ارشيف من :أخبار لبنانية

ســور الحـمـايـة للـغــاز والـوطـن

ســور الحـمـايـة للـغــاز والـوطـن
ادمون صعب ـ "السفير"

بينما كان اللبنانيون يغرقون في اليأس ويستعدون لوداع عام بالتهافت على المنجمين، والعرافين وكاشفي «البخت»، كان الإسرائيليون يدشنون أكبر منصة لضخ الغاز الطبيعي في منطقة المتوسط. وهي المنصة التي لا تزال حلماً في خيال اللبنانيين الذين ينتظرون منذ سنوات ان يفيق سياسيوهم من غفوتهم، ويتجاوزوا خلافاتهم، ويسبقوا الإسرائيليين إلى استثمار الثروة الغازية، والنفطية كذلك، الغارقة في بحرهم، والتي يكاد تشكيك بعضهم ببعض، ومن سيدير هذه الثروة الجديدة، ومن سيقطف ثمار عمولاتها، وماذا ستكون طائفته ومذهبه، يفقدها قبل استثمارها.

وفي درس للبنانيين الذين بدوا مثل العميان الذين رزقوا طفلا فأضاعوه بـ«البقبشة» على ما يقول المثل قال وزير الطاقة الإسرائيلي عوزي لانداو: «بفضل الإيمان، والإرادة، والرؤية، وصلنا إلى استقلال الطاقة الإسرائيلية».

اننا نتوجه إلى المسؤولين الكبار في الدولة، سابقين أضاعوا فرصاً كثيرة وسايروا من سايروا في موضوع الثروة الغازية والنفطية وفي مقدمهم الرئيسان فؤاد السنيورة وسعد الحريري، والحاليين الذين أهدروا وقتاً كبيراً في البحث عن جنس الملائكة، وكم شيطاناً يستطيع الوزير ان يوقف على رأس دبوس، بينما الإسرائيليون يستدرجون استثمارات بمليارات الدولارات، إذ ان المنصة وحدها كلفت مليار دولار. نتوقف لنسألهم: ألا تخجلون من أنفسكم وتالياً من شعبكم الذي تستعدون لطلب ثقته بعد أشهر قليلة بداعي احترام إجراء الاستحقاقات في أوانها، بإضاعتكم الوقت في الانقسامات، ومقاطعة بعضكم الحوار مع البعض الآخر وتعطيلكم المؤسسات وفي مقدمها مجلس النواب، كما تهددون الاستقرار بالمراهنة على تطورات الوضع في سوريا، ومن سيستأثر بالحكم، وبالتالي بخيرات الثروة النفطية إذا قدر الله وأوصلها إلى أيدي اللبنانيين سالمة غير مسلوبة حصصاً طائفية ومذهبية، واتاوات، وعمولات كما هو حاصل حالياً في العراق الفقير ـ الغني؟

بالطبع من يكن هكذا سلوكه، فلا بد من ان يفتقر إلى الإيمان الذي أشار إليه الوزير الإسرائيلي، وكذلك إلى الإرادة الواحدة والرؤية الوطنية الواضحة المفقودتين بدورهما. وهذا معيب ومخجل.

لقد اعتبرت إسرائيل ان نجاح ضخ الغاز من حقل «تمار»، بعد «ماري ب»، ثم لاحقاً من حقل «لفيتان» وسواها سيشجع المستثمرين على توظيف المزيد من الأموال في الاستكشاف والاستخراج، تساعدهم على ذلك أجواء الاستقرار في إسرائيل، بينما يخشى لبنان ان يؤدي عدم الاستقرار فيه، وتحريض المعارضة للخارج على حكومته، إلى انكفاء رؤوس الأموال عن المشاركة في المشاريع الغازية اللبنانية، واشتراط أصحابها وجود فريق في الحكم «يؤتمن» على المال من اجل الإقبال على التوظيف في هذه المشاريع، الأمر الذي سيزيد مصاعب لبنان الاقتصادية والمالية، فضلاً عن زيادة مستوى المديونية التي تجاوزت أرقامها الستين مليار دولار، وخصوصاً بعد تراجع نسبة النمو إلى ما دون الصفر، بينما بادر رئيس المصرف المركزي الإسرائيلي ستانلي فيشر إلى تحديث توقعات النمو الاقتصادي في البلاد برفعها إلى مستوى أعلى مما كان متوقعاً، بفضل تركيب منصة النفط.

ويرى مراقبون في سعي إسرائيل إلى وقف النار في غزة، والمحافظة على قرار وقف العمليات الحربية في لبنان منذ آب 2006، والنظر إلى تهديدات «حزب الله» لإسرائيل بأن المقاومة ملتزمة الدفاع عن الحقول الغازية اللبنانية في حال تعرضها لأي اعتداء أو اغتصاب لأجزاء من حقوق لبنان النفطية مما سيعرض المنشآت الغازية الإسرائيلية لنار الصواريخ اللبنانية وان قبول إسرائيل بهذا «الستاتيكو» مع لبنان وفلسطين، إضافة إلى تداركها تداعيات أي تدخل عسكري مباشر في أحداث سوريا، له ترجمة إسرائيلية ـ أميركية واحدة هي معادلة الاستقرار في مقابل الامتناع عن العدوان.

والاستقرار هو الكلمة السحرية التي طلب المجتمع الدولي من لبنان الأخذ بها والتضحية بكل شيء من أجلها، لأنها ثروة لا تقدر بثمن وهذا ما أخذ به الرئيس ميشال سليمان والرئيسان نبيه بري ونجيب ميقاتي، على أمل ان يستفيق الضمير الوطني لدى فريق المعارضة، الرافض للحوار، والمحرّض للخارج على المالية والاقتصاد الوطنيين، وما ينجم عن ذلك من أضرار تصيب الشعب اللبناني بكامله، بمزيد من الإفقار والعجز.
ولقد كان الرئيس ميقاتي صادقاً، في الاحتفال الوداعي للسنة 2012 في السرايا، عندما ناشد الجميع، موالين ومعارضين، «إبعاد خلافاتهم عن الوطن»، داعياً الجميع إلى حماية مقوماته، «وأولها الاستقرار، بكل جوانبه، الأمني، والسياسي، والاجتماعي والاقتصادي»، على ان تكون حماية الاستقرار بالحوار وبأن يعي الجميع مصلحة لبنان، وعدم «جعل الخلافات والاختلافات مطرقة تهدم سور الحماية لوطننا، أو تقطع حبل الأمان والأمل للبنانيين».
فمن أجل الاستقرار يجب ان يعاود الحوار، ويصاغ قانون جديد للانتخاب، وتتألف حكومة جديدة تدعم الاستقرار وتوحي بالثقة مجدداً بلبنان وبمؤسساته.
2013-01-03