ارشيف من :ترجمات ودراسات

لا يمكن للعالم أن يتغير من دون مكافحة البروباغندا الغربية(*)

لا يمكن للعالم أن يتغير من دون مكافحة البروباغندا الغربية(*)
ترجمة عقيل الشيخ حسين خاص لموقع "العهد"

يحدث لي في بعض الأحيان أن أتعرض لملاحقة الكوابيس: أرى نفسي في الحلم وسط مخيم للاجئين يعصف به القصف، ربما في جمهورية الكونغو الديموقراطية أو في بلد آخر فقد الأمل على هوامش مصالح الإعلام. أطفال تظهر عليهم بوضوح سيماء الجوع يركضون حولي ببطونهم المنتفخة. نساء كثيرات في المخيم بطونهن منتفخة أيضاً على الأرجح بفعل عملية اغتصاب تعرضن لها في الأشهر الأخيرة. هنالك قصف مدفعي يأتي من الهضاب المجاورة وجنود الأمم المتحدة عاجزون عن وقفه.

لا يمكن للعالم أن يتغير من دون مكافحة البروباغندا الغربية(*)


أحياناً أستيقظ وينتهي الكابوس، أو أنني أنجح في كبته وطرده من لا شعوري. لكنه يبقى معي في أحيان أخرى لبقية النهار. وفي الغالب، لا يكون الكابوس كابوساً بل الواقع عينه. أجد نفسي فعلاً في أماكن كـ "كيباتي" في الكونغو حيث يواجهني الأطفال بعيونهم اليائسة المهيضة والنساء بعيونههن المحمرة من الورم، وحيث تواجهني فوهة بندقية. نيران تستعر في الأفق وهدير المدافع يأتي من الغابة. لا وسادة أدفن فيها رأسي، لذا أضغط بقوة على زر في هاتفي المحمول أو على الأنبوب المعدني في القلم الذي أكتب به.
ما أكتبه وأصوره يظهر بانتظام على صفحات الصحف والمجلات. ويحدث أحياناً لصورة أو صورتين أن تحتلا موقعاً على جدار في أحد المتاحف أو المعارض. لكن ذلك لا يحدث إلا بعد نضال مرير من أجل إقناع رؤساء التحرير والناشرين والموزعين والمؤرشفين بالموافقة، أقله، على استلام صورة ملطفة عن واقع ينبغي إظهاره أمام الجمهور العريض.
يبدو أن زمن المراسلين الشرفاء والمحررين الصادقين قد ولى. فالمراسلون الذين غطوا الحرب الفييتنامية، الذين ساعدوا في وقف تلك الحرب، تقدم بهم العمر. هم الآن يكتبون الذكريات وينشرون الكتب، ولكنهم بالكاد يشهدون على صراعات اليوم. ما زال هنالك بعض الصحافيين الشجعان والمخلصين من أمثال كيث هارمون أو جون بيلجر وآخرين، ولكنهم الاستثناء الذي يؤكد صحة القاعدة أكثر مما هم السائد في الواقع.
إن الأصوات البديلة الشجاعة هي اليوم ضرورية أكثر من أي وقت في التاريخ المعاصر. إذ مع السيطرة التي باتت كاملة من قبل الشركات على وسائل الإعلام، فإن جميع وسائل الإعلام الكبرى تكاد تكون مجندة في خدمة المصالح الاقتصادية والسياسية. وما أكثر ما تجتهد وسائل الإعلام هذه في الحديث عن الحاجة إلى حرية الصحافة والموضوعية والتقارير غير المنحازة، ولكن ليس هنا بل في أمكنة أخرى!
وفي حين تمارس غالبية وسائل الإعلام الناطقة بالانكليزية ضغطاً لا سابق له على المعلومات، كما على سبيل المثال لجهة فظاظة السياسة الخارجية الغربية في إفريقيا ما تحت الصحراوية، أو لجهة عمليات الإبادة التي تمارسها إندونيسيا في بابوازيا الغربية (منطقتان غنيتان جداً بمخزون هائل من المواد الأولية التي تستثمرها شركات المناجم المتعددة الجنسيات)، فإن عناوين وسائل الإعلام التي تديرها الطبقات الحاكمة في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا تشدد هجماتها على وجهات النظر الصادرة عن بكين أو كاراكاس أو هافانا. فالهيمنة المحكمة من قبل أصوليي السوق، والخطاب المتشدد في العداء للصين أو هوغو تشافيز، كل ذلك يطغى على قنوات الإعلام الغربية وهي القنوات التي تصل دعايتها اليوم إلى كل مكان في العالم.
