ارشيف من :أخبار لبنانية
الفاتيكان ينحاز لـ«ترويكا» مارونية تضمن الاستقرار
ملاك عقيل - صحيفة السفير
حرص الكرسيّ الرسولي قبل زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر التاريخية الى لبنان على تحديد النطاق العام للزيارة كي لا تؤخذ بأبعادها ومدلولاتها الى المكان الخاطئ.
المتحدث باسم الفاتيكان الاب فيديريكو لومباردي اكد حينها رغبة البابا «بالحضور في لحظة معينة من دون ان يرضخ لاملاءات الظروف القائمة»، مشددا على ان الحبر الاعظم لا يزور لبنان كـ«زعيم سياسي قوي»، داعيا الى عدم توقع «مداخلات كبيرة» من جانبه ذات طبيعة سياسية حول سوريا او غيرها من المواضيع.
كل ما قيل عن الزيارة، ويقال، وسيقال، في معرض التفسير والتحليل، خصوصا من قبل طرفي الصراع، لا يحجب واقع تمسّك الفاتيكان بالتعاطي مع لبنان «المضطرب»، المأخوذ بالازمة السورية، على قاعدة انه «رسالة ونموذج للتعايش في الشرق الاوسط». اما المسيحيون فـ«جسر حوار بقدرات بناء ايجابي طالما انهم لا يتحيّزون لفريق دون آخر».
وكان على الفاتيكان، ومنذ اندلاع الازمة السورية قبل عام ونصف، وخلال زيارة البابا الى لبنان.. وبعدها، ان يفصل خيط «عدم التحيّز» عن السائد من «كليشيهات» خوف الاقليات. بهذا المعنى، كانت رسائل الفاتيكان واضحة للمسيحيين بان الحياد عن الصراع ان كان في سوريا او لبنان «ليس بداعي الخوف لكن تعاليا عن الانقسامات».
كل من كان على تماس مع حيثيات الزيارة البابوية التاريخية الى بيروت لمس إصرارا فاتيكانيا على اتمام «اللقاء» الجامع مع اللبنانيين برغم «غليان الارض». وقبل ان تحط طائرة الحبر الاعظم في مطار بيروت كانت مواقف البابا «طبقا» ساخنا على مائدة الاكثرية والمعارضة. هو تحدث عن ضرورة «وضع نهاية لاستيراد السلاح الذي من دونه لا يمكن للحرب ان تستمر»، فحضرت «الترجمة الفورية» على الطريقة اللبنانية. «هو يدين اذا تسليح المعارضة السورية»!
مواقف البطريرك بشاره الراعي نفسها من الموضوع السوري كانت وما تزال تطرح تساؤلات: هل يحظى بغطاء الفاتيكان؟
لا ينتهي مسلسل «التصنيف» للموقع الذي يحتلّه رأس الكنيسة الكاثوليكية في مواكبة الملف اللبناني، لكن المطلعين على «السياسة الفاتيكانية» يجزمون بان «لبنان المستقر» هو اولوية فاتيكانية. قد يختلف الاسلوب بين السلف والخلف لكن الثوابت نفسها.
ويبدو ان جزءا اساسيا من ملامح هذه السياسة ترصد في اللقاءات التي يجريها المسؤولون اللبنانيون مع امين سر علاقات الكرسي الرسولي مع الدول المونسنيور دومينيك مامبرتي وآخرهم الرئيس سعد الحريري الذي التقى ايضا البابا بنديكتوس السادس عشر. يعود هؤلاء بانطباعات بان الكرسي الرسولي لا يحبّذ «وصفات» الحلول الخارجية لا في لبنان ولا في سوريا، «فالاستقرار في بيروت لا يستورد بل هو صنيعة اللبنانيين انفسهم. اما في دمشق فالحل بالدبلوماسية والحوار وليس بالعنف والتدخل الاجنبي والحسم العسكري».
