ارشيف من :أخبار لبنانية
الربيع العربي بعد سنتين في نقطة الصفر
حاتم صادق خربيط -صحيفة "الوطن" السورية
بعد نحو سنتين على انطلاقة ما سمي ثورات الربيع العربي التي رفعت شعارات الحرية والديمقراطية والتغيير الشامل، والتي بدأت بحرق محمد البوعزيزي نفسه في تونس ما أدى إلى هروب بن علي وسقوط نظامه، لتصل إلى مليونيات ميدان التحرير في القاهرة بمصر التي استطاعت أن تسقط نظام مبارك الذي كان يتحكم في كل مفاصل الدولة ويمثل أقوى عملاء الولايات المتحدة في المنطقة، ولتنتقل إلى قيام الناتو بتدمير ليبيا وقتل القذافي الذي قدم للغرب كل التنازلات المطلوبة وتمزيق الوطن والشعب وتوفير المناخ الملائم لانتشار المليشيات المسلحة المحلية والغريبة المختلفة الأهواء والاتجاهات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن أسوأ التنظيمات الإرهابية المتطرفة التي يتميز أفرادها بلحاهم الكثيفة المحناة وعقولهم المتحجرة المغلقة، وجميعها تتوزع السيطرة على المدن والمناطق الاقتصادية وخاصة النفطية على الرغم من انتخاب مجلس وطني وتشكيل حكومة ليس لها أي سيطرة فعلية على الأرض.
ثم تمثلت المرحلة الأهم في إعادة تشكيل كيانات الشرق الأوسط الجديد وأنظمته الهزيلة التابعة وفق المخطط الصهيوأميركي في الانتقال إلى سورية لإسقاطها شعبا وقيادة وجيشا والقضاء على دورها الوطني والعربي والإقليمي والدولي تمهيدا للقضاء على محور الممانعة والمقاومة التي تعتبر واسطة عِقده، ما يؤدي إلى المحافظة على وجود وأمن الكيان الصهيوني في أعقد وأوسع أنواع التحالفات بين الدول العربية والإقليمية والغربية التي ولّدت أنظمة وحكومات ومجالس وائتلافات عميلة مشبوهة، وأكثر الحروب ظلما وشراسة ودموية وتدميرا ضد الشعب السوري ووطنه وحياته.
اليوم يكبر السؤال الذي يتردد على كل الألسنة: كيف يبدو مشهد ما سمي الربيع العربي بعد أن انقلبت شعارات ثوراته جميعها إلى مضاداتها نتيجة سيطرة الإخوان المسلمين وما فرّخته من أحزاب وتنظيمات بأسماء وعناوين في الأغلب ليست إسلامية للتمويه على دورها ومخططاتها التي تنفذها بدعم غربي وتمويل خليجي؟ وكيف سيتعامل الغرب الذي يدعي أنه يحارب إرهاب القاعدة والتطرف التكفيري مع انتشار تنظيم القاعدة وأخطر متفرعاته القتالية الوهابية على الأرض السورية بمقاتليها المستقدمين من مختلف أنحاء العالم بتمويل وتسليح خليجي، وتدريب وإيواء وتسهيل تركي، وتآمر أحزاب وتيارات وتنظيمات حاقدة على سورية في دول الجوار؟
الإجابة عن هذا السؤال وغيره تظهر واضحة في المشاهد التي يتابعها الإنسان العربي في جميع البلدان العربية باعتباره المعني الأول والأهم بأحداثها، ويتابعها معه العالم بأكمله بصمت واستحياء مغلف بالألم لأنه لا يستطيع حتى الرفض أو الاعتراض أمام هيمنة وتسلط أنظمة وحكومات وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وأتباعهما من المستعمرات القديمة والحديثة التي لا تقوى إلا على تنفيذ ما تؤمر به من مواقف وسياسات، حتى إن تظاهرات التنديد والاستنكار التي تخرج في أنحاء متفرقة من العالم ومنها البلدان التي تتلطى خلف لافتات وشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ضد ما تمارسه حكوماتها من تلاعب بمصائر الشعوب الأخرى في العالم وتآمر مكشوف ومعلن عليها تحت عناوين تخترعها هذه الدول لتبرير أفعالها وخططها التخريبية للأرض والإنسان.
أكثر المشاهد وضوحا يظهر حالياً في مصر التي بدأ شعبها المرحلة الثانية من ثورته بعد أن أعاد الرئيس المصري الأخواني محمد مرسي المنتخب بنسبة لا تزيد على 18% من مجموع أصوات الشعب المصري خلط أوراق المرحلة تمهيدا لسيطرة تنظيم الإخوان المسلمين على مقاليد السلطة والتحكم بمقدرات الشعب المصري ومفاصل حياته وإرادته، ويلغي دوره العروبي المتقدم الذي يعتمد على موقع مصر الجغرافي وحجمها السكاني وتركيبة مجتمعها الأميل إلى العلمانية البعيدة عن التطرف والحقد الذي يمارسه الإخوان المسلمون مع الفئات المجتمعية المخالفة لهم، وهكذا عادت مصر إلى المربع الأول الذي كانت فيه قبل سنتين، والمؤشرات جميعها تدل على أن المواجهة آخذة بالاتساع بسرعة حتى إسقاط المشروع الذي ينفذه الإخوان في مصر بالكامل.
أما المشهد في تونس فلا يختلف كثيراً عنه في مصر خاصة مع محاولات حزب النهضة الإخواني بزعامة الغنوشي تطويع المجتمع التونسي المعروف بأنه أكثر المجتمعات العربية انفتاحا وتآلفا بين جميع أطيافه، وتحويله إلى مجتمع متطرف توجهه الأفكار التكفيرية الغريبة عليه، ويشير غضب الشارع التونسي الآخذ بالتصاعد إلى المرحلة التي ستُسقِط النموذج الآخر من حكومات الإخوان المسلمين التي سرقت الثورات التي صنعها الشباب العربي بوعيهم وإيمانهم ورؤيتهم البعيدة عن التطرف.
وليس المشهد بأفضل حالاً منه في ليبيا التي تعاني من فوضى شاملة في جميع نواحي الحياة، ولا في اليمن المنسي على خريطة الأحداث، ولا في الأردن الغارق في سياسات تفرضها جهات خارجية ولا تهتم بمعاناة الأردنيين، ولا في البحرين التي يحمي الغرب جرائم حكومتها ضد الشعب الأعزل حتى من الإدانة اللفظية، ولا في العراق ولبنان وغيرهما، لكن المؤكد في المشهد العربي الحالي أن هزيمة المشروع الغربي الدموي بعد انتصار غزة والدولة الفلسطينية قادمة بأسرع مما يتوقعون رغم إنفاق مليارات الدولارات، وتوظيف أخطر الإمكانات الإعلامية، وحشد أكبر عدد من العملاء والمرتزقة والإرهابيين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018