لقد نشأت وترعرعت في تشيكوسلوفاكيا، وبالرغم من كوني لا أتذكر الدبابات السوفياتية وهي تتحرك في شوارع براغ عام 1968، لكنني أتذكر بوضوح ما كنت ألحظه ـ أنا الصبي الصغير ـ من تداعيات ذلك الحدث. أتذكر العمالة والأكاذيب والصفاقة التي طبعت بطابعها عملية عودة الأوضاع المزعومة إلى طبيعتها. وما يؤلمني الآن ـ بصفتي مواطناً يحمل الجنسية الأميركية ـ ليس في كون كل ما أتحدث عنه يتحقق فعلاً، بل في اللامبالاة التي تصاحب كل هذه الأحداث المرعبة. وخصوصاً في كون أكثرية الناس في ما يزعم أنه "العالم الأول" الناطق بالانكليزية يصدقون بالفعل ما يقرأونه في الصحف وما يرونه على شاشات التلفزة. فالتحيز والأكاذيب تبدو بديهية إلى حد لا يمكن معه عدم تصديقها. ولكنها موجودة مع ذلك. وقد كتب أرونداتي روا مرة في معرض كلامه عن لغة السلطة الغربية: "لقد بتنا نعرف الآن. الخنازير خيول والبنات صبيان والحرب هي السلام". ونقبل بأن يكون الأمر كذلك.
وأياً يكن الأمر، فإن السيطرة على الإعلام هي الآن أكثر اكتمالاً في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أستراليا مما كانت عليه خلال حقبة الثمانينيات في تشيكوسلوفاكيا أو المجر أو بولندة. ليس هنالك أي "تعطش للحقيقة" أو للآراء البديلة أو لأي نقد يجرؤ على تحدي النظام السياسي أو اللغة الخشبية في الكتب والأفلام. لا وجود للعطش الفكري في سيدني أو نيويورك أو لندن شأن ما كان عليه الأمر في براغ أو بودابست أو وارصو. ففي أحسن الحالات، يعمد الكتاب والصحافيون الغربيون إلى "الكتابة بين السطور"، أما القراء فإنهم لا ينتظرون ولا يبحثون عن رسائل مخبأة بين السطور.
وبلا أي اعتراض تستمر البروباغندا ويستمر انعدام الرؤى البديلة. يبدو أننا قد نسينا كيف نعيد النظر في الأمور. يبدو أننا بتنا نقبل التلاعب بحاضرنا وتاريخنا، وأننا نقف ضد أولئك الذين على قلتهم ما زالوا يقفون في صف اليسار ويدافعون عن الحس السليم والحقيقة وما يمكن أن يرى بالعين المجردة وما يجري إنكاره باسم الحرية والديموقراطية والموضوعية (تلك الكلمات الكبيرة التي تستهلك الآن إلى الحد الذي تصبح فيه بلا معنى). هل بتنا على وشك الوصول من جديد في الغرب إلى زمن ندل فيه بأصابعنا على المنشقين، هل بتنا على وشك التحول إلى مخبرين وعملاء؟ لقد عرفنا في تاريخنا الكثير من مثل تلك المراحل منذ وقت قريب وليس بالبعيد البتة.
وفي الوقت الذي يتواطأ فيه مثقفونا مع السلطات ويحصلون على مكافآت مقابل جهودهم، هنالك مناطق كبيرة من العالم تسبح في بحار من الدم وتعاني من الجوع أو من كليهما معاً. فالتواطؤ والصمت من قبل الذين يعرفون، أو يفترض بهم أن يعرفوا، يتحملان جزئياً مسؤولية الأوضاع التي يعيشها عالم اليوم.
