ارشيف من :أخبار لبنانية
المفترق
نبيه برجي - صحيفة "الديار"
اذا كنا قد تحدثنا في مقالة سابقة عن ذلك السيناريو الذي يفضي الى كوندومينيوم تركي - اسرائيلي لحكم سوريا، وبالتالي تفكيك الحساسية الجيوبوليتيكية، فضلا عن الديناميكية القومية لهذا البلد، فالذي يحدث عربياً في هذه المرحلة يدخل في ثقافة المضحك المبكي، اذ ان وزير خارجية عربي اجرى اتصالاً عاصفاً بنظير عربي له مهدداً بالويل والثبوراذا ثابرت دولته على التنسيق مع انقرة، وربما مع تل ابيب، لتمكين «الاخوان المسلمين» من ابتلاع السلطة في سوريا وكما فعلوا في مصر...
والمصدر الديبلوماسي الخليجي الذي نقل الينا نبأ الاتصال، اشار الى صراع بين هاتين الدولتين حول من يكون الطرف العربي في تلك الترويكا التي ستتولى الادارة السياسية والاستراتيجية لسوريا بعد زوال النظام الحالي، اي الترويكا بدل الكوندومينيوم باعتبار ان اي سلطة بديلة لن تستطيع الوقوف على قدميها الا اذا كان هناك من يمولها، وبسخاء، إن بسبب الاحتياجات الهائلة لاعادة الاعمار الاقتصادي والسياسي، او لان لوثة العملة الخضراء اجتاحت المقاتلين وشيوخهم وقادتهم والى حدود تثير الغثيان...
والمعلومات البعيدة عن الاداء الفولكلوري للشاشات تقول ان المشهد السوري بات الآن، اجل الآن، اكثر تعقيداً من اي وقت مضى، ودون ان يكون صحيحاً او منطقياً ما قاله نائب لبناني ومثقف من ان الولايات المتحدة هي، حالياً، في حال الانسحاب من الشرق الاوسط، وهو الذي يعلم ان الاميركيين الذي طالما استنزفوا، بالحروب المبرمجة او بالصراعات المبرمجة، الاحتياطيات العربية المخصصة للاجيال القادمة والتي يبدو انها ستعود، وبفعل عبقرية الانظمة، الى زمن «تأبط شراً»، مازالوا في زخمهم إياه للاستيلاء المنهجي على كل العائدات العربية او على القسم الاكبر منها لمواجهة «الهاوية المالية» التي تعيشها الامبراطورية.
ثمة صراع هائل حول سوريا قد يمكن تلمس تفاصيله من خلال الكلام الذي يدلي به السفير الروسي في بيروت الكسندر زاسبكين والذي تحول الى نجم ديبلوماسي واعلامي في الساحة اللبنانية بسبب براعته وقدرته على مقاربة المسائل الحساسة وبلغة عربية راقية ومركزة ولا صلة لها بمقامات بديع الزمان الهمذاني التي يتقنها الساسة او المحللون السياسيون اللبنانيون على الشاشات، فضلاً عن بعض «الخبراء الاستراتيجيين» المفبركين والذين تتعدى رؤيتهم الهشة والساذجة والببغائية للامور حدود الكوميديا السوداء.
واضح تماماً ان الروس لن يرضخوا لواقع معين يُعمل على تركيبه في الشرق الاوسط، ومع اعتبار القوس الممتد من تركيا الى باكستان، ودون اغفال اذربيجان في القوقاز وبعض جمهوريات آسيا الوسطى التي كان قد شق الطريق اليها رجل الاعمال الاسرائيلي النمساوي صمويل ايزنبرغ. وواضح ايضاً ان الايرانيين لن يستكينوا وهم الذين يلاحظون ان ثمة من يدفع لاقامة حلقة فولاذية تحيط بهم فلا يعود لهم من مكان إن في الخليج او في قزوين مع ما لهاتين المنطقتين من حساسية تاريخية وجغرافية بالنسبة الى دور طهران ومستقبلها بل ومصيرها..
هذا المشهد لا يعكسه فحسب تركيب الدرع الصاروخية في تركيا، الاسلامية ايديولوجياً والاطلسية استراتيجياً، ولا منظومات الباتريوت التي قيل انها نصبت لمواجهة حالة الهيستيريا التي لا بد ان تنتاب النظام السوري في ساعاته الاخيرة، كما لا يعكسه فحسب ما ذكر حول اعتزام موسكو تزويد دمشق بصواريخ «الكسندر» التي يدرك الاتراك، وغير الاتراك، مدى قدرتها التفجيرية فضلاً عن فعاليتها في اختراق او في تضليل الباتريوت...
بكل معنى الكلمة هناك اشباح تلعب في الظلام. وآثار هذا اللعب ستظهر على نحو دراماتيكي في اكثر من بلد يشارك في الصراع داخل سوريا او حول سوريا. وهذا ليس تهويلاً، ففي الاروقة الخلفية كلام كثير، وواثق، حول عمليات استخباراتية كبرى قد تفضي الى تفجير صراعات او مواجهات لم تكن في الحسبان. بالطبع لم تكن في حساب احمد معاذ الخطيب ولا جورج صبرا ولا برهان غليون ولا محمد رياض الشقفة الذين تم تصنيعهم على طريقة تصنيع تماثيل الشمع...
لا يعني هذا ان سوريا تتجه الى الخلاص بل الى ما هو اشد هولاً من الخراب، فاللاعبون كثر، واحمد معاذ الخطيب الذي يدار كما غيره بالخيوط الذهبية، يرفض اي حوار الا اذا كان يعني تنحي الرئيس بشار الاسد مع انه يعرف ان المسألة اكثر تعقيداً بكثير من ان تكون مسألة شخص، وان حالات انفصالية باتت جاهزة، بما في ذلك «الامارات الافغانية» في ريف ادلب وصولاً الى المدينة نفسها وفي ريف حلب وصولاً الى المدينة نفسها..
ولعل الذي يثير الاستغراب هو رفضهم القطعي لترشح الرئيس الاسد في انتخابات عام 2014، وفي ظل نظام جديد ودستور جديد، مع انهم يؤكدون ان القاعدة الشعبية للرجل قد ذابت في لعبة الدم التي مارسها النظام، بكل اهوالها، على مدى العشرين شهراً المنصرمة. يقولون المسألة مسألة مبدأ اذ كيف لمن تلطخت يداه بالدم ان يعطى ذلك الحق الدستوري، كما لو ان الآخرين كل الآخرين لم يذهبوا في الهذيان الدموي الى حدوده القصوى، وبإدارة خارجية لا تمت للمصلحة السورية بصلة فهل يعتقد احمد معاذ الخطيب انه في منصبه الحالي يجلس فوق اريكة من ريش النعام لا فوق اريكة من الجماجم؟
الازمة السورية امام المفترق: اما التسوية او الانفجار الكبير الذي لن ينجو منه احد في المنطقة...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018