ارشيف من :أخبار لبنانية

طرابلس: المسلحون يتحدون قرارات "المجلس الأعلى للدفاع"

طرابلس: المسلحون يتحدون قرارات "المجلس الأعلى للدفاع"
غسان ريفي ـ "السفير"

يضحك شاب طرابلسي عندما يقرأ على الشريط الاخباري لإحدى محطات التلفزة خبر «تجميد رخص السلاح في فترة عيدي الميلاد ورأس السنة». يقرأ الخبر ويحتسي قهوته وعلى بعد أمتار قليلة منه، يحيط المسلحون بالمقهى من كل حدب وصوب. لا تلبث مجموعة منهم أن تبادر الى اطلاق العنان لرشاشاتها الحربية، الأمر الذي سبب حالة من الرعب اجتاحت قاصدي أسواق المدينة استعدادا للأعياد المجيدة.

يمكن القول ان جولة العنف الرقم 15 بدأت تلوح في أفق طرابلس منذ يوم السبت الفائت، وإن لم تدخلها، في ظل الفوضى الأمنية العارمة التي شهدتها في اثناء تشييع الدفعة الثالثة من ضحايا تلكلخ، وترجمت بتمدد غير مبرر للسلاح بشكل أفقي على طول المساحة الممتدة من المدخل الشمالي في البداوي والملولة والتبانة وحتى المدخل الجنوبي عند ساحة عبد الحميد كرامي وبعض الشوارع المحيطة، حيث صال وجال المسلحون برشاشاتهم الحربية ذهابا وإيابا بين «مسجد التقوى» و«الجامع المنصوري الكبير» ومدافن باب الرمل.

كما شهدت التبانة توترا أمنيا كبيرا أدى الى شل الحركة فيها، وذلك بفعل إطلاق الرصاص الذي استمر حتى ما بعد الدفن، وطال في بعض الأحيان خطوط التماس التقليدية.

وقد ترك ذلك انطباعا سلبيا لدى الطرابلسيين الذين عاشوا نحو أربع ساعات من الفوضى المسلحة، في شتى أنحاء المدينة، لم يشهدوا مثيلا لها من قبل في اطار تشييع الدفعتين الأولى والثانية.

ويمكن القول ان مشهد السبت دق مجددا ناقوس الخطر حول الوضع الأمني في العاصمة الثانية، وتداعيات الازمة السورية عليها، والتحكم شبه الكامل للمسلحين بالأرض، فضلا عن مسؤولية القيادات السياسية عن وضع حد للفلتان الأمني، الذي أكدت مسيرات التشييع أن ضبطه في المناطق الساخنة، لم يحل دون خروج المسلحين الى الشوارع العامة في المدينة، في سابقة لم يألفها المواطنون من قبل وعلى مرأى من القوى العسكرية والأمنية.

كما ترك ذلك سلسلة تساؤلات جديدة لدى الأوساط الطرابلسية حول: هل ثمة من كان يريد فتح جولة العنف الرقم 15 مع وصول الدفعة الثالثة من جثامين قتلى تلكلخ، وكالعادة عشية الأعياد والمواسم التجارية؟ أم أن عملا أمنيا ما كان يحضر خارج المحاور التقليدية؟ وإلا، فبماذا تفسر غزارة النيران التي أطلقت في التبانة وفي شوارع طرابلس وأسواقها والتي لم تحصل خلال التشييع الماضي والذي قبله؟

وهل صحيح أن تسليم الجثامين على دفعات من قبل القيادة السورية، وما يسبقها في كل مرة من احتجاجات شعبية، كانا يهدفان الى إبقاء النفوس مشتعلة والتوتر سيد الموقف؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل من المنطق أن ينجر أبناء طرابلس الى ذلك؟ ومن أين يحصل المسلحون على كل هذه الكميات من الذخائر، في وقت يعلن فيه عدد من الكوادر الشعبية أنهم يبيعون ذهب النساء وأثاث المنازل لشراء الرصاص بهدف الدفاع عن النفس في التبانة والقبة والمنكوبين؟ وأين دور الأجهزة الأمنية المولجة بحماية طرابلس؟.

ثم، لماذا الاصرار على اعتماد طرابلس محطة دائمة لاستقبال الجثامين، في حين أن بعض القتلى هم ليسوا من أهل المدينة، ولماذا الاصرار على تشييع القتيلين مالك الحاج ديب وعبد الحكيم إبراهيم في طرابلس، ومن ثم دفنهما في بلدتهما فنيدق العكارية؟ أما كان الأجدر أن ينقل الجثمانان فورا من الحدود الشمالية الى فنيدق وفق القاعدة الشرعية «إكرام الميت الاسراع في دفنه»، وبالتالي توفير كل هذه الفوضى الأمنية على المدينة التي لم تعد تحتمل مزيدا من الضغط؟
ثم أين القيادات السياسية من كل ما يجري؟ وأين مقررات المجلس الأعلى للدفاع بما يخص أمن طرابلس؟ وهل صحيح أن هناك جدية بضبط الوضع الأمني في المدينة؟ وكيف يمكن لهذا الأمن أن يستتب في ظل الحماية والحرية المتوفرتين للمسلحين؟.

وتخلص هذه التساؤلات: هل من رسائل سياسية يريد البعض إيصالها عبر كل ما يجري؟ وهل هو استهداف جديد للحكومة التي حضر رئيسها يوم الجمعة الفائت وأكد أن الوضع الأمني يتجه نحو الأفضل؟ وكيف يمكن للجيش اللبناني أن يتعامل مع مستجدات كهذه؟.

وتقول مصادر طرابلسية لـ«السفير» ان ما حصل في يوم تشييع الدفعة الثالثة من الجثامين، يعتبر تحديا لكل القيادات السياسية والعسكرية في لبنان، وتحديا مباشرا لمقررات المجلس الأعلى للدفاع، لافتة الانتباه الى أن طرابلس واجهت هذا التحدي الأمني وجاهدت في الحفاظ على حركتها شبه طبيعية، وهذا يؤشر الى رفض الطرابلسيين لكل هذه الممارسات.

وتضيف هذه المصادر:«لا شك في أن طرابلس تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى احتضان الدولة، كي تشعر بأنها جزء من لبنان وليست جزيرة معزولة. من هنا، لا يجوز أن يقرأ الطرابلسيون خبرا عن تجميد رخص السلاح، بينما يرونه يوميا يجول في شوارعهم من دون حسيب أو رقيب».
2012-12-24