لقد بات الكلام السياسي "المهذب" متجذراً في الكتابات والخطابات وحتى في نفوس الكثيرين من مفكرينا. لذا فإنهم، لا سمح الله، لا يؤذون مشاعر الناس في البلدان الفقيرة (يمكن قتلهم وتشجيعهم على أن يبقروا بطون بعضهم البعض. ولكن لا ينبغي مطلقاً أن "يلحق الأذى بمشاعرهم"، وخصوصاً بمشاعر زعمائهم السياسيين والدينيين الفاسدين الذين يخدمون مصالح الغرب وشركاته العابرة للقارات). لقد تم بشكل ملموس وضع حدود واضحة للنقاش المسموح به على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد في بلداننا. أو يمكن القول بأن اليمين والطبقات المهيمنة قد تمكنا من امتهان "السياسي المهذب" من أجل اختراق حدود النقاش وصولاً إلى الافتراء. وسواء شاءت المؤسسة الحاكمة أم لا، فإن ذلك يبرز هيمنة الديكتاتورية في المناطق البعيدة (طالما أن تلك المناطق تخدم مصالح المؤسسة بوصفها مشاركة في ثقافة هذا أو ذاك من البلدان التي تسيطر عليها أو تسعى للسيطرة عليها. فإذا ما أبدى الدين استعداده لخدمة الغرب، فإن الغرب يعلن احترامه العميق لهذا الدين، بل حتى دعمه كما فعلت بريطانيا عندما دعمت الوهابية في الشرق الأوسط وأبدت استعدادها لمواصلة دعمها طالما أن الوهابية تقمع النضال من أجل مجتمع المساواة والتوزيع المتكافئ للثروات الطبيعية).
وفي حين نبذل الجهود في الغرب من أجل شطب كوبا لأنها تنتهك حقوق الإنسان (بضع عشرات من السجناء الذين كان من شأن الغرب أن يتهمهم بالإرهاب لأنهم يعملون علناً على ضرب الدستور ونظام الحكم)، أو من أجل شطب الصين بسبب التيبت (تمجيد الاقطاعي السابق والزعيم الديني بهدف إزعاج الصين واستبعادها اللذين يشكلان الهدف الرئيسي لسياسات الغرب الخارجية، واللذين يعكسان توجهاً عنصرياً مكشوفاً). أن المصالح الجيوسياسية للغرب مسؤولة عن ملايين الضحايا الذين دفنت جثثهم أو ما زالت تتعفن في جمهورية الكونغو الديموقراطية وغيرها من بلدان إفريقيا ما تحت الصحراوية أو في بابوازيا الغربية والشرق الأوسط.
وإذا كان الغرب يعتبر حقاً أن جميع الكائنات البشرية هي "بشرية"، ويوافق حقاً على أن انتهاك حقوق رجل أو امرأة أو طفل في إفريقيا أو أميركا اللاتينية أو الشرق الأوسط أو أوقيانيا أو آسيا هو عمل مستنكر كانتهاك حقوق الإنسان في لندن أو نيويورك أو ملبورن، فإن احتفاليات الغرب التي يتم فيها تمجيد حقوق الإنسان تصبح فظيعة اليوم، شأن ما كانت عليه في السابق، كما يصبح من غير المعقول أن يواصل المواطنون في بلدان الغرب الاعتقاد بأن الغرب يمتلك صفة الرافعة الأخلاقية ومن حقه أن يلعب دور الحكم وأن يطلق الأحكام الأخلاقية.
وفي حين تجرؤ البروباغندا الغربية، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وإزهاق كل ما أنتجته الحركات التقدمية، على مقارنة الاتحاد السوفياتي بألمانيا النازية، علماً بأن الاتحاد السوفياتي الذي تركه الغرب فريسة لهجوم ألمانيا النازية، والذي خلص العالم من الفاشية بأرواح عشرين مليوناً من أبنائه، فإن تلك البروباغندا تتناسى بأن أوائل معسكرات الاعتقال لم تكن من صنع روسيا، بل من صنع الامبراطورية البريطانية في إفريقيا. كما تتناسى بأن أي معسكر اعتقال لا يمكن أن يصل إلى مستوى فظائع الإرهاب الاستعماري الذي مارسته السلطات الأوروبية في مرحلة ما بين الحربين.
إن تأثير البروباغندا مترسخ في النفسية القومية في الولايات المتحدة وأوروبا إلى الحد الذي لا ينبثق معه ولا يُطلب أي نقاش ولا يسمح حتى بأي نقاش. وفي الوقت الذي كانت تستخدم فيه الثورة السوفياتية، وبعدها معسكرات الاعتقال، كدليل على عدم صلاحية النظام الاشتراكي، وفي الوقت الذي كان ستالين يعاني فيه بوضوح من جنون العظمة، لم يصدر أي رد على المؤامرة التي حبكت من أجل أن يتوجه الجيش النازي في هجومه نحو الشرق، ولا على التضحية بتشيكوسلافاكيا من قبل فرنسا وبريطانيا، وهو الأمر الذي تأكد في مؤتمر ميونيخ عام 1938، ولا على الإبادات التي ارتكبها الغرب في إفريقيا ومنها إبادة عشرات الملايين من سكان الكونغو على يد البلجيكيين في عهد الملك ليوبولد الأول. كل ذلك لم يجر تقديمه كدليل على ما تمثله أنظمة الحكم الملكية في الغرب وأصولية السوق من أخطار على الإنسانية لجهة المسؤولية عن مقتل مئات الملايين من البشر في أنحاء العالم.
وبالطبع، فإن السبب في كل ذلك هو المال والبخل الأوروبيان والسعي إلى السيطرة على المواد الأولية. ومن هنا كان على الملايين من أبناء الكونغو أن يموتوا قبل مئة عام من أجل أن يضع الأوروبيون أيديهم على مزارع الكاوتشوك. ولم تكن الأسباب مختلفة يومها عما هي في أيامنا، وإن يكن ارتكاب المجازر يتم حالياً على أيدي قوى محلية ومرتزقة أو من قبل جيوش بلدان مجاورة شأن ما تقوم به رواندا الوفية للولايات المتحدة. والأسباب هي نفسها لما يجري في العراق أو في بابوازيا الغربية مع فارق أن المجازر ترتكب في هذا البلد من قبل الجيش الإندونيسي الذي يدافع عن المصالح الاقتصادية للنخب الفاسدة في جاكرتا وللشركات الغربية العابرة للقارات.
ومع هذا فإننا، نحن المواطنون المتعلقون بالشرعية في بلدان الغرب لا نرمي الأوساخ في الشوارع، وبكل طواعية ننتظر في منتصف الليل أن تضيء إشارة المرور الخضراء قبل أن نعبر الطرقات. لكننا لا نعترض على المجازر التي ترتكب باسم مصالحنا الاقتصادية، طالما أن هذه المجازر تظل مغلفة بعناية من قبل وسائل الإعلام وأجهزة البروباغندا. وطالما أن أحداً لا يشرح لنا بوضوح أن المجازر تخدم عالم المال والأعمال وتسهم في رفع مستوى المعيشة عند غالبية أولئك الذين يعيشون في ما يزعمون بأنها "البلدان المتقدمة"، وطالما أنها ترتكب رسمياً لمصلحة حقوق الإنسان والديموقراطية والحرية.
إن أحد الأسباب التي تسهل تقبل الدعاية الرسمية هو في كونها تساعد على "تدليك" ضمائرنا الميتة وإراحتها.
ولا تشذ النخب الفكرية والجامعات عن تقبل البروباغندة وإعادة تدويرها وحتى عن ابتداع الأكاذيب. فقد دعيت خلال السنوات الأخيرة لإلقاء محاضرات في عدد من جامعات النخب في العالم الناطق بالانكليزية من ملبورن إلى جامعة هونغ كونغ وفي جامعات كولومبيا وكورنل وكمبريدج وأوكلاند. وتبين لي أن إنكار الأطروحات السائدة لا يعني الدفاع عن النزاهة الفكرية، بل العكس هو الصحيح. فالجامعة هي أكثر عدائية بكثير من وسائل الإعلام تجاه أي اعتراض على الشعارات السائدة. فمحاولة الاعتراض على الأطروحة القائلة بأن إندونيسيا هي بلد متسامح يبذل الجهد من أجل تطبيق الديموقراطية تكفي لتصنيفك كمتطرف أو كمحرض في أحسن الأحوال. ويصبح من الصعب عليك أن تتقي الشتائم الصريحة. حاول أن تعترض على الأفكار المتحجرة المعادية للصينيين... وسترى!
