ارشيف من :أخبار لبنانية
النكبة نكبات
"الخليج" - عبدالله السويجي
مرت ذكرى نكبة اغتصاب فلسطين التي صادفت يوم الجمعة الماضي بدم بارد، باستثناء فعالية هنا وأخرى هناك في الوطن العربي، نظمتها مؤسسات ثقافية وجمعيات اجتماعية، من دون أن يصدر تصريح استثنائي واحد يقدم توصيفاً للكارثة التي حلت بمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين أصبحو اليوم، بعد 61 عاماً، بالملايين، يتوزعون على الدول العربية والأجنبية . الدول العربية تضعهم في مخيمات، وخاصة الدول التي تجاور فلسطين، والدول الأجنبية عملت على تذويبهم، فحصلوا على جنسياتها لكنهم لم يحصلوا على وطن .
منذ 61 عاماً، والنكبة تولد نكبات، حتى باتت النكبة الأولى صغيرة أمام النكبات الأخرى، فالعدو عدو، لا يمكن أن نسأله عن وحشيته وممارساته وتعسفاته وإجرامه، أما أن يبقى الفلسطيني في المخيمات الفلسطينية لمدة ستة عقود، يعاني من صعوبة لقمة عيشه، والحصول على علاج وتعليم وعمل، ويعاني من التجهيل، فهو أمر لا يقل عن نكبة تتجدد يومياً، وتتناقلها الأجيال بعد الأجيال .
منذ العام 1948 حتى اليوم، خاضت بعض الدول العربية ثلاث حروب مع الكيان الصهيوني المزروع في قلب الوطن العربي بمساعدة المعسكر الغربي والولايات المتحدة، الحرب الأولى خاضتها مصر في العام 1956 وهو ما سمي بالعدوان الثلاثي، والثانية خاضتها مصر وسوريا والأردن في العام ،1967 خسرت فيها الدول المذكورة أجزاء من أراضيها، بالإضافة إلى خسارة الأردن سيطرتها على الضفة الغربية، وخسارة مصر سيطرتها على قطاع غزة، والثالثة في العام 1973 وهي ما سميت بحرب أكتوبر، التي استعادت فيها مصر أراضيها ووقعت اتفاقية كامب ديفيد، الأمر الذي أخرجها من الصراع العربي الصهيوني .
منذ العام 1948 حتى اليوم، خاض الفلسطينيون معارك مع الكيان الصهيوني، كانت عبارة عن حرب عصابات، بعضها تم على الأراضي الأردنية والآخر على الأراضي اللبنانية، وبعضها الآخر كان عمليات في العمق الفلسطيني . وبعد العام ،1996 أي بعد عودة الفصائل الفلسطينية إلى الضفة وغزة، خاض الفلسطينيون معارك عديدة، منها ما كان طاحناً وأدى إلى تدمير مخيم جنين ومخيمات أخرى، ومنها ما كان إجرامياً أدى إلى حرق أطفال غزة بالفوسفور، أما المعركة الكبيرة فتلك التي خاضها المقاتلون الفلسطينيون مع الجيش الصهيوني في العام 1982 حين حاصرت القوات الصهيونية بيروت، وأجبرت الفصائل الفلسطينية على الخروج من لبنان والتشرد في بلاد بعيدة جغرافياً عن فلسطين مثل تونس واليمن .
منذ العام 1948 حتى اليوم، خاض الفلسطينيون حروباً مع جهات عربية، الأولى كانت في العام 1970 مع الجيش الأردني وأدت إلى خروج المقاتلين من الأراضي الأردنية متجهين إلى لبنان، والثانية كانت في لبنان، مع المعسكر المسيحي (الكتائب والمردة والقوات اللبنانية)، ثم بعدها مع الجيش السوري، ثم مع حركة أمل .
منذ العام 1948 حتى اليوم خاض الفلسطينيون حروباً مع أنفسهم، انشقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فولدت الجبهة الديمقراطية، ثم القيادة العامة، وانشقت جماعة عن حركة فتح وسمت نفسها فتح الانتفاضة بقيادة أبو موسى وكانت مدعومة من سوريا، حيث دارت معارك طاحنة بين جماعة أبو موسى وجماعة أبو عمار، ثم تلتها اشتباكات قصيرة بين تنظيم وآخر، وما زالت تحدث حتى اليوم، لاسيما بعد ظهور الحركات الإسلامية المسلحة .
منذ العام ،1948 وهو عام النكبة، والنكبات تتوالى والقضية الفلسطينية تتفتت، إذ أصبح الموقف الفلسطيني ذاته مقسماً، شأن الموقف العربي، جزء مع السياسة الأمريكية (كراعية للسلام)، وجزء مع دول الممانعة، والمعسكران لن يلتقيا .
القضية الفلسطينية تزداد تعقيداً، والفلسطيني النازح فقد الأمل وفقد الثقة، وبدأ يتجه لتأمين مستقبله بعيداً عن السياسات التي لن تؤدي إلى تحرير ولو جزء بسيط من فلسطين . الشعب الفلسطيني يعيش حالة عجز، هذه هي الحقيقة، بعيداً عن الشعارات الصارخة، وبعيداً عن المزايدات . أليست هذه نكبة كبرى تصغر أمامها النكبة الأولى؟
الكل يحمل الحكومة الصهيونية المسؤولية كي ينجي نفسه منها، وفي الواقع فإن أسباب النكبة تكمن في عدة أمور:
أولاً: كيفية إدارة حرب 1948 والنوايا التي كانت خلفها .
ثانياً: الكيفية التي تعامل بها بعض العرب مع الثورة الفلسطينية .
ثالثاً: الكيفية التي تعامل بها الفلسطينيون مع ثورتهم وقضيتهم .
الكيفية كانت سيئة إلى درجة تثير التساؤلات، وتدفع أي عاقل لطرح فكرة المحاسبة، خاصة على المستوى الفلسطيني، فهم أصحاب القضية .
الطريقة التي يدار بها قطاع غزة وتدار بها الضفة الغربية هي الطريقة ذاتها التي كان يدير فيها القادة الفلسطينيون قبل عودتهم إلى أراضي السلطة . وبالتالي، لا يمكن أن تدار دولة بعقلية زعيم تنظيم .
القيادة الفلسطينية لم تتعلم من أخطائها، والسياسة العربية لم تدرك أسباب ترديها، والكيان الصهيوني يتفرج، وآخر تصريح يشير إلى قمة النكبات كان للإرهابي نتنياهو، حين قال إنه لم يحدث أن اتفق العرب استراتيجياً مع “إسرائيل” كما يتفقون الآن بشأن الخطر الإيراني، فهل هناك من يرد عليه في ذكرى النكبة؟
هذه المرحلة تتطلب نقداً ذاتياً صريحاً وواضحاً، إضافة إلى محاسبة كل مسؤول عما صنعت يداه . فمن يجرؤ على الكلام؟.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018