ارشيف من :أخبار لبنانية
هل يلتحق لبنان بقافلة "فوضى التغيير العربي" ؟
العميد أمين حطيط-صحيفة البناء
باتت الفوضى السمة الرئيسية التي تطبع حال البلدان التي شهدت الحراك الشعبي العربي الذي تعددت تسمياته حسب مصادرها بين "الربيع" و "الثورة" و ما اليها من "صحوة" او "انتفاضة" . وباتت تسمية "الفوضى العربية " هي الانسب اليوم لنصف ما يحل في تونس من انعدام امن و استقرار و ما تشهده ليبيا من ضياع للسلطة و الثروة وتشتتتها ، و ما دخلت فيه مصر من انقسام يحضر الى مواجهات و حرب اهلية لا يعلم احد الان افقها و منتهاها ، و ما تتقلب فيه اليمن من انعدام رؤية للمستقبل و المصير و ارتباك في المسار السياسي و الامني ، و ما تعيشه البحرين من هبة شعبية بوجه الحاكم ما يفسد عليه السلطة و استقرارها ، و يبقى ما هو افظع من كل ما تقدم من المآسي التي تعيشها سورية نتيجة العدوان الكوني عليها و الذي تسبب بدمار و قتل يستمر مرتكبوه في غيهم رافضين اي حوار يعيد للعقل سلطانه و يضع الامور في نصابها .
في ظل هذا المشهد الفوضوي التدميري الذي تسللت اليه اميركا و امتلكت معظم ازمته ، اختار لبنان الرسمي ان ينأى بنفسه عن كل ما جرى ، و ظن دعاة هذا الشعار ان تنفيذه متيسر ، و لكن نسوا ان وصول الفوضى الى حدودهم الشمالية و الشرفية و مع وجود تشابك العلاقات و المصالح مع سورية ، سيكون النجاح في التطبيق معدوماً، و فاقم الوضع سوءا انخراط فريق لبناني و بشكل علني مباشر في الازمة السورية تحت ذرائع شتى، ثم اقدام الفريق ذاته و مدفوعا بشهوة السلطة القاتلة الى تعطيل العمل في مجلس النواب هذا الامر و سواه بات يطرح جديا اسئلة حول مستقبل لبنان و مصيره خاصة في ظل العناصر التالية :
1) الانتخابات النيابية :اعتمد لبنان في العام 2009 قانون انتخاب لا زال نافذا و هو قانون انتخاب اتفق الجميع على انه غير ملائم للحالة اللبنانية و انه قانون " تزوير الارادة الشعبية " عبر تحكم المال و العصبية الطائفية بصناديق الاقتراع ، و اضافة الى ذلك فانه لا يمكن المسيحيين الذين اعطاهم اتفاق الطائف نسبة النصف من عدد النواب لاعتبارات تتعلق بالوفاق الوطني و حماية الوجود و الفاعلية (مع علم المؤتمرين يومها بان المسيحيين لا يشكلون النصف من سكان لبنان ) ولكن القانون النافذ حاليا لا يمكنهم و بارادتهم من انتخاب اكثر من 45% من حصتهم ( 31 نائب من اصل 64 ) و بالتالي فان التمثيل الحقيقي للمسيحيين في المجلس هو الان ربع المجلس ( اي اقل من نسبتهم الشعبية ايضا) لكل هذه الاسباب كان رفض اجراء الانتخابات وفقا لهذا القانون ، و بالتالي فان البلاد و مع حلول حزيران المقبل و مع اصرار فريق الحريري- جعجع على مقاطعة مجلس النواب اي رفض البحث في قانون انتخاب جديد ، يقابله رفض فريق الاكثرية النيابية الممثل في الحكومة اجراء الانتخابات وفقا للقانون القائم ، فاننا سنتصور المشهد اللبناني كالتالي :
- انتهاء ولاية مجلس النواب بحلول الاجل (اربع سنوات ) لان مبدأ استمرارية المرفق العام لا يطبق على مجلس النواب لانه يخضع لمبدأ الوكالة التي تسقط بحلول الاجل .
- استمرار الحكومة القائمة حاليا بمهام السلطة التنفيذية ، و هي خاضعة لمبدأ استمرارية المرفق العام ، بخلاف الحال مع منصب رئيس الجمهورية الذي تكون الولاية فيه خاضعة لمنطق الاجل و المدة المحددة . و في حال انتهت الولاية دون انتخاب الخلف فان الحكومة مجتمعة تقوم مقام رئبس الجمهورية في صلاحياته التنفيذية غير التمثيلية و غير البروتوكولية .
- ومع اصرار رفض اجراء الانتخابات وفقا للقانون الحالي لا يكون بدا من صيغة او تسوية ما ، لا يمكن الوصول اليها الا عبر جمعية وطنية تأسيسية يشارك فيها – من غير انتخاب او بانتخاب – القوى الوطنية التي سيكون واجبها ليس البحث عن قانون انتخاب فحسب بل و اهم من ذلك البحث عن صيغة نظام جديد يحل مكان الطائف الذي ثبت عقمه و عجزه على انتاج الحلول للمآزق في السياسة و الحكم . و مع هذا الوضع يكون لبنان قد التحق بمنطقة الفوضى العربية الباحثة عن نظم سياسية جديدة .