من غير المرغوب فيه وحتى من غير المقبول أن تعبر عن رأيك في الجامعة الانكلو ـ سكسونية. وإذا كان لا بد من التعبير فعليك أن تستشهد بشخص آخر كأن تقول: "يقول السيد غرين إن الأرض كروية"، أو "أكد الأستاذ براون أن المطر قد هطل يوم أمس". وإذا لم يكن أحد قد قال ذلك من قبل، فإن وجود ما تتحدث عنه يصبح أمراً مشكوكاً فيه. وهكذا، يتم إحباط الكاتب أو المتحدث ومنعه من إبداء رأيه حول مسألة جانبية. وباختصار، ينتظر الجميع تأكيد أي وجهة نظر من قبل "المؤسسة"، أو من قبل جهة مرتبطة بالمؤسسة لكي يقبلوا بها. كل شيء يجب أن يمر على الرقابة غير الرسمية.
حواش طويلة في أسفل الصفحة تكاد "تزين" اليوم كل كتاب من غير الكتب الخيالية. كما أن مجموعات الكتاب الجامعيين والكثير من كتاب المحاولات الفكرية يستشهدون بأنفسهم ويكررون ذلك دون توقف بدلاً من أن يكرسوا الجزء الأكبر من كتاباتهم للأبحاث الميدانية. إن من شأن كتاب مثل أورويل أو برشت أو همنغواي أن يجدوا صعوبة قصوى في التحرك في مثل هذه الأجواء.
أما نتائج ذلك فهي فجة في الغالب. وهنالك حالتان في آسيا تشكلان مثالين كبيرين على هذا الجبن والعبودية الفكرية ليس فقط على مستوى السياسيين، بل أيضاً على مستوى الجامعيين والإعلاميين: تايلند وإندونيسيا.
فالمقولات الجاهزة التي تنتجها كل من وسائل الإعلام والجامعات الانكلو ـ سكسونية تتردد باستمرار في الـ BBC و CNN وكذلك في معظم الصحف اليومية النافذة. وعندما تتكلم وسائل الإعلام الغربية عن كمبوديا مثلاً، فإنها نادراً ما تنسى ذكر المذابح "الشيوعية" التي ارتكبها الخمير الحمر. ولكن يكفي أن نفتش في الكتابات السرية للمنشقين عن الاتحاد السوفياتي لنعرف أن الخمير الحمر لم يصلوا إلى السلطة إلا بعد طوفان القنابل التي ألقتها الولايات المتحدة على كمبوديا. ولنعرف أيضاً أن فييتنام قد طردت الخمير الحمر وأن الولايات المتحدة قد طلبت من الأمم المتحدة أن تعمل على "إعادة الحكومة الشرعية إلى الحكم فوراً"!
إننا نكاد لا نجد كلمة في منشورات الصحف الغربية على الانترنت حول الفظائع التي استشاط الغربيون في ارتكابها في الهند الصينية وتيمور الشرقية وإندونيسيا. يكفي أن نذكر، بين أمثلة كثيرة أخرى، أن ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص قد قتلوا نتيجة للدعم الذي قدمته الولايات المتحدة للانقلاب الذي حمل الجنرال سوهارتو إلى السلطة في إندونيسيا.
لم أسمع على الإطلاق من أي سياسي في الغرب ممن يصلون إلى وسائل الإعلام أي دعوة لمقاطعة أي شيء إندونيسي رداً على القتل المتواصل الذي يتعرض له سكان بابوازيا. عدد ضئيل جداً منهم عبروا عن استيائهم خلال السبعينيات والثمانينيات إزاء أعمال الإبادة في تيمور الشرقية. ولكن الأمر يختلف كلية عندما يتعلق الأمر بالتيبت. فالانتقادات التي توجه إلى الصين بهذا الخصوص غاية في الضخامة وعدم التناسب.
وفي كل مرة تتعرض فيها الصين لانتكاسة ما فلأنها "ما زالت شيوعية" على ما تقوله وسائل الإعلام في الغرب. أما إذا حققت نجاحاً ما فلأنها "لم تعد شيوعية". وبصفتي قارئاً، يهمني أن أعرف من الصينيين ما إذا كان بلدهم شيوعياً أم لا. بنظري، إنه ما زال كذلك، وفوق ذلك، فإن ذلك هو ما تريده الأكثرية الساحقة من الصينيين.
لكن ذلك لا يكفي: من غير الممكن أن نثق بالوصف الذي تقدمه لنفسها أكثر الثقافات البشرية عراقة. مثل هذا العمل يجب أن يقوم به محاورون بريطانيون ومولودون في بريطانيا، أي أشخاص يتم اختيارهم واصطفاؤهم على أساس ما يمتلكونه من قدرة على التأثير على الرأي العام العالمي!
