ارشيف من :أخبار لبنانية
سنة اعتدال
فؤاد مخزومي - صحيفة "البناء"
يتساءل اللبناني ماذا تحمل إليه سنة 2013 المقبلة علينا، هل تكون على مثال سابقاتها، على الأقل منذ 2005 تاريخ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، من السنوات العجاف في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية؟
لا شك في أن تماسك الحكومة القائمة بمكوّناتها كافة حتى استحقاق الانتخابات النيابية عام 2013، يساعد على بعض الاستقرار. لكن الوضع الاقتصادي الحالي ينبئ بانهيار محقّق، إذا لم يجرِ العمل جدياً لتدارك الكارثةً. وهنا لا بدّ من تذكير الحكومة القائمة - على الأقل حتى الآن - بأنها باتت حكومة انتخابات، وبالتالي باقتراب يوم المساءلة والحساب الشعبي، وهذا الأمر يستدعي جهوداً مضاعفة لكن مدروسة لأمور الناس المعيشية. فهي محل اختبار في أمور كثيرة وكلها ذات أولوية عند اللبنانيين، تبدأ بحلّ مشكلات الكهرباء والمياه، والتقديمات الصحية والاجتماعية، والأدوية والتعليم ومكافحة الغلاء، وما إلى ذلك من قضايا متصلة بالأمور الحياتية الحيوية. وما ملف سلسلة الرتب والرواتب الذي وضع الحكومة في مأزق، ورُحِّل إلى العام الجديد، سوى عيّنة من بقية الملفات التي نجح السياسيون في جعلها مستعصية على الحل، أو مادة للتجاذب السياسي.
إن المسائل الداخلية المعلّقة كثيرة وتتطلب الشجاعة والإرادة السياسية لإيلائها العناية المطلوبة، ولا سيما منها تلك المرتبطة بالأوضاع الاجتماعية والصحية وقضايا البطالة والهجرة. وكلها ملفات موروثة ليس من 2012 بل منذ 2005، وكثير منها أيضاً انتقل من سنة إلى اخرى منذ اتفاق الطائف. وليس كالدين العام الذي جاوز الستين مليار دولار سوى نموذج لذلك، فضلاً عن قانون الانتخاب العادل ومجلس الشيوخ والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. أما إصلاح الإدارة ومكافحة الفساد، فقد جرى إقصاؤهما كلياً عن أجندات الحكومات وبلغ إهمال معالجتهما مداه الأقصى مع تقاسم الساحة السياسية بين 8 و14 آذار!
نعم «هناك رأي عام ثالث ووسطي في لبنان»، كما قال القائد الوطني النائب وليد جنبلاط. وهو على حق في صرخته هذه. البلد منقسم منذ ذاك الآذار الشهير في 2005 إلى «فسطاطين» 8 و14، بينما أثبتت الأوضاع المتدهورة في لبنان أن حالة المراوحة السياسية والانهيار على كل الصعد تعود إلى الانقسامات العمودية في البلد. وأن الطائفية والمذهبية والفئوية وكل العصبيات المرافقة وضعت مستقبل البلد على كف «عفريت» الحرب الأهلية، وأن الخروج منها يتطلب أن يرتفع الصوت الوسطي. إن تيار الاعتدال والوسطية هو المنقذ للبنانيين مما هم عالقون فيه من تردٍّ في معيشتهم واقتصادهم، وقبل هذا وذاك في أمنهم الهش والخطير في كثير من الأحيان.
على عتبة السنة الجديدة، مطلوب من السياسيين كافة والحكومة تحديداً أولاً فصل السياسي عن الأمني والاقتصادي - المعيشي، وثانياً النأي بلبنان عن التطورات الإقليمية، ولا سيما منها الأزمة السورية. إن نهج الاعتدال سوف يصون لبنان من كثير من المآزق التي يمكن أن يقع فيها إذا وجد التطرّف طريقه إلى الشارع، ليس في الدعوة إلى الاعتدال أو الالتحاق بالوسطية والوسطيين سبيلاً لإنقاذ لبنان، دعوة إلى إقصاء أحد ولا لسيطرة فئة على أخرى، بل هي للقول تحديداً أن في البلد مُتسّعاً للجميع، وأن انتخابات 2013 يجب أن تكون فرصة لتجديد الحياة السياسية على أسس سليمة وديمقراطية، حتى لو سيطرت على المعنيين من كل الاتجاهات مصالحهم السياسية، وبقي التنابذ والتجاذب سمة سلوك السياسيين.
فلتكن سنة 2013، سنة الاعتدال ونبذ التطرف وتعزيز الوسطية نهجاً من أجل لبنان مستقر وآمن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018