ارشيف من :أخبار لبنانية

سنة في مصعد فندق أوروبي ...

سنة في مصعد فندق أوروبي ...

جان عزيز - صحيفة "الاخبار"


حين نحاول استذكار أعوامنا الماضية من هذه الحياة في هذا البلد، نجد صعوبة كبيرة في استعادتها سنة فسنة. يختلط علينا معظمها. كأن أيامها كانت في حالة ذوبان، أو كانت هيولية البعد زمنياً. أين كنتُ سنة 1979؟ ماذا حصل سنة 1997؟ أحياناً كثيرة لا نجد جواباً. مع أننا لم نفقد الذاكرة بعد، ولم يعترها ضعف التعداد ولا التذكار. فجأة ندرك أننا لا نقدر على استحضار ما مضى من السنين، إلا مجموعات، أو رزماً. لا مفرد فيها، ولا مفردة مفيدة. كأن أعوامنا في العقود الأربعة الماضية لم تكن تعترف بآخر ليلة من كانون الأول، ولم تكن قد اكتشفت بعد رونامة الوريقات الصغيرة، ولم تخضع قط لطقوسية رأس السنة. كأنها مضت على رأسها هي، ووفق روزنامتها الخاصة. متمردة على أجنداتنا، ثائرة بلا ثورة ولا ثوار، ولا ربيع طبعاً. حين نجهد ذاكرتنا، أقصى ما يمكننا معرفته أن أعوامنا المنصرمة تجمعت فعلاً في حقب. خافت ربما أن تكسرها عواصف زمننا، أو تلوي قساوة أيامنا عنق الواحدة منها، الطري الهش. تراصفت أعوامنا حول حولياتها، تراصت حزماً عريضة، قبل زمن حزم الإنترنت، لتعبر في مضيق حيواتنا في هذا البلد، آمنة من كل ضيق، تاركة لنا وهم تعداد السنوات والرؤوس.

 هكذا لا نتذكر مما مضى، إلا «أعوام الحرب»، من 75 إلى 90، أو «أعوام الوصاية» أو الطائف أو الأوصياء والطائفيين، من 90 إلى 2005، وصولاً إلى أعوام السراب وكل المفاهيم الهجينة المستمرة، منذ «استقلال 05» حتى اليوم.

 سنة 2012 في ذاكرتنا صورة نموذجية نمطية عن تلك الحال. استمرار زمني حرفي لما سبقها. أمس تكاذبنا معها. تنافقنا بوعي طوعي إرادي كامل، لحظة تمزيق الورقة الأخيرة، من سنة الدزينة بعد الألفين. سهرنا على ليلتها، واهمينها ومتوهّمين أنها على طلق أن تنجب، فيما لا وعينا ساهر حتى يتأكد أنها رحلت ولن تعود. ودعناها وداع من لم يأت أو لم يكن أصلاً. ضحكنا عليها لحظات، شماتة وثأراً وانتقاماً وتشفياً، بعدما أبكتنا أياماً وشهوراً. فصلنا بها ردحاً من عمر، هي من أعملت فينا فصلاً وفصلاً حتى الأربعة. بعضنا كسر صحوناً على رأسها، بعدما كسرت لنا أكثر من حلم، وقلبت لنا أكثر من رأس على عقب. وبعضنا الآخر اكتفى بالرقص على أنفاسها الأخيرة، كما قبائل ما قبل الزمن، حتى لفظتها ولفظناها...

 ما الذي سنحفظه منها؟ ما الذي حفر فينا من أسنانها والسنن؟ ماذا نعلق في بالنا وعلى جدران ذاكرتنا من بقاياها، على أنه شخصية العام؟ هل نختار في السياسة مقاطعة بعضنا وانقطاع حوارنا وتقطيع الوقت وقطعاً مبعثرة من حكومة مفترضة واحدة، وتعبير عجائزنا الحكماء: «قطيعة»؟! أم نختار في الاقتصاد ضائقة مالية وحقوقاً مقطرة بشق النفس والتظاهر والإضراب، حتى انقطاع النفس، انقطاعٌ لم يوفر نفس سيجارة؟ وحده الأمن يوسع مروحة خياراتنا، فيفتح أمامنا آفاق الاغتيال، أو خطف الفديات المعروفة الهويات والمجهولة النهايات، أو الخطف الثوري المنظم، مع نجم الشاشة اللبنانية للعام 2012 من دون منازع، ابو ابراهيم، أو الخطف العفوي الرد ــ فعلي المأزوم المهضوم، مع الأجنحة العائلية العسكرية. وصولاً في الأمن دائماً إلى سر ميشال سماحه، وخفر «فيلانتروب» القرن الواحد والعشرين، عقاب صقر، مروِّب حليب الأطفال ومذهِّب «ستر عورات النساء»، كما وصف نفسه منصفاً... حتى إذا صعب علينا الخيار، لم نعدم خياراً، إذ حتى هذا اكتشفنا له حلاً سنة 2012: ننأى بأنفسنا عن كل اختيار، وفق أبرز اختراع لبناني فذ، منذ قرون ونفوس.

 ومع إدراكنا لكل ذلك، نفتح صفحة جديدة، نعمِّدها سنة. نستبشر بها ونتفاءل. كأن الواحد الذي في رقمها سيتحول في عيوننا الغائمة عصا سحرية، لا مجرد رقم يستكمل رمز الـ13 الشهير فيها. نحمِّلها كل أمنياتنا والأحلام، لا لأننا لم نفق بعد من سكرة الليلة الأخيرة، ولا لأن تكرار زمننا في دوائر لا تنكسر قد حولنا مجانين. بل لأننا ندرك أن الأمل، ولو فسحة، أهم من خبزنا والأوكسيجين. مع اننا نعرف أنها سنة مفردة، تنتظر سواها لتقسو معها، وعلينا. وفي الأثناء ستكون مقيمة معنا، حتى تنجلي حقبة، فتصير مع أخواتها حزمة أخرى، وتمضي. وفي الأثناء ستبدو استنساخاً سيئاً، فاشلاً، مشوهاً لسنة مضت، من حقبة ممضة لم تمض. مع أنها تحاول الإيحاء لنا بأنها حبلى، وإن بدنس. فتغرينا بروزنامة غاز ونفط ومحكمة دولية وانتخابات وطبعاً خيبات...

 في مصاعد بعض الفنادق الأوروبية، غالباً ما يحذفون رقم 13 توجساً. فتمضي بك سكة ودواليب وعلبة مقفلة، مباشرة من الـ12 إلى الـ14 صعوداً. في هذا المكان البلدي المتبلد، كل الصورة مطابقة: وطنٌ فندق، ونظام سكة، وزمن مدولب، ومستقبل معلَّب، وصعود نحو الهاوية... هل من يحذف من عمرنا سنة الـ13 لنسرع في اكتشاف الما بعد؟

2013-01-03