أريد أن أحصل على معلومات من طرف زملائي في بكين. أريد أن يكونوا قادرين على النقاش مع أولئك الذين يتهمون الصين بغير أساس بالمسؤولية عن كل شيء: عما يجري في السودان أو برمانيا أو عن البيئة المنتهكة. كم هي التقارير التي تقدمها الـ BBC عن المصانع الصينية التي تنفث الدخان الأسود، وكم هي التقارير التي تقدمها عن التلوث الذي تتسبب به الولايات المتحدة المسؤولة عن أكبر قدر من التلوث في العالم؟
أو أيضاً، ما هي أفكار العلماء والكتاب والصحافيين اليابانيين في ما يتعلق بالحرب العالمية الثانية؟ نحن نعلم جميعاً أن الصحافيين الناطقين بالإنكليزية ممن يقيمون في طوكيو يظنون أنهم يعلمون ما يفكر به زملاؤهم اليابانيون. ولكن، يحولون عادة بيننا وبين قراءة الترجمات المباشرة لكتابات أولئك الذين يملأون صفحات بعض كبريات الصحف في العالم من تلك التي تطبع في اليابان والصين؟ لماذا يفرض علينا أن نسلس القياد لليد الخفية الحذرة التي تصنع الإجماع العالمي؟
إنني أتكلم اللغة الإسبانية بطلاقة وألاحظ إلى أي حد لا تنعكس التوجهات الحالية داخل أميركا اللاتينية في المنشورات التي تصدر في الولايات المتحدة وبريطانيا وآسيا. زملائي في أميركا اللاتينية غالباً ما يبدون الشكوى لأن الكلام عن الرئيس الفنزويلي، هوغو شافيز، أو البوليفي، إيفو موراليس، يكاد يكون مستحيلاً في لندن أو نيويورك مع أولئك الذين لا يعرفون اللغة الإسبانية والذين غالباً ما تكون آراؤهم وحيدة الجانب ومتحيزة بشكل غبي.
فبالطبع، يشكل اليسار في هذه الأيام الموضوع الرئيسي ـ المسألة الحقيقية ـ في أميركا اللاتينية. وعندما يقوم الصحافيون والكتاب في أميركا الشمالية بتحليل الثورات التي تتحرك حالياً في أميركا اللاتينية ويفعلون ذلك على ضوء التوجيهات المقدمة من حكوماتهم، فإن القراء في أنحاء العالم لا يكادون يعرفون شيئاً (اللهم إلا إذا كانوا يعرفون اللغة الإسبانية) عن آراء أولئك الذين يكتبون اليوم تاريخ فنزويلا وبوليفيا.
كم مرة كتبوا في منشوراتهم أن هوغو شافيز قد أدخل الديموقراطية المباشرة ليمكن شعبه من التأثير على مستقبل بلدهم من خلال العديد من الاستفتاءات، في حين نجد أن على المواطنين في ديموقراطياتنا (الحقيقية) أن يصمتوا وأن يفعلوا ما يطلب إليهم؟ لم يُسمح للألمان بالتصويت على توحيد ألمانيا. لم يُسأل التشيك والسلوفاك عما إذا كان يريدون أم لا "الطلاق المخملي" الذي أبرم بينهم. وكان على المواطنين في بريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة أن ينتعلوا الأحذية العسكرية وأن يذهبوا إلى الحرب في العراق.
إن الصحف الناطقة بالانكليزية مليئة بالتحقيقات عن الصين حيث ُيسمح للصينيين بالتحدث إلى المراسلين. كما أنها مليئة بالتحقيقات عن اليابان، وهي تحقيقات يُستشهد فيها بيابانيين، في حين تنعدم الثقة بهم إذا ما طلبوا المشاركة في كتابة ما يكتب عن بلدهم، لأن كل ما يكتب يجب أن يكتبه الغربيون من البداية إلى النهاية.
اللغة الانكليزية هي حتى الآن أداة التواصل الرئيسية في العالم. لكن ذلك لن يستمر إلى الأبد. فالكتاب والصحافيون والصحف ودور النشر التي تستخدم هذه اللغة لا تسمح بقيام تفاهم بين الأمم. إنها تعرقل تماماً تشجيع تنوع الأفكار.
