطاف يساعد في الدبلوماسية. ولكن المصالح القومية هي فوق كل شيء، ولا ينبغي المبالغة في اهمية العلاقات المتبادلة الشخصية. ان بوتين وجورج بوش كانا يفهمان جيداً احدهما الاخر، ولكن هذا لم يمنع هبوط مستوى العلاقات الاميركية ـ الروسية من سنة 2003 حتى سنة 2008 والاتهامات المتبادلة بين الطرفين.
ماذا يمكن ان يكون الحافز للتحسين اللاحق للعلاقات الاميركية ـ الروسية؟ انني اقترح على الطرفين الاهتمام بمسألة الرقابة على الاسلحة النووية، التي دفعت الى تطوير العلاقات بين البلدين سنة 2009. وهذا التوجه يتضمن امكانيات هامة للتقدم اللاحق في تطوير العلاقات بين الولايات المتحدة الاميركية وروسيا. ان معاهدة "ستارت ـ 3" (حول تخفيض الاسلحة الهجومية الستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة الاميركية ـ ملاحظة من المترجم) بدت كخطوة بناءة. ولكن بموجب هذه المعاهدة يبقى في ترسانة كل من البلدين كما في السابق لا اقل من 5 آلاف وحدة سلاح نووي. وبعد عشرين سنة من نهاية الحرب الباردة فإن هذا المستوى من التسلح يتناقض مع العقل السليم. ومن الممكن اجراء تخفيضات لاحقة جدية: ان الولايات المتحدة الاميركية وروسيا يمكنهما تخفيض الترسانة النووية بمقدار النصف، ومع ذلك يبقى لدى كل منهما من الاسلحة النووية ربما عشرة اضعاف اكثر مما لدى اي بلد ثالث.
وفيما يتعلق بمنظومة الدفاع المضاد للصواريخ، اذا استطاع البلدان التوصل الى تأمين ما تطلبه روسيا من ضمانات قانونية مكتوبة، واذا كانت واشنطن تعمل على تأمين المزيد من الشفافية والمرونة في برامجها، فإن حلف الناتو وروسيا يمكنهما التوصل الى اتفاق حول نظام مشترك للدفاع المضاد للصواريخ. وينبغي لبلدينا ان يتابعا المشاورات فيما بينهما في مسألة توسيع اجراءات الرقابة على الاسلحة النووية واشراك اطراف ثالثة فيها. وهذا ما يمكن ان يكون عليه جدول اعمال الرئاسة.
ان مثل هذه "الاجندة عمل" يمكن ان تضمن المشاركة الشخصية الدؤوبة والدائمة لاوباما في تطوير العلاقات مع روسيا. ولكن لا ينبغي ان نأخذ ذلك على انه مسار يتم من تلقاء ذاته. في خلال التحضير لولايته الثانية من الطبيعي ان اوباما بدأ يفكر في ارثه، وفيما يمكن ان يذكره التاريخ خلال 50 سنة.
في جميع اجهزة السلطة في الولايات المتحدة الاميركية جرى تحضير وثائق برنامجية مع توصيات فيما يتعلق بمسائل السياسة الخارجية، التي ينبغي لادارة اوباما ان تهتم بها خلال فترة الاربع السنوات. ولا شك ان المقترحات هي اكبر مما يستطيع الرئيس تحقيقه خلال ولايته لاربع سنوات.
وتشير الدلائل إلى ان اوباما ربما يريد ان تصبح فترة رئاسته نقطة تحول في حقل التسلح النووي وتخفيضه. وهذا يتيح الامكانية لجذب اهتمام اوباما نحو اجندة العلاقات الاميركية ـ الروسية بشرط استعداد الطرف الروسي للقيام باجراءات مشتركة. اما اذا لم تبد موسكو الاهتمام الكافي، فمن الصعب ايجاد اي مسألة اخرى "كبرى" من مسائل العلاقات الاميركية ـ الروسية، التي يمكن ان تهم الرئيس. وانا افترض ان اهتمام اوباما سينصرف حينذاك الى اي جانب آخر.
