ارشيف من :أخبار لبنانية
حصاد 2012 في دار الفتوى: أزمة مفتوحة بين قباني و«المستقبل»
لينا فخر الدين - صحيفة "السفير"
انقضى العام 2012، ولم تنته أزمة «المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى»، لا بل دخلنا عاما جديدا على وقع ملف متفجر في العلاقة بين مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني و«تيار المستقبل». الأسباب كثيرة ولكن النتيجة واحدة: «انقطاع حبل السرة» بين الطرفين.
حصاد الـ2012 في «عائشة بكار» غني بالمفاجآت بين «طرفي النزاع». بدأ هذا العام بدعوة قباني إلى انتخابات مجلس جديد وانتهى أيضاً بدعوة لانتخابات كان من المزمع إجراؤها في 30 كانون الأول الماضي. ليست الدعوة وحدها ما يجمع «أوصال» العام بين بدايته ونهايته، فأيضاً رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كان «نجم الدار»، إذ قدم مبادرتين لحلّ الأزمة في عام واحد: الأولى، نجحت في تأجيل الانتخابات في 22 نيسان الماضي وتشكيل لجنة لدرس سبل تطوير المرسوم الاشتراعي رقم 18 المتعلّق بتنظيم دار الفتوى (من دون أن تفضي اللجنة إلى أي نتيجة)، والثانية، لم يكتب لها النجاح في تأجيل الانتخابات ثلاثة أشهر (أي إلى شهر آذار المقبل)، مع ربطها بالتمديد للمجلس الحالي.
أما «التيار الأزرق» فقد عرف كيف «يطابق حسابات الحقل مع حصاد البيدر». في بداية العام 2012، هوّل «المستقبل» وأخرج كلّ «أسلحته البيضاء» لثني المفتي عن موقفه في الدعوة إلى «انتخابات نيسان». الأسلحة نفسها استخدمت في نهاية العام المنصرم، غير أنها لم تفلح في إعادة المفتي إلى «طريق الهدى»، كما يعتقدون. وبالرغم من ذلك، استطاعت «السادات التاور» أن تقتنص تمديداً للمجلس الحالي، بجلسة لم يدع إليها المفتي قباني ولم يحضرها، فترأس نائب الرئيس عمر مسقاوي الجلسة «على الدرج»، ليجدّد المجلس لنفسه.
وبشحطة قلم، تبدى «مشهد سوريالي» حظيت معه الطائفة السنية للمرة الأولى في تاريخها، وبفضل حسابات «المستقبل»، بمجلسين شرعيين مع بداية الـ 2013، إذ ان المجلس الممدد له «على عتبة دار الفتوى» مصرّ على إكمال ولايته حتى نهاية العام الجاري، في حين أن دار الفتوى تستعدّ لإجراء انتخابات مجلس جديد في منتصف شهر شباط المقبل.
هذا ليس «المكسب الوحيد» الذي حصّله «المستقبل»، بل كذلك «أنعم» القضاء على «التيار الأزرق» بقرار صادر عن مجلس شورى الدولة يقضي بوقف تنفيذ الدعوة لاجراء الانتخابات في نهاية كانون الأول الماضي.
خلاصة واحدة يمكن الخروج بها من أفواه «المستقبليين» جميعاً: لا انتخابات في ظلّ الواقع الموجود حالياً، لا سيما بوجود ميقاتي على رأس السلطة التنفيذية. بالطبع لا يستطيع هؤلاء المجاهرة بموقفهم، غير انهم يحاولون اختلاق الحجج التي تعرقل إنتاج مجلسٍ جديد، سيكونون فيه أبرز الخاسرين.
جلسة التمديد ما لها وعليها
في جردة حساب الـ2012، يمكن القول إن القوانين المرعية الإجراء، من المرسوم 18 إلى النظام الداخلي للمجلس الشرعي، كانت أهم المستندات التي دارت في فلكها أزمة «المجلس الشرعي». بالنسبة لـ«المستقبل»، فإن «جلسة التمديد» بغياب المفتي كانت قانونية مئة بالمئة، يتكئ هؤلاء على المادتين 47 و48 من المرسوم 18، في حين يتسلّح المفتي بالمادة 41، وبالمادتين 47 و48، أيضاً.
هذا ليس كلّ شيء. يشير قانونيون إلى أن الدعوة إلى جلسة التمديد على عتبة دار الفتوى، كانت غير قانونية أيضاً، إذ إن الامين العام للمجلس الشرعي الشيخ خلدون عريمط قام بتوزيع دعوة عمر مسقاوي الى الاجتماع على اعضاء المجلس، مع انه سبق له أن ابلغ قباني انه تلقى الدعوة ولن يوزعها لأنها تتضمن مخالفة ولا يحق الا لرئيس المجلس وهو مفتي الجمهورية ان يوجه الدعوة.
النقطة الثانية ان «الدعوة حصلت في الليلة التي سبقت الجلسة أي قبل ساعات من عقدها. كذلك فإن الدعوة وجّهت عبر الهاتف ولم توجه خطياً»، على حدّ قول القانونيين أنفسهم. ويستغرب هؤلاء «كيف أن قباني لم يصدر قرارا بإبعاد عريمط عن الأمانة العامة، إذ يوضحون أن الأمين العام لم يكتف بتوجيه الدعوة لجلسة التمديد بل انه احتفط بقرار التمديد 20 يوماً قبل أن يبلغه لقباني».
وبعيداً عن المكان الذي عقدت فيه الجلسة، أي بهو دار الفتوى، فإن ما صدر عن الجلسة من قرارات يعتبر أيضاً غير شرعي. كيف؟ يجيب القانونيون أنفسهم أن الذين حضروا «جلسة التمديد» كانوا 16 شخصاً، في حين أن الذين وقعوا على المقررات كانوا 21 عضواً. يشرح هؤلاء ظاهرة تواقيع «الدليفيري»، إذ وصل محضر الجلسة إلى منازل خمسة أشخاص ليوقعوا عليه، وبينهم نائب حالي ورجلا دين معروفان.
«هيئة علماء المسلمين» ترفض «الانقلاب»
وفي هذا السياق، يصف عضو «هيئة العلماء المسلمين» في لبنان الشيخ همام الشاعر ما حصل في جلسة التمديد بأنه «كان عمل انقلابياً». ويلفت الانتباه إلى أنه كان من المفترض أن يحضر جلسة التمديد أكثر من 20 عضواً لتأمين النصاب، موضحاً أن «قرار التمديد يعدّ بحكم التعديل، أي انه قرار غير معهود كالقرار الاستثنائي، وبالتالي يحتاج إلى حضور ثلثي الأعضاء».
ويضيف: «أما إذا تجاوزنا هذه المسألة، واعتبرنا أن الجلسة كانت عادية لا استثنائية فإنها أيضاً كانت غير شرعية، لأنه كان يتوجّب حضور 20 عضواً، في حين ان المتواجدين كانوا 16 فقط».
وبشأن الدعوة إلى انتخاب مجلس شرعي جديد في شباط المقبل، تؤكد مصادر «المستقبل» ان «الدعوة غير قانونية لأنه لا يحق للمفتي أن يدعو من دون العودة إلى «المجلس الشرعي»، مشددةً على أن «المجلس الحالي باقٍ حتى إجراء الانتخابات التي يجب أن تكون قانونية، وذلك بقوة القانون وبقرار التمديد وما صدر عن مجلس شورى الدولة».
مطالعة قانونية
أما عن قرار مجلس الشورى، فقد حضّر أحد القانونيين، الذي تأخذ دار الفتوى برأيه، تشريحاً مفصلاً لقرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ الدعوة للانتخابات التي كان من المزمع إجراؤها في 30 كانون الأول الماضي، ويوضح فيه أنه «عملاً بأحكام المادة 77 من نظام مجلس الشورى فإنه يشترط لقبول وقف التنفيذ أن يكون العمل الإداري المطعون فيه هو عبارة عن قرار إداري أي انه قرار نافذ وضار»، مشيراً إلى أن «النفاذ يعني أن يكون العمل الإداري منتجاً لآثار ومفاعيل قانونية من شأنها التأثير في الوضعية القانونية أو المادية للاشخاص المعنيين، أما شرط الضرر فيتمثّل بأن يكون تأثير هذه المفاعيل سلبياً أي من شأنه أن يعدل ويبدّل من هذه الوضعية».
ويؤكد أن «القرار المطعون فيه (أي دعوة المفتي إلى الانتخابات) لا يشكّل قراراً إدارياً نافذاً وضاراً بحد ذاته، وهو بذلك يندرج ضمن إطار القرارات والأعمال التحضيرية والتمهيدية التي لا تقبل الطعن على حدة، وإنما تبعاً للقرار النهائي الذي تمّ من خلال إعلان نتائج الانتخابات، وذلك باعتبار أن قرار الدعوة للانتخاب يبقى عملاً منفصلاً لا يقبل الطعن منفرداً عن قرار إعلان نتائج الانتخابات».
ومن جهة ثانية، يلحظ القانوني انه إضافةً إلى ذلك، وإذا ما اعتبرنا أن القرار يقبل الطعن أمام مجلس الشورى، فإن «المادة 77 المذكورة نصت في فقرتها الثالثة انه لا يجوز وقف التنفيذ إذا كانت المراجعة ترمي إلى إبطال مرسوم تنظيمي أو إلى إبطال قرار يتعلّق بحفظ النظام أو الأمن أو السلامة العامة أو الصحة العامة، في حين أن القرار المطعون فيه بطبيعته هو من القرارات الإدارية التنظيمية فضلاً عن كونه وهذا ما تدلي به الجهة المستدعية ــ من القرارات التي تمس الانتظام العام والسلم المجتمعي، الأمر الذي يؤدي إلى عدم قابليته لوقف التنفيذ».
ويستطرد أن «الدستور يصف الطائفة في لبنان بأنها عبارة عن شخص معنوي عام مستقل عن الدولة، وبالتالي فإن المهام المناطة بكلّ طائفة تجعلها متوليّة لوظائف تقوم على ثلاثة عناصر هي: سلطة، نشاط، غاية، أي بمعنى آخر اعتبار هذه الوظائف بأنها عبارة عن تنفيذ لمرفق عام».
ويشرح: «بما أن مهام الطائفة في لبنان تصل إلى وصف المرفق العام، فإن هذا الأمر يستتبع خضوع الأخير إلى المبادئ العامة التي كرسها العلم والاجتهاد ومنها مبدأ الاستمرارية الذي له مدلولات سياسية وسيادية، مفاده أن النشاط المرفقي يجب أن يستمر بصورة مطردة دون أي توقّف طالما أن المصلحة العامة لا تبرره سواء في الظروف العادية والاستثنائية».
ويضيف القانوني: «وفي الحالة الأخيرة تظهر أهمية هذا المبدأ في وجوب التزام الشخص المكلّف تحقيق المرفق العام في اتخاذ كلّ التدابير الكفيلة بمواجهة أي طارئ قد يعيق استمراريته كحالة منع حصول انتخابات بغية تشكيل وحدات وأجهزة تسهر على حسن سير العمل فيه»، لافتاً الانتباه إلى أن «قرار مجلس الشورى يشكل هدراً لمبدأ الاستمرارية ذات القيمة الدستورية».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018