ارشيف من :أخبار لبنانية
تقنية «في سات».. والقدرة على اختراق شبكة الاتصالات اللبنانية
هيفاء زعيتر - صحيفة "السفير"
«يخضع الطلب الذي تقدّم به الأميركيون للحصول على رخصة لإقامة محطة اتصالات ضخمة على الأراضي اللبنانية للدراسة من قبل الهيئة الناظمة للاتصالات». هكذا علقت الجهات الرسمية المختصة، أمس الأول، على ما أوردته «السفير»، في صفحتها الأولى، في عدد يوم السبت الماضي، مؤكدة أن الهيئة الناظمة «ستعمد فور الانتهاء من الملف إلى إحالته إلى مجلس الوزراء الذي يُعدّ الجهة الوحيدة المخوّلة اتخاذ قرار نهائي في هذا الصدد».
وبينما يُنتظر من الهيئة المعنية التدقيق الجدي في الطبيعة الفنيّة للمحطة ونطاق عملها ودوافع استخدامها، خاصة أن الجهة التي تقدّمت بالطلب هي «هيئة أركان الجيش الأميركي» حيث يحتدم الجدل في الأوساط اللبنانية حول مدى «براءة» طلب تكنولوجي كهذا، خاصة أن المعلومات المتداولة تؤكد أن الطلب جاء مباشرة من الجيش الأميركي إلى الهيئة، من دون المرور بالسفارة في بيروت أو بوزارة الخارجية اللبنانية، إضافة إلى الريبة من الحاجة العسكرية أو الأمنية الأميركية ليكون البحر قبالة الشواطئ الجنوبية هو مركز المحطة!
يجمع الخبراء على أن مميزات تقنية «في سات» (V Sat أو Very Small Aperture Terminal)، «عالية المستوى»، وقد تبرّر الرغبة الأميركية بأن تحظى إحدى إداراتها بقدرات اتصال عبر شبكة الانترنت ربما لا تستطيع شبكة «أوجيرو» الرسمية تأمينها. في المقابل، فإن فضائح الانكشاف اللبناني المتعاقبة، لا سيما في عالم الاتصالات وعلى مستوى الشبكة العنكبوتية، قد جعلت ممن يتلقى خبراً كهذا متوجساً حكماً من النيات المبيّتة من ورائه أو المخططات التي ترتسم لاستغلاله.
ثمة عوامل عدة تمعن في تغذية المخاوف المتعلقة بسوء استخدام هذه التقنية، التي تقوم على نقل المعلومات من القمر الصناعي إلى نقاط متحرّكة على الأرض لتخرج منها معلومات تُحمل إلى القمر الصناعي مجدداً، أبرزها استخفاف السلطات اللبنانية المتعاقبة قبل العام 2011، عن قصد أو غير قصد، في التعامل مع ملفات تمسّ بأمن لبنان القومي وخصوصية المواطنين اللبنانيين وأمنهم.
يُضاف إلى ذلك، المخاوف من المصالح الأميركية، المرتبطة تحديداً بإسرائيل الواقعة على الحدود اللبنانية، وإمكان ربط هذه التقنية بأخرى مماثلة موجودة لدى العدو من دون أن يكون للسلطات اللبنانية أية علاقة بهذه الشبكة.
الوجه التقني لـ«في سات»
في الواقع، توفر «في سات» أو ما يمكن تعريفه بخدمات المحطات الصغيرة عبر الأقمار الاصطناعية خدمات اتصالات مختلفة باستخدام محطات الأقمار الاصطناعية الصغيرة وبواسطة هوائيات (أطباق) صغيرة الحجم. ومن هنا جاءت تسمية «Very Small Aperture Terminal». فقد كان السائد في بداية استخدام الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية في السبعينيات هو الأطباق ذات الأحجام الكبيرة جداً والتي تصل إلى ٣٢ مترًا في قطرها، ليصبح قطرها الآن يتراوح ما بين 70 سم و2,40 متر فقط.
وتوفر «في سات» خدمات صوتية (هاتفية) للاتصال بين المواقع المختلفة أو من شبكات الاتصالات العامة وإليها، وخدمات معلوماتية لربط الحواسيب المختلفة وخدمات الاتصال المرئي (Video conferencing) والتعليم عن بعد (e-learning) والطب الاتصالي (tele-medicine) ، إضافة إلى خدمات التحكم والمراقبة عن بُعد لخطوط أنابيب النفط والغاز والمياه والكهرباء والعديد من خدمات المراقبة والتحكم المختلفة.
ولهذه التقنية مزايا متعددة، حيث يمكن توفير خدمة الاتصال في أي منطقة تغطى من قبل الأقمار الاصطناعية. من هنا تتم الاستفادة منها بشكل أساسي في أوقات النكبات والكوارث الإنسانية، وفي حالات الإنزال البحري، وفي الأماكن النائية التي لا يمكن للشبكة أن تصل إليها. كما يمكن الاستفادة منها كخدمة احتياطية بديلة في حال تعطل شبكات الاتصال التقليدية.