ويحمّل مامبرتي زواره «وصايا» أولها حامية للاستقرار «لبنان رائد في العيش المشترك بين مختلف الطوائف، واصالة العلاقات التاريخية وعمقها بين المسيحيين والمسلمين تشكّل امانة يجب على اللبنانيين، وبنوع خاص المسيحيين، الحفاظ عليها حتى يستمر لبنان نموذجا يحتاج اليه العالم»، داعيا اللبنانيين «الى التجذّر بارضهم والعيش في اتحاد وشراكة اخوية».
وينطلق الفاتيكان دائما في معرض مقاربته للوضع الداخلي اللبناني بارتباطه المباشر بالوضع الفلسطيني من خلال حث المجتمع الدولي لايلاء هذه القضية الاهتمام اللازم، بحيث ينعكس حل هذه المشكلة ايجابا على اللبنانيين والفلسطينيين».
العارفون في استراتيجية الفاتيكان في التعاطي مع ازمات المنطقة والعالم لا يتوقعون غوص الكرسي الرسولي في التفاصيل. هي العناوين العامة التي تحدّد الاولويات والثوابت. سعي الى التأثير المعنوي من خلال خطاب الكنيسة والعمل الديبلوماسي والمفاوضات الصامتة في احيان كثيرة. هذا ما حصل ابان الحرب اللبنانية وما يحصل اليوم.
في العام 1989 كان الفاتيكان على خط الاتصالات التي انتجت «اتفاق الطائف» بعدما تكفّلت اللجنة الثلاثية العربية باطلاع الدوائر الفاتيكانية على مضمونه. اثنا عشر عاما من حبرية البابا يوحنا بولس الثاني قضاها مواكبا للحرب اللبنانية، كان خلالها الفاتيكان يضغط بكل «قوته المعنوية» التي كانت تصطدم غالبا بمصالح الدول الكبرى. وفي ستينيات القرن الماضي شكّل رأس الكنيسة الكاثوليكية مع واشنطن وباريس والقاهرة ممرا اساسيا للملف اللبناني.
وتعتبر ديبلوماسية الفاتيكان احد ارفع انواع الديبلوماسية في العالم، وهي تعطي دائما لنفسها «شرف المحاولة من دون ان تفرض». في العام 1986 زار وفد فاتيكاني الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد محاولا تلمّس خارطة طريق لانهاء الازمة اللبنانية. وتوجّه الأسد الى سلفستريني بالقول «انتم اتيتم لتقوموا بما نقوم به منذ 13 سنة». ادرك الوفد سريعا ان الرئيس السوري يرفض التعاطي معه كطرف في الازمة، وقد خرج بعدها عضو الوفد لويس جيغاتي، الذي عمل سفيرا للفاتيكان لاحقا في لبنان، ليقول «لقد اقفل حافظ الاسد الباب بوجهنا».
ومن يوحنا بولس الثاني الى بنديكتوس السادس عشر، لم يقدّم الفاتيكان يوما حلولا للازمة اللبنانية بل «رسائل» واشارات للخروج من النفق. هكذا لا يمكن لزائر رأس الكنيسة الكاثوليكية او المسؤولين الفاتيكانيين المؤثرين في الملف اللبناني ان يخرج من لقاءاته مع هؤلاء بـ«تعليمات» في قانون الانتخاب أو بعض الملفات السياسية التفصيلية، لان «التفاصيل» تخرج عن نطاق سياسة الفاتيكان.
لا يخفي العائدون من الفاتيكان أن البعض يحاول تكوين ملف للبطريرك الراعي في الدوائر الفاتيكانية، لكن المتابعين للملف اللبناني يعلنون على الملأ انحيازهم الى الاستقرار اللبناني وكل ما من شأنه حماية العيش المشترك وتثبيت المسيحيين في أرضهم. هذا الانحياز يقودهم تلقائيا الى دعم موقف رئاسة الجمهورية والبطريركية المارونية وقيادة الجيش، المواقع المارونية الثلاثة (الترويكا) التي حافظت وتحافظ على مسافة واحدة مع كل أطراف الانقسام السياسي اللبناني.
