ارشيف من :أخبار لبنانية

نبحث عن وطن... يبحثون عن إنتخابات

نبحث عن وطن... يبحثون عن إنتخابات

جورج علم - صحيفة "الجمهورية"

 إكتملت المواصفات، فندق مريح، وقاعة إجتماعات مجهّزة، ونوّاب مشحونون بالوطنية، وتنتظر جيوبهم المال الحلال كي يقرّوا "صفقة" الإنتخابات، فيما الوطن في مكان آخر، يبحث عن أشلائه المبعثرة ما بين مربّعات أمنيّة، وأخرى مذهبيّة، وثالثة عصيّة على السيادة الوطنيّة، ورابعة في طور النموّ والتمدّد تحت شعار الإعتبارات الإنسانيّة.
 
يحاولون التقرّب من المواطنين، والدفع بهم إلى التلهّي بالإنتخابات، وإيهام الرأي العام بالتغيير الديموقراطي، فيما الأخطبوط يبقى هو هو، تتنوّع أطراف، وتتبدّل وجوه، ويبقى الزلع والبلع موضة رائجة، وإذ بالأرقام والوقائع تعرّي طغمة إفتعلت بالفساد، وتريد قانون إنتخاب على قياس مصالحها، وتريد إنتخابات تجدّد لها البيعة للتشبث أكثر فأكثر في ضرع الدولة، واحتكار السلطة ولو عن طريق المداورة في الوجوه والأسماء.
 
يكثر الحديث عن أزمة إسمها قانون الإنتخاب، فيما هي أزمة وطن، وأزمة نظام، وعندما تدعو أعلى مرجعيّة في الدولة إلى الحوار، ولا تُستجاب دعوتها فمعنى ذلك أنّها دولة داشرة لا مرجعيّة لها، وكلّ فاتح على حسابه، وهذا يقود إلى التسيُّب، والتسيُّب إلى الإنحلال والتلاشي، فقبل الإنتخابات لا بدّ من معالجة وضعيّة المرجعيّة، ولا بدّ من احترامها، وتحصين منعتها، واستعادة صلاحيّاتها كي تستطيع أن تمارس دور الربّان الفعليّ الذي أقسم اليمين الدستوريّة على قيادة سفينة الوطن إلى شاطئ الأمان.
 
إنّ المواطن مع الإنتخابات، ولكن وفق القناعات التي يؤمن بها، لا تلك التي تُفرض عليه من خلال قانون إنتخابيّ معروفة نتائجُه سلفاً وقبل أن تفتح صناديق الإقتراع. إنّه مع الإنتخابات عندما يُترك له المجال لممارسة حقّه الديموقراطي بحرّية بعيداً عن أيّ ضغط أو إبتزاز أو إستغلال.
 
ومع الإنتخابات ليس احتراماً للمُهل، ولا إلتزاما بالمواعيد الدستورية، بل للتأكيد على التغيير، حتى ولو كانت فرصُه ضعيفة، وإمكانيّاته شبه معدومة، نتيجة العقليّة السائدة، والسياسات الخاطئة التي نجحت في تجويف الدولة ومؤسّساتها، وتعميم المذهبيّة والطائفيّة على حساب المواطنيّة، وزيادة المربّعات الأمنية المحصّنة بالكيديّات، والمحسوبيات، على حساب الشأن العام.
 
إنّ إنتخابات تجري في ظلّ الأوضاع السائدة ربّما أدّت إلى تعميق الإنقسام، وتعميم الإنحطاط السياسي والوطني، وإفساح المجال أمام الضيوف كي تكون لهم الكلمة الفصل في تحقيق أهدافهم الكبرى على حساب الثوابت الوطنيّة.
 
قبل الإنتخابات لا بدّ من إعداد الناخب وتحريره من عبء الطائفيّة والمذهبيّة، وترشيده نحو المواطنية الحقّة، وحمايته من سطوة السلاح والمال والإقطاع، والضغوط الماديّة والمعنويّة، والإبتزاز على الصