ارشيف من :أخبار لبنانية

الـعـالـم لـم يـنـتـه.. ولـكـن

الـعـالـم لـم يـنـتـه.. ولـكـن

سمير كرم - صحيفة "السفير"


لم تصدق النبوءة التي وضعها في صيغة رياضية دقيقة علماء حضارة «المايا» (اميركا الوسطى الحالية) قبل اكثر من اربعة آلاف عام، وظلت البشرية تتذكرها منذ ان عرفتها قبل اكثر من خمسة قرون. لم تصدق النبوءة التي توقعت ان ينتهي العالم يوم الحادي والعشرين من شهر كانون الاول / ديسمبر عام 2012 حسب التقويم الميلادي الذي لم يكن بالطبع قائماً وقت أن صيغت تلك النبوءة، انما حولتها الى التقويم الحديث حضارة اسبانيا الاستعمارية.

لم يبدُ ان العالم فرح كثيراً بأن حياته لم تنته تلك النهاية المأساوية المروعة. ولم يكن ذلك إلا لأن البشرية لم تطق ان تظل تعي هذه النبوءة طوال الوقت، انما تذكرتها قبل وقت قصير من حلول الموعد المشؤوم. بدا فرح الانسانية بنجاتها أمراً يمكن تخطيه او يمكن اكثر إدماجه في فرحة اعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية لهذا العام. لم تفكر الانسانية، ممثلة في احد فلاسفتها او مفكريها الكبار على قيد الحياة - وما اكثرهم -، في أن تتساءل لماذا لم تصدق تلك النبوءة، او ماذا الآن وقد انهار هذا الاعتقاد.

ليس هذا موضوعنا ولا نحن مهيؤون لأن نجيب على أي من التساؤلين، إنما نجد في أنفسنا رغبة عميقة لا تقاوم في ان نتساءل: وهل يستحق عالمنا الذي نعيشه ونعيش فيه اليوم ان نفرح بنجاته؟ هل العالم المعاصر هو العالم كما اردناه وكما من اجله ناضلت البشرية؟

لا يبدو أن هناك من وسيلة اكيدة للرد على هذا التساؤل او هذا النوع من التساؤلات غير ان نقارن بين عالم اليوم، العالم المعاصر، وعالم الماضي. أو ان نقارن بين عالمنا اليوم والعالم كما تصوره الفلاسفة والمفكرون القدامى في مدنهم الفاضلة. وربما يعنّ لنا ان نتذكر ـ على ذكر المدن الفاضلة ـ حقيقة تدعو للدهشة، هي ان فلاسفة العالم لم يعودوا يهتمون بتكوين مدن فاضلة في خيالاتهم وأفكارهم كما كانوا يفعلون الى ما قبل قرنين. على أي الأحوال لا بد ان نكتفي الآن بهذه الفكرة وأن نحاول أن نقارن عالم اليوم بعالم الماضي القريب.

لا مفر من ان نقارن بين عالم اليوم وعالم الأمس القريب في وطننا العربي قبل غيره. ولعل أجدر فترات الماضي القريب العربي بالذكر في هذا السياق هي الفترة التي كانت فيها قضية الوحدة العربية قضية حية تشغل العرب والعالم. كانت قضية لا يمكن تجاهلها. وكان أحد أسباب ذلك، انه كانت للعرب زعامة سامقة مسموعة الصوت والفكر تمثلت في شخص جمال عبد الناصر الذي اجتمعت ضده كل القوى الامبريالية والصهيونية وتمكنت من أن تلحق به هزيمة لا تنسى. ولكنها لم تتمكن من إزاحته تماماً من المشهد العربي إلا بعد أن انتقل الى العالم الآخر. الآن في اللحظة التي نتذكر فيها نبوءة «المايا»، نعي ان عالمنا العربي بعد موت عبد الناصر باثنين وأربعين عاماً يعيش ممزق الاوصال، فاقد الاتجاه، فاقد الحرية والاستقلال. يتألم بما يعتريه من تدهور سياسي وما يتربص به من داخله ومن خارجه من مؤامرات لنهب ثرواته والقضاء على شعوره بالوحدة القومية والمصيرية، وبأهمية استرداد وعيه بأهمية وحدته وأهمية دوره في هذا العالم.