2) التحدي الديمغرافي : تعرض الجسم الديمغرافي اللبناني لاكثر صدمة و هزة خلال شهور "فوضى التغيير العربي " ادت ال تصدعه خاصة مع ظهور :
-حدة في التباين و الانقسام الطائفي و المذهبي و بشكل خاص بين " السنية السياسية " و الشيعية السياسية " انقسام تطور الى بدء رسم خنادق و خطوط بين الطوائف و المذاهب دفع الكثير الى الانطواء على الذات و التقوقع رغم ما في هذه الامر من ضرر يلحق بالمصالح الخاصة لهم اولا و بالوحدة الوطنية ثانيا، و لولا استمرار علاقات معينة و في سقوف محددة لوقعت القطيعة التي لا يمكن معها التفكير بسلطة وطنية واحدة .
- دفق النازحين من سورية الى لبنان وبصورة خاصة الفلسطنيين من سكان المخيمات الذين تعدى عددهم في اسبوع فقط ال 12 الف نازح و تحذر الجهات المعنية من وصول العدد مع استمرار الازمة في سورية الى مئة الف يضافون الى مئة الف سوري وصل حتى الان الى لبنان .
- استشراء نزعة اغلاق المناطق بوجه اللبنانين عند اختلاف الدين او المذهب ، حيث انه و خلافا لاحكام الدستور التي تؤكد على حق اللبناني بالتملك و السكن في اي منطقة يشاء ، فان هذه الاحكام باتت شبه معطلة مع انتشار ذهنية " لا نقبل بيننا من لم يكن من مذهبنا " .
3) التناقض السياسي : مع اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 ، ظهر الى العلن انقسام لبناني حاد بين تيارين : تيار اقليمي مشرقي يرفض التبعية و ارتهان لبنان للغرب ( اسمي فريق 8 اذار لانه في 8 اذار 2005 اجرى حشده الاكبر للتعبير عن خياراته ) و تيار معاكس و هو غربي التبعية و الهوى اسمى 14 اذار لانه في هذا التاريخ من العام 2005 رد على الحشد الاول بما استطاع تحشيده من جمهور ) .
و في البدء تعايش هذان التياران في مساكنة " الاعدقاء" ثم تنافرا و استأثر الفريق الغربي بالسلطة الى ان وقع الصدام الميداني الذي قاد الى تسوية هجينة ثم حكومة وحدة وطنية تكررت مرتين ، ثم و مع سقوط الحكومة الثانية وقع طلاق ( يبدو انه طلاق بائن ) طلاق شهره فريق 14 اذار الى حد رفضه العمل مع الفريق الاول تحت اي سقف و في اي صيغة حيث انه يرفض :
- الاشتراك في حكومة وحدة وطنية مهما كانت المبررات و الدوافع الهيا ، و رغم كل الاغراءات التي قدمت لهم منذ سنتين – يوم تشكيل الحكومة التي لازالت قائمة – رفض فريق 14 اذار الدخول في الحكومة .
- العمل في مجلس النواب ، حيث انهم و منذ تشكيل لحكومة امتهنوا في مرحلة اولى تطيير نصاب جلسات المجلس ، ثم و انهم منذ شهرين رفضوا حتى الاشتراك في اللجان الفرعية للمجلس بشكل يقود كما يرغبون الى تعطيل مجلس النواب .
-الدخول في حوار وطني حول المسائل الوطنية الكبرى ، و هم و منذ التزموا مقاطعة جلسات الحوار التي يدعو اليها رئيس الجمهورية يصرون على رفض الحوار . و كلل هذا الموقف بموقف صريح من مسؤولي 14 اذار بانهم ليسوا على استعداد للقاء الفريق الاخر او الاجتماع به تحت سقف واحد مهما كانت صيغة هذا الاجتماع .
هذه الامور تقود الى القول بان لبنان لا يعاني من ازمة قانون ، او ازمة حكومة ، بل ان لبنان بات يعاني بالفعل من ازمة نظام و صيغة حكم تراعي الهواجس و تحفظ الحقوق و تؤمن العدالة ، ازمة لا يمكن ان تحل بالمسكنات ، ازمة لا بد لها من حل جذري يتجاوز المعالجات العادية السطحية ليصل الى الجوهر ، و هنا قد يسجل لتيار مستقبل الحريري انه بعد اقحام نفسه في الازمة السورية ، و زيارته الى غزة في طبعتها الجديدة ، و استمراره في تعطيل الانتخاب من باب منع اقرار قانون انتخاب ، قد يسجل له انه دفن الطائف و الحق لبنان بقافلة فوضى التغيير العربي فهل على اللبنانيين التحضر لهذا الالتحاق ؟ ثم هل ان الحريريون يسعون فعلا الى ذلك و يريدون نظاما سيسيا جديدا لا يشاركهم فيه احد ؟ نراهنين على متغير يأملونه في سورية ؟ اعتقد ان الراهانات خاسرة و التغيير ان حصل لن يكون في مصلحة من دفع اليه .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018