ارشيف من :أخبار لبنانية

إلى المصابين بالفالج العقليّ!

إلى المصابين بالفالج العقليّ!

سليم سعدو سالم - صحيفة "البناء" 

سبع جثثٍ لشبابٍ لبنانيين جرى خلال الأسبوع المنصرم نقلها إلى لبنان من سورية، حيث وقع ما اتفق على تسميته بحادث أو كمين «تلكلخ». ووسط الضجيج الإعلامي الماكر، يجري التمويه على الجريمة الأساسية والتركيز على المشاعر الإنسانية للوصول إلى الأهداف السياسية الرخيصة الكامنة وراء الجريمة.

أصحاب النوايا المفضوحة ركّزوا على أنّ أولئك الشباب دفعتهم حماستهم وغِيرتهم كي يتوجّهوا إلى سورية. ولا يقول هؤلاء إن ذلك كان بقصد القتال إلى جانب أخوانهم، بل يقولون لنصرة أخوانهم، ويتجنّبون كلمة «القتال» و«الحرب»، لأنهم مسالمون جدّاً ويكرهون كلمة «قتال» وما يتعلق بها. حين يتوصل عقل متآمر إلى التغرير بأحدهم ودفعه إلى ارتكاب جريمة قتل مثلاً، يمكن أن يخترع ألف سبب وسبب لتبرير جريمته.

من الناحية الإنسانية، فإنّ مقتل أيّ إنسان أمرٌ يدعو إلى الرثاء، ولكنّ القانون الذي يعاقب المرتكب، يبحث دائماً عن المحرّض، ويعتبره في بعض الحالات شريكاً في الجريمة، وفي حالات أخرى يمكن أن يعتبره مسبّب الجريمة. وفرقٌ كبيرٌ بين مشارك ومسبّب. المشارك يمكن أن يكون كما المرتكب، مغفلاً أو جاهلاً أو متحمّساً، ولكن المسبّب، أي المحرّض، فهو المخطّط، وهو الذي يجب أن يتحمّل مسؤولية الجريمة.

من دون الخوض في النواحي السياسية والوطنية وما إليها، يمكن أن ننظر إلى حادث تلكلخ على إنه جريمة. جماعة اقتحمت بيتاً دافع عنه صاحبه فقتل تلك المجموعة... صاحب البيت لم يرتكب جريمة، والقانون الوضعيّ يبرّئه لأنّه في حال دفاع عن النفس، لكنّ الجريمة وقعت والضحايا سقطوا، وبغضّ النظر إن اعتبرناهم ضحايا أو قتلى أو شهداء أو... إلى نهاية ما يمكن أن يتفتق عنه ذكاء المتآمرين، فمَن المسؤول عن مقتلهم؟

العقل المتآمر «يغطّي السماوات بالقبوات» كما نقول في الأمثال، يركّزون على النظام السوريّ وكأنّ في العالم كلّه قانون أو عرف أو تقليد يوجب على صاحب البيت المعرّض للنهب والتدمير أن يرحّب بمن يريد تدميره.

قولوا عن النظام السوريّ ما تريدون قوله وأكثر، ولكن لماذا لا تقولون من هو المسؤول عن إرسال أولئك الشبّان إلى الموت تحت اسم «الجهاد والنصرة والكفاح ونشر رايات المحبة والسلام» كما تفهمونها! ألستم دعاة حرّية وقانون وسيادة؟ نسلّم معكم في أنها جريمة وقعت. لنسمّها جريمة ولو من باب التسليم بالمنطق الأعوج والأعرج والمصاب بشتّى أنواع العلل، فمن المسؤول؟ من المحرّض الذي زيّن لأولئك الشبّان الذهاب إلى سورية ولو في نزهة؟ يصرّون على أنّ الشباب كانوا مندفعين بحماستهم ليس أكثر. نسأل مرّة أخرى، لماذا لم يذهب آخرون؟ الجواب هو في المنطق الأعوج والأعرج إيّاه. أحد المحامين استخدم مرّة عبارة: «إنّه المنطق المتمنطق بعدم المنطق». نعم، إنّه الفالج العقلي.

الفالج كما هو معروف شكل من أشكال الشلل، ومعروف أيضاً أنّه يصيب أطراف الجسم ولكن، في الحياة السياسية في لبنان، نراه يصيب العقل أيضاً. وكما هناك مَن يصاب بالفالج في أطراف جسمه، هناك أيضاً من يصاب بالفالج في عقله، فيفقد القدرة على استخدام العقل، وبالتالي يفقد القدرة على استخدام المنطق في تصرّفاته لكنّه يصرّ على أنّه في كامل وعيه.

يمكن أن يسوّق البعض آلاف عبارات الشتيمة بحقّ النظام في سورية، وآلاف عبارات الاتهام، ولكن ذلك كلّه لا يغطّي جريمة من حرّض حوالى ثلاثين شاباً لبنانياً من أجل التوجه إلى القتال في سورية تحت شعارات الأخوّة، والنصرة، والجهاد، وكلّ ما يقع تحت هذه الشعارات الطنّانة.

من السخافات التي ابتكرها المصابون بالفالج في عقولهم تسمية ما حدث إنه «فخّ» نصبه النظام السوريّ أو الجيش السوريّ لأولئك الزوّار المسالمين. هل كان متوقّعاً أن ترفع الدوريات السورية أقواس النصر وتفرد السجّاد الأحمر ترحيباً بمن جاء يقاتلها؟ أمرٌ بديهيّ أن تنصب لهم فخّاً.. ولكن الأخطر من ذلك هو أنّ الأشاوس في لبنان نصبوا فخاً لعقول ذوي الضحايا، تشغلهم به عن طرح السؤال عن المسؤول عن هدر دم أبنائهم.

أقف إلى جانب ذوي الضحايا كي يركّزوا على هذه النقطة في البحث عن دم أبنائهم. هناك من حرّض وجيّش وشجّع، وهناك من درّب ودفع وأرشد، وهناك من قاد أو دلّ على طريق، ومن ساعد وساهم بسلاح أو مال. كلّهم مسؤولون عن دم ضحايا حادث تلكلخ، ولا يجوز أبداً إضاعة دم الشباب ليكون ثمناً لزعامات لا تعيش إلا على التحريض وبَذر الفتنة وإثارة المشاعر.

النظام السوريّ - إن زال أو بقي ـ ليس بحاجة إلى من يدافع عنه ولكن دم الشبّان الذي توجهوا إلى سورية وسقطوا ضحية التضليل والتحريض، لا ضحية «فخّ تلكلخ»، بحاجة إلى من يدافع عنهم، هذا إن كنتم صادقين، حتى لا يقع أحد في فخّ المصابين بفالجٍ في عقولهم.
 



2012-12-19