لا نملك إلا أن نتذكر ان مصر التي كانت تتزعم الامة العربية بحكم حجمها وموقعها ـ بل تزعمت العالم النامي برمته - تعاني ما تعانيه الآن من ارتداد وتوقف، بل وتمزق، وهي ترى المرتدين بفكرهم الى الماضي، الذي انقضى عليه الف وأربعمئة عام وأكثر، يحاولون شد مصر الى هذا الماضي السحيق ووضعها تحت حكمهم وتحت افكارهم العتيقة التي لا يمكن ان يؤيدها دين او عقيدة او فكر في عالمنا المعاصر. وكأن المكتوب في صحائف التاريخ البشري ان تعود مصر الى زمن انحدارها بعد عصور طويلة من التقدم والرفعة. وكأن المكتوب في صحائف التاريخ ان تصنع مصر تاريخ العالم وثقافته وفنه وآدابه، ثم تنتكس لتتحول الى حالة من التخلف اقرب الى البدوية منها الى القرن الواحد والعشرين. وما نقوله عن مصر لا بد ان نقوله بالمثل عن اقطارنا العربية التي واكبت تاريخ التقدم الانساني. نقوله عن سوريا لندرك ان ما يجري فيها ليس إلا لعنة قريبة من نبوءة نهاية العالم. ولا نستطيع الهروب من حقيقة أن الاحداث العربية الحالية ترى ازدهاراً مادياً في جزء من هذا الوطن لا يواكبه فكر متطور إنما ينتظره انهيار تحت وطأة النفوذ القوي المتجبر من جانب الأميركيين والأوروبيين. الخليج النفطي يحيا بأموال النفط وينفقها في قتل الأشقاء ولا يكاد يدري ان ما ينتظره لا يكاد يختلف عما ألمَّ بمصر وما ألمَّ بسوريا.

الولايات المتحدة تمر بأزمة ليست اقتصادية بحتة، كما يظن معظم من يعالجون هذه الازمة، إنها تمر بأزمة سياسية تتمثل في خضوعها الكامل لنفوذ الصهيونية العالمية وإسرائيل في مقعد القيادة لهذه الصهيونية. الولايات المتحدة وهي بصدد تكوين ادارة جديدة لها تجد اسرائيل تتحدى ارادتها ـ ارادة رئيسها الذي فاز لتوه بفترة رئاسة ثانية ـ باراك اوباما. اوباما يريد ضمن تغييرات في ادارته ان يعين ديموقراطياً اسمه تشاك هاغل وزيراً للدفاع، ولكن اسرائيل واللوبي الصهيوني يعترضان ويشنان حملة ضده لأن في ماضيه مواقف اعتراض على اسرائيل وهيمنتها على السياسة الاميركية. انه بهذا استحق وصف «سياسي معاد لإسرائيل». ثم تصاعدت الحملة ضده ليوصف بأنه «أميركي معاد للسامية». وهذا الوصف الأخير كارثي التأثير في بلاد الأميركيين والغربيين عموماً، منذ زمن كانت النازية لا تزال قوية وتحارب ضد الهيمنة اليهودية اينما كانت. ويقرر اوباما ان يرشح السناتور جون كيري وزيراً للخارجية الاميركية ويجد كيري من المناسب ان يعلن فور ترشيحه ان في مقدمة اهدافه كوزير للخارجية ان يدعم امن اسرائيل. وكأنه يطرد من مستقبله اي احتمال لأن يناله ما ينال هاغل من اتهامات، وكأنه في الوقت ذاته يدعم شروط اسرائيل للتخلص من ترشيح هاغل وزيراً للدفاع (...).

هنا ينبغي ان لا ننسى ان هذه هي اميركا بكل ما تملك من قوة عسكرية وعلمية واقتصادية، وهذه اسرائيل الدولة التي تعيش على ارض سرقتها من الفلسطينيين بقوة السلاح وتعيش وتغتني وتزدهر باموال الولايات المتحدة واليهود الاميركيين ويهود العالم. قد لا يؤدي هذا النفوذ الصهيوني الى انهيار قوة اميركا السياسية والاقتصادية، ولكنه يمكن ان يسهم في تحقيق هذه النهاية المأساوية لأميركا إذا اخذنا بعين الاعتبار ان اميركا وضعت قدميها بالفعل على طريق الانحدار منذ ان بلغ عدد الاميركيين الذين يعيشون بلا عمل هذا العام اكثر من خمسين مليوناً، اضاف اوباما منهم الى قائمة العاطلين خلال سنوات رئاسته الاربع، اكثر من ثمانية ملايين عاطل. ان نسبة خمسة وخمسين في المئة من صغار رجال الاعمال الاميركيين اعلنوا هذا العام انهم لن يبدأوا اعمالا جديدة في ضوء ما يعرفونه الآن عن احوال الاقتصاد الاميركي. ان الولايات المتحدة سقطت في مرتبة المنافسة الاقتصادية العالمية للسنة الرابعة على التوالي هذا العام. ان نسبة ثمانية وأربعين في المئة من الاميركيين اصبحوا من ذوي المداخيل المنخفضة او يعانون الفقر. ان نسبة ثلاثة وخمسين في المئة من الاميركيين الحاصلين على شهادات جامعية يحسبون الآن بين العاطلين او بين الذين يشغلون وظائف لا تشغل كل الوقت.