وتعمل هذه التقنية على خطي الاستقبال والإرسال، كما يمكن القيام عبرها بالتحميل (upload) والتنزيل (download).
ما سبق يؤكد أن امتلاك الجيش الأميركي لرخصة «في سات» يؤمن له شبكة اتصال منفصلة تماماً عن نظام الاتصال اللبناني، ويلغي للدولة اللبنانية أي سلطة على معلومات تنطلق من أراضيها أو تمرّ عبرها.
والجدير ذكره هنا أن القانون اللبناني يمنع لأي شبكة القيام بتحميل (upload) خارج نطاق الشبكة الرسمية، في حين أن الـ«في سات»، الذي طوّرته وكالة «ناسا»، يتيح ذلك.
كما يمكن أن ترتبط المحطة بالقمر الاصطناعي بشكل مباشر، أو بمحطات مماثلة يتم تركيبها في بلدان أو أماكن أخرى، الأمر الذي يتيح لها تشارك البيانات، وهو ما أثار مخاوف من طلبات حُكي أن وزارة الأمن القومي الأميركي قدّمتها لإنشاء محطات من هذا النوع في العالم العربي.
«في سات».. مخترق للاتصالات؟
نعود هنا إلى السؤال الرئيس: هل يعدّ طلب الأميركيين مبرراً؟
قد يقول البعض إن لا بديل عن «في سات» لتأمين سرعة الاتصالات، لا سيما أن الشبكة التي يأخذ منها لبنان لا تؤمن السرعة المطلوبة (في أحسن الأحوال 20 ميغابايت في الثانية مقابل تأمين 100 ميغابايت في الثانية). ففي الأحوال العادية تأخذ شركة «ألفا» على سبيل المثال خدمة الانترنت من مقدّمي خدمات الانترنت كـ«أوجيرو» أو الشركات الخاصة المتعاقدة معها.
العامل الآخر الذي يساعد على التقليل من شأن المخاوف هو أن تكنولوجيا «في سات» مختلفة تماماً عن أجهزة الاتصالات الخلوية المشفرة، لذا لا يمكن لها أن تتنصّت على الاتصالات عبر اعتراضها نظراً لاختلاف النظامين.
في المقابل، ومن المنطلق ذاته يتخوّف كثيرون مما تمتلكه تقنية «في سات» من قدرة على خرق شبكة الاتصالات اللبنانية. ويكفي أن يتيح أحد من داخل شركة اتصالات معينة للأميركيين فرصة الربط بـ«منبع البيانات» (Data Source) حتى يصبح القمر الاصطناعي على اتصال مباشر بالبنية التحتية للشركة بجميع بياناتها. علماً أن الخطوة تعتبر سهلة نسبياً في ظلّ قدرة «في سات» على الربط السريع مع شبكة أخرى.
ومن ناحية ثانية، قد لا تُعدّ مفهومة، من ناحية تقنية أيضاً، حاجة الجيش الأميركي لمثل هذه التقنية، فشبكة الانترنت اللبنانية بشكلها الحالي يمكن أن تؤمن الحاجات الروتينية للسفارة الأميركية ومعاملاتها واتصالاتها على خير ما يرام، إلا إن كان هناك ثلاثة آلاف موظف يريدون أن يقوموا بتحميل تسجيلات مصورة عن «يوتيوب» في الوقت ذاته.. أو إن كان هناك أغراض عسكرية مخفية. وهنا الخوف الأكبر، خاصة أن الطلب الأميركي يركز على اعتماد شواطئ الجنوب منصة للمحطة.
ومن جهة سيئة أخرى، وإن كانت الأقل خطراً، ستجعل هذه التقنية الدولة اللبنانية تخسر مردود الاتصالات الدولية واستخدام الشبكة. وقد كانت وزارة الاتصالات أسست «مركز اتصالات» (Call Center) للشركات التي تحتاج للاتصالات الدولية أو التي يكون أغلب موظفيها أو زبائنها في الخارج. هذه الخدمة تتاح للشركات بناء على طلب من الأخيرة مستوف للشروط المطلوبة، وهي تساعد الشركات على توفير المال، ولكنها تقدّم كجزء من الخدمات الرسمية. أما حسب تقنية «في سات» فإن الدولة تصبح خارج المعادلة تماماً.
من هنا، يبقى مصير الملف رهن الأيام المقبلة.. و«الهيئة الناظمة». وبعيداً عن «بارانويا» المؤامرة، تؤكد المعطيات، التقنية والسياسية، أن الطلب الأميركي يحتاج الى التعامل معه بدقة بالغة وحذر شديد سواء كان سلباً أم إيجاباً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018