كاتب لبناني مستقل
في السنة الماضية كانت العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الاميركية شبه معلقة بانتظار انتهاء الانتخابات الرئاسية في كلا البلدين. ولكن بعد ان فاز باراك اوباما بالانتخابات الرئاسية لدورة ثانية لاربع سنوات، بعد ان اعيد انتخاب فلاديمير بوتين لدورة رئاسية جديدة، فكيف ستكون عليه العلاقات بين الولايات المتحدة الاميركية وروسيا؟
ان الحلحلة، التي اطلقتها ادارة اوباما في سنة 2009، جرت بنجاح. في سنة 2008 كانت العلاقات بين الولايالت المتحدة الاميركية وروسيا قد وصلت الى ادنى مستوى لها منذ سنة 1991. وكان يوجد على جدول الاعمال الكثير من المسائل المختلف عليها، وكان الطرفان غالباً ما يختلفان بحدة حول تلك المسائل، مثل الرقابة على الاسلحة الاستراتيجية، منظومة الدفاع المضادة للصواريخ في اوروبا، توسيع حلف الناتو، جورجيا، ايران وتعديل قانون جاكسون ـ فانيك (حول التضييقات التجارية على الاتحاد السوفياتي السابق وتالياً روسيا ـ ملاحظة من المترجم). وفي السنوات الاربع الاخيرة عقدت واشنطن وموسكو معاهدة جديدة حول تخفيض الاسلحة الاستراتيجية، وعمقتا التعاون فيما يخص افغانستان، واتفقتا على تشديد الضغط على ايران، بما في ذلك المقاطعة المتعلقة بالتزويد بالاسلحة، وعملتا معاً على مسألة قبول روسيا في منظمة التجارة الدولية.
ولكن الحلحلة لم تحل جميع المسائل المختلف عليها. وبقيت مواقف الطرفين مختلفة بشدة، مثلاً، حول سوريا ومسألة الديمقراطية. وقد استمر خلاف الطرفين في مسألة منظومة الدفاع الصاروخية، وان بتعبيرات اقل حدة. ولكن بأي مقياس كان، فإن العلاقات الاميركية ـ الروسية اليوم اصبحت افضل بكثير مما كانت عليه سنة 2008. وهذا كان هدف الحلحلة.
في الاشهر الاولى من تسلم اوباما للسلطة بدأ موظفو الادارة الاميركية يتحدثون في جلساتهم الخاصة عن أن الرئيس يطمح الى تحسين العلاقات مع موسكو وهو يأخذ في الاعتبار عدداً من المسائل التي تقلق روسيا، على امل اجتذاب دعم روسيا في مسائل مفصلية، مثل مسألة ايران. وحدث انقلاب بناء في العلاقات على اثر لقاء اوباما ودميتريي ميدفيدييف في نيسان 2009 ثم زيارة اوباما لموسكو في تموز من السنة ذاتها. ولمس اوباما النتائج الايجابية وشارك شخصياً في تطوير العلاقات الاميركية ـ الروسية خلال مرحلة ولايته الاولى، وفعل ميدفيدييف الشيء نفسه.
والآن تدخل العلاقات الاميركية ـ الروسية في مرحلة جديدة. والمسائل التي تنتظر الحل الآن هي اكثر تعقيداً، جزئياً، لان المسائل الاقل تعقيداً نسبياً قد جرى حلها قبلاً. وفي مكان ميدفيدييف حل بوتين بوصفه المحاور الرئيسي لاوباما من الجانب الروسي. وتطرح افتراضات انه حينما يكون شغل اوباما مع بوتين تبرز خلافات ومشادات اكثر مما كان مع ميدفيدييف. من المحتمل انه كان يوجد اعجاب متبادل بين اوباما وميدفيدييف، ومثل هذا الاستلطاف يساعد في الدبلوماسية. ولكن المصالح القومية هي فوق كل شيء، ولا ينبغي المبالغة في اهمية العلاقات المتبادلة الشخصية. ان بوتين وجورج بوش كانا يفهمان جيداً احدهما الاخر، ولكن هذا لم يمنع هبوط مستوى العلاقات الاميركية ـ الروسية من سنة 2003 حتى سنة 2008 والاتهامات المتبادلة بين الطرفين.
ماذا يمكن ان يكون الحافز للتحسين اللاحق للعلاقات الاميركية ـ الروسية؟ انني اقترح على الطرفين الاهتمام بمسألة الرقابة على الاسلحة النووية، التي دفعت الى تطوير العلاقات بين البلدين سنة 2009. وهذا التوجه يتضمن امكانيات هامة للتقدم اللاحق في تطوير العلاقات بين الولايات المتحدة الاميركية وروسيا. ان معاهدة "ستارت ـ 3" (حول تخفيض الاسلحة الهجومية الستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة الاميركية ـ ملاحظة من المترجم) بدت كخطوة بناءة. ولكن بموجب هذه المعاهدة يبقى في ترسانة كل من البلدين كما في السابق لا اقل من 5 آلاف وحدة سلاح نووي. وبعد عشرين سنة من نهاية الحرب الباردة فإن هذا المستوى من التسلح يتناقض مع العقل السليم. ومن الممكن اجراء تخفيضات لاحقة جدية: ان الولايات المتحدة الاميركية وروسيا يمكنهما تخفيض الترسانة النووية بمقدار النصف، ومع ذلك يبقى لدى كل منهما من الاسلحة النووية ربما عشرة اضعاف اكثر مما لدى اي بلد ثالث.
وفيما يتعلق بمنظومة الدفاع المضاد للصواريخ، اذا استطاع البلدان التوصل الى تأمين ما تطلبه روسيا من ضمانات قانونية مكتوبة، واذا كانت واشنطن تعمل على تأمين المزيد من الشفافية والمرونة في برامجها، فإن حلف الناتو وروسيا يمكنهما التوصل الى اتفاق حول نظام مشترك للدفاع المضاد للصواريخ. وينبغي لبلدينا ان يتابعا المشاورات فيما بينهما في مسألة توسيع اجراءات الرقابة على الاسلحة النووية واشراك اطراف ثالثة فيها. وهذا ما يمكن ان يكون عليه جدول اعمال الرئاسة.
ان مثل هذه "الاجندة عمل" يمكن ان تضمن المشاركة الشخصية الدؤوبة والدائمة لاوباما في تطوير العلاقات مع روسيا. ولكن لا ينبغي ان نأخذ ذلك على انه مسار يتم من تلقاء ذاته. في خلال التحضير لولايته الثانية من الطبيعي ان اوباما بدأ يفكر في ارثه، وفيما يمكن ان يذكره التاريخ خلال 50 سنة.
في جميع اجهزة السلطة في الولايات المتحدة الاميركية جرى تحضير وثائق برنامجية مع توصيات فيما يتعلق بمسائل السياسة الخارجية، التي ينبغي لادارة اوباما ان تهتم بها خلال فترة الاربع السنوات. ولا شك ان المقترحات هي اكبر مما يستطيع الرئيس تحقيقه خلال ولايته لاربع سنوات.
وتشير الدلائل إلى ان اوباما ربما يريد ان تصبح فترة رئاسته نقطة تحول في حقل التسلح النووي وتخفيضه. وهذا يتيح الامكانية لجذب اهتمام اوباما نحو اجندة العلاقات الاميركية ـ الروسية بشرط استعداد الطرف الروسي للقيام باجراءات مشتركة. اما اذا لم تبد موسكو الاهتمام الكافي، فمن الصعب ايجاد اي مسألة اخرى "كبرى" من مسائل العلاقات الاميركية ـ الروسية، التي يمكن ان تهم الرئيس. وانا افترض ان اهتمام اوباما سينصرف حينذاك الى اي جانب آخر.
كاتب لبناني مستقل
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018