إن وسائل الإعلام تستخدم اللغة الانكليزية كأداة في خدمة المصالح السياسية والاقتصادية وحتى الفكرية. إنها تجبر أعداداً متزايدة من المتكلمين الذين لا تشكل الانكليزية لغتهم الأم على التعبير بهذه اللغة ليصبحوا جزءا من الجمهور الوحيد النافذ، أي الجمهور المفيد، أي الجمهور الذي يقرأ. ويفهم ويفكر بالاتجاه "الصحيح". وفي ظروف طوفان الكتابة والصرف والنحو، يتعلم القادمون الجدد إلى مجال الكتابة كيف يشعرون ويتفاعلون مع العالم المحيط بهم. وعليهم أن يعتبروا ما يكتبون موضوعياً تماماً. والنتيجة فكر منتظم ومشابه لنفسه.
عندما أستيقظ في عز نومي تحت ضغط الكوابيس والصور التي نقلتها منذ زمن بعيد بواسطة آلات التصوير، أستسلم للأحلام بإدارة أفضل وأكثر عدلاً للعالم. ولكن هنالك دائماً السؤال الذي يزحف حولي وأطرحه على نفسي: كيف التوصل إلى ذلك؟
أفكر بجميع الثورات التي انتصرت في الماضي. كلها انتصرت بشرط واحد وحيد: التربية والإعلام. لتغيير مجرى الأمور، على الناس أن يعرفوا الحقيقة. عليهم أن يعرفوا ماضيهم. ذلك ما أعيد مراراً وتكراراً على مسامع المواطنين في الشيلي والأرجنتين وإفريقيا الجنوبية. ليس هنالك من مستقبل أفضل، وليس هنالك مجال لمصالحة شريفة وعادلة ما دام أن الماضي والحاضر يظلان دون تحليل وفهم. لهذا السبب كان هنالك نجاح في الشيلي وفشل في إندونيسيا. ولهذا السبب تمكنت إفريقيا الجنوبية رغم كل تعقيداتها ومشاكلها من الانطلاق نحو التخلص من شياطينها والتقدم نحو مستقبل أفضل.
لكن كل شيء في الغرب، أي في أوروبا والولايات المتحدة، وأستراليا إلى حد بعيد، يعيش على الإنكار. فالغربيون لم يعترفوا بشكل كامل بالحقيقة المتمثلة بألإرهاب الذي سلطوه وما زالوا يسلطونه على الغالبية العظمى من البشرية. إنهم أغنياء، بل الأكثر غنى لأنهم يعيشون على عرق الآخرين ودمائهم. وهم ما زالوا يشكلون إمبراطورية موحدة على أساس الثقافة الاستعمارية: جذع وفروع: كلٌّ في واحد.
لن يكون هنالك سلام على الأرض ولا مصالحة حقيقية إلا إذا زالت ثقافة السيطرة هذه. والسبيل الوحيد لإزالتها هو النظر إلى الواقع وجهاً لوجه، هو الكلام والعودة لزيارة الماضي.
تلك هي مسؤولية الذين يعرفون العالم ويفهمون عذابات البشر كشرط لقول الحقيقة. أياً كان الثمن، وأياً كانت الامتيازات التي سيخسرونها مع كل عبارة شريفة يتلفظون بها (نحن نعلم جميعاً أن إمبراطورية الشر حقودة جداً). ليس المقصود أن تقال الحقيقة للسلطة (لأن هذه السلطة لا تستحق الحقيقة)، بل ضد السلطة. ينبغي عدم التعويل على المؤسسات القائمة من وسائل الإعلام إلى الجامعة، لأنها لا تقدم الحل بل تشكل جزأءاً من المشكلة. إنها تشارك الدولة في المسؤولية عن أوضاع العالم الذي نعيش فيه! المطلوب أصوات كثيرة تردد ما يبدو أنه معروف من الجميع باستثناء البلدان المهيمنة. أصوات معجونة بالاتهام هي من سينتصر على الأباطيل الحالية التي تحكم العالم. لكن يجب أن تكون أصواتاً متحدة وكثيرة وعندها الكثير من التصميم والعزم والشجاعة.

(*) المصدر: Le monde ne peut pas être changé sans lutter contre la propagande occidentale - Andre Vltchek
2012-12-12