ارشيف من :أخبار لبنانية
«... والسما زرقا»
صحيفة "السفير" - نصري الصايغ
ـ لن ننسى.
ـ إياكَ أن تنسى.
الأولى، لسعد الحريري، والثانية للسيد حسن نصر الله. ونحن اللبنانيين، علينا أن نكون، إما مع الأولى، وإما مع الثانية، وإلى الوراء در، إلى ما قبل السابع من أيار، وتحديداً إلى الخامس منه، وصولاً إلى اتفاق الدوحة.
هذا الكلام، في السياق الانتخابي، يظهر كم أن المعركة الانتخابية ضليعة جداً في ماضي اللبنانيين القريب والبعيد، وكم أن نتائجها ضالعة في المجهول، اذ ليس بإمكان الفائزين غدا، ومعظمهم معروف اليوم، أن يجيب عن السؤال: ماذا ستفعلون بنا غداً؟
هل سنبقى أسرى الأبواب المقفلة بمفاتيح رماها في البحر، فريقا السلطة، الأكثرية والأقلية؟ هل سنعود ونختلف، بعبثية سياسية، على حرب تموز وانتصارها، وعلى المحكمة وشرعيتها وصدقيتها، وعلى سلاح المقاومة (إشارة أو صواريخ)؟ هل سيختلف الفائزان الكبيران على الثلث المعطل، وتأليف الحكومة؟
«لن ننسى» و«إياك أن تنسى»، يمتان إلى الماضي، وليسا وحيدين من جنسهما، فقد عرفنا أن أفضل الحملات الانتخابية، تلك التي تتبارى بنبش القبور، واستعادة المجازر، وتظهير الحوادث الدامية والمؤسفة التي حدثت في بيروت، في السابع من أيار من العام الفائت.
منذ أيام، نشرت الصحافة السيرة القاتلة لكاتب فرنسي، تبرز فيه دور الموساد في قتل النائب طوني فرنجية وأفراد عائلته، وتحميل الموساد مسؤولية اختيار سمير جعجع لهذه المهمة. وقبل ذلك، استعادت إحدى الزميلات أحداث السابع من أيار، بالصورة والكلمة، وهي حقيقية، انما حدثت، والانتخابات تدور حول «لن ننسى». ثم حدث اليوم، فيما تكتب هذه الكلمات، إعادة نشر ما جاء في كتاب صدر قديماً، عن غزوة جماعة الجنرال عون لبكركي، وإهانة البطريرك صفير في ذلك الزمن الدامي المجنون.
أما في الشمال، فلا حول ولا قوة... إذ الكلام على غواربه، والمواقف تعيد إنتاج ماضي «الكرامة»، و«العزة» و«الإباء»، إلى جانب المجزرة التي ارتكبت في حلبا ـ يبدو أن المطلوب أن تذهب المقابر كي تنتخب. أو أن نذهب إلى المقابر، قبل الانتخابات وبعدها. لأن هذا الجنون، يدل على إفلاس سياسي مطبق، وعلى برهان ساطع على أن اللبنانيين غير قادرين على حكم هذه الـ10452كلم2، وأن لبنان يستحيل حكمه، لا من داخله بواسطة قواه، ولا إذا تظللت فئاته كلها. اتفاق الطائف (الكلي الرحمات) ولا إذا رأت في اتفاق الدوحة القزم، خاتمة أحزان اللبنانيين.
تبرهن هذه الحملات أن اللبنانيين بحاجة ماسة إلى من يرعى شؤونهم من الخارج هذه المرة، وليس من الداخل. اذ لا أحد يرحب بعودة أي دولة إقليمية لتسيير أمور اللبنانيين، فتخرب البلد، وتخرب هي معه. المطلوب، ولو من باب التمني السياسي الطوباوي، أن يصار إلى وضع لبنان في غرفة العناية الإقليمية الفائقة، على أن يتولى الإشراف عليه، بعد الاتفاق، كل من واشنطن، ودمشق، والرياض وطهران.
هل هذا مستحيل؟
ربما. إلا أن التعويل على هذا المستحيل الدولي، في الظروف اللبنانية الراهنة، أفضل من التعويل على خطب وتصريحات القوى السياسية الغالبة والمغلوبة، وعلى عجز هذه القوى عن إيجاد قاسم مشترك واحد، هو الهدف الأسمى للبنانيين: اختلفوا ولكن خارج حلبة السلاح وتجريد السلاح، لأن اللعب بالسلاح، يجرح اللبنانيين جميعاً.
هل قال أحد منكم «إصلاح»؟ رجاء فليؤجل هذا الشعار إلى ما بعد بناء الدولة. هل قال أحدكم «بناء الدولة»؟ رجاء، دلونا على رجال الدولة، من كل الطوائف، لنبصم لهم بالعشرة؟ هل قال أحدكم محاربة الفساد؟ رجاء، تبليط البحر أسهل من هذه المهمة. فنحن حتى اللحظة، وعمر هذا الكيان تسعون عاما، ولم نبلغ بعد سن المراهقة. ما زلنا دون عتبة الشعب وفي مرحلة ما قبل الدولة، وفي ما بقي لنا من حياة.
دولة؟ بمن؟ بهؤلاء؟
والله، «لا دولة والسما زرقا».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018