واذا انتقلنا الى القارة الاوروبية وجدنا حالة الاقتراب من اعلان الإفلاس اقتصاديا تسيطر على عدد من الدول الاوروبية لا يقل عن ثلث هذه الدول. هذا فضلا عن نسبة بطالة تصل الى اثني عشر في المئة. كما نجد ان اوروبا تجد صعوبة حقيقية في المشاركة مع الولايات المتحدة في نفقات حلف شمال الاطلسي السنوية. وان الاتحاد الاوروبي بدأ يخشى التفكك وفقدان بعض اعضائه نتيجة احوالهم الاقتصادية التي لم تتحسن نتيجة الدخول في هذه العضوية. ولعلنا نتذكر الآن ان ما كان يسمى اوروبا الشرقية كان جزءاً من حركة اوروبية تسعى لتكوين كتلة اشتراكية تهتم بمستوى حياة مواطنيها. ثم نتذكر انه قبل اكثر من قرن من الزمان كان الفكر الاشتراكي يغمر اوروبا ويعد بحياة افضل وبمساواة بين المواطنين لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية.

واذا انتقلنا الى أفريقيا نجد ان التردي الاقتصادي يرافق عودة النفوذ الغربي الى بلدان القارة. تزداد وتتوسع القواعد العسكرية الاميركية في بلدان القارة ولا يؤدي هذا بأي حال الى انحسار الفقر في بلدانها. بل انه لا يؤدي الى انحسار الجوع والموت المبكر بسببه.

في آسيا ينقسم العالم الآسيوي الكبير والمزدحم بالسكان بين بلدان يدفعها النجاح الاقتصادي الى المنافسة على الموقع الاقتصادي الاول في العالم - وهو موقع اميركا - وهذا هو نصيب الصين، ولا تزال الصين تعاني - مع ذلك - من فقر واسع الانتشار وثقيل الوطأة. وبلدان اخرى يطحنها الفقر والتخلف والتدخل الاجنبي كما هي حال افغانستان التي حطمها التدخل العسكري الاميركي منذ ان حل التدخل العسكري الاميركي محل التدخل العسكري السوفياتي في اواخر ثمانينيات القرن الماضي. ولا تبدو آسيا في الزمن الراهن اقدر على التغلب على مشكلاتها مما كانت قبل عشرين او ثلاثين عاماً مضت.

لقد حمل عام 2012 الى العالم مساحات واسعة من المشكلات الاقتصادية فضلا عن المشكلات السياسية، ولكن أياً منها لم يتجاوز ما حمله الى الوطن العربي. ولا يستطيع احد في محاولة التنبؤ بما سيكون عليه العام المقبل -2013 - ان يرغم نفسه على تفاؤل لا توجد له اسباب حقيقية. وإذا عدنا الى صورة مصر وسوريا بشكل خاص لا يمكننا أن نأمل في وضع أفضل من ذلك الذي نراه في الأيام الاخيرة من عام 2012. ان البلدين العربيين الكبيرين - بل الأهم استراتيجياً وسياسياً في هذا الوطن - لا ينبئان بحلول لمشكلاتهما وما نتج عن التطورات المفجعة الأخيرة فيهما خلال العام الجديد المقبل.

لهذا لا مفر من ان نقول إنه صحيح أن العالم لم ينته في يوم 21/12/2012 ولكن العالم الباقي ليس افضل العوالم الممكنة. يكفي ان نشير الى التفاوت بين البلدان وبين الافراد لنعرف ان التقدم الذي احرزه الانسان في تاريخه الى الآن هو تقدم معوج ومرتبك وان الانسانية شهدت في ماضيها اوقاتاً افضل. ولهذا نقول إن العالم لم ينته ولكنه لم يعد كما كان الانسان يتصور او يتمنى في ازمنة سابقة وهو يناضل من أجل عالم اكثر عدلاً وتوازناً وتقدماً .. بالمعنى التقدمي للكلمة.
تشاؤم مفرط؟ نعم ولكنه مستمد كله من واقع الإنسان الراهن.

كاتب سياسي ـ مصر
 

2012-12-28