حرص الكرسيّ الرسولي قبل زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر التاريخية الى لبنان على تحديد النطاق العام للزيارة كي لا تؤخذ بأبعادها ومدلولاتها الى المكان الخاطئ.
المتحدث باسم الفاتيكان الاب فيديريكو لومباردي اكد حينها رغبة البابا «بالحضور في لحظة معينة من دون ان يرضخ لاملاءات الظروف القائمة»، مشددا على ان الحبر الاعظم لا يزور لبنان كـ«زعيم سياسي قوي»، داعيا الى عدم توقع «مداخلات كبيرة» من جانبه ذات طبيعة سياسية حول سوريا او غيرها من المواضيع.
كل ما قيل عن الزيارة، ويقال، وسيقال، في معرض التفسير والتحليل، خصوصا من قبل طرفي الصراع، لا يحجب واقع تمسّك الفاتيكان بالتعاطي مع لبنان «المضطرب»، المأخوذ بالازمة السورية، على قاعدة انه «رسالة ونموذج للتعايش في الشرق الاوسط». اما المسيحيون فـ«جسر حوار بقدرات بناء ايجابي طالما انهم لا يتحيّزون لفريق دون آخر».
وكان على الفاتيكان، ومنذ اندلاع الازمة السورية قبل عام ونصف، وخلال زيارة البابا الى لبنان.. وبعدها، ان يفصل خيط «عدم التحيّز» عن السائد من «كليشيهات» خوف الاقليات. بهذا المعنى، كانت رسائل الفاتيكان واضحة للمسيحيين بان الحياد عن الصراع ان كان في سوريا او لبنان «ليس بداعي الخوف لكن تعاليا عن الانقسامات».
كل من كان على تماس مع حيثيات الزيارة البابوية التاريخية الى بيروت لمس إصرارا فاتيكانيا على اتمام «اللقاء» الجامع مع اللبنانيين برغم «غليان الارض». وقبل ان تحط طائرة الحبر الاعظم في مطار بيروت كانت مواقف البابا «طبقا» ساخنا على مائدة الاكثرية والمعارضة. هو تحدث عن ضرورة «وضع نهاية لاستيراد السلاح الذي من دونه لا يمكن للحرب ان تستمر»، فحضرت «الترجمة الفورية» على الطريقة اللبنانية. «هو يدين اذا تسليح المعارضة السورية»!
مواقف البطريرك بشاره الراعي نفسها من الموضوع السوري كانت وما تزال تطرح تساؤلات: هل يحظى بغطاء الفاتيكان؟
لا ينتهي مسلسل «التصنيف» للموقع الذي يحتلّه رأس الكنيسة الكاثوليكية في مواكبة الملف اللبناني، لكن المطلعين على «السياسة الفاتيكانية» يجزمون بان «لبنان المستقر» هو اولوية فاتيكانية. قد يختلف الاسلوب بين السلف والخلف لكن الثوابت نفسها.
ويبدو ان جزءا اساسيا من ملامح هذه السياسة ترصد في اللقاءات التي يجريها المسؤولون اللبنانيون مع امين سر علاقات الكرسي الرسولي مع الدول المونسنيور دومينيك مامبرتي وآخرهم الرئيس سعد الحريري الذي التقى ايضا البابا بنديكتوس السادس عشر. يعود هؤلاء بانطباعات بان الكرسي الرسولي لا يحبّذ «وصفات» الحلول الخارجية لا في لبنان ولا في سوريا، «فالاستقرار في بيروت لا يستورد بل هو صنيعة اللبنانيين انفسهم. اما في دمشق فالحل بالدبلوماسية والحوار وليس بالعنف والتدخل الاجنبي والحسم العسكري».
ويحمّل مامبرتي زواره «وصايا» أولها حامية للاستقرار «لبنان رائد في العيش المشترك بين مختلف الطوائف، واصالة العلاقات التاريخية وعمقها بين المسيحيين والمسلمين تشكّل امانة يجب على اللبنانيين، وبنوع خاص المسيحيين، الحفاظ عليها حتى يستمر لبنان نموذجا يحتاج اليه العالم»، داعيا اللبنانيين «الى التجذّر بارضهم والعيش في اتحاد وشراكة اخوية».
وينطلق الفاتيكان دائما في معرض مقاربته للوضع الداخلي اللبناني بارتباطه المباشر بالوضع الفلسطيني من خلال حث المجتمع الدولي لايلاء هذه القضية الاهتمام اللازم، بحيث ينعكس حل هذه المشكلة ايجابا على اللبنانيين والفلسطينيين».
العارفون في استراتيجية الفاتيكان في التعاطي مع ازمات المنطقة والعالم لا يتوقعون غوص الكرسي الرسولي في التفاصيل. هي العناوين العامة التي تحدّد الاولويات والثوابت. سعي الى التأثير المعنوي من خلال خطاب الكنيسة والعمل الديبلوماسي والمفاوضات الصامتة في احيان كثيرة. هذا ما حصل ابان الحرب اللبنانية وما يحصل اليوم.
في العام 1989 كان الفاتيكان على خط الاتصالات التي انتجت «اتفاق الطائف» بعدما تكفّلت اللجنة الثلاثية العربية باطلاع الدوائر الفاتيكانية على مضمونه. اثنا عشر عاما من حبرية البابا يوحنا بولس الثاني قضاها مواكبا للحرب اللبنانية، كان خلالها الفاتيكان يضغط بكل «قوته المعنوية» التي كانت تصطدم غالبا بمصالح الدول الكبرى. وفي ستينيات القرن الماضي شكّل رأس الكنيسة الكاثوليكية مع واشنطن وباريس والقاهرة ممرا اساسيا للملف اللبناني.
وتعتبر ديبلوماسية الفاتيكان احد ارفع انواع الديبلوماسية في العالم، وهي تعطي دائما لنفسها «شرف المحاولة من دون ان تفرض». في العام 1986 زار وفد فاتيكاني الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد محاولا تلمّس خارطة طريق لانهاء الازمة اللبنانية. وتوجّه الأسد الى سلفستريني بالقول «انتم اتيتم لتقوموا بما نقوم به منذ 13 سنة». ادرك الوفد سريعا ان الرئيس السوري يرفض التعاطي معه كطرف في الازمة، وقد خرج بعدها عضو الوفد لويس جيغاتي، الذي عمل سفيرا للفاتيكان لاحقا في لبنان، ليقول «لقد اقفل حافظ الاسد الباب بوجهنا».
ومن يوحنا بولس الثاني الى بنديكتوس السادس عشر، لم يقدّم الفاتيكان يوما حلولا للازمة اللبنانية بل «رسائل» واشارات للخروج من النفق. هكذا لا يمكن لزائر رأس الكنيسة الكاثوليكية او المسؤولين الفاتيكانيين المؤثرين في الملف اللبناني ان يخرج من لقاءاته مع هؤلاء بـ«تعليمات» في قانون الانتخاب أو بعض الملفات السياسية التفصيلية، لان «التفاصيل» تخرج عن نطاق سياسة الفاتيكان.
لا يخفي العائدون من الفاتيكان أن البعض يحاول تكوين ملف للبطريرك الراعي في الدوائر الفاتيكانية، لكن المتابعين للملف اللبناني يعلنون على الملأ انحيازهم الى الاستقرار اللبناني وكل ما من شأنه حماية العيش المشترك وتثبيت المسيحيين في أرضهم. هذا الانحياز يقودهم تلقائيا الى دعم موقف رئاسة الجمهورية والبطريركية المارونية وقيادة الجيش، المواقع المارونية الثلاثة (الترويكا) التي حافظت وتحافظ على مسافة واحدة مع كل أطراف الانقسام السياسي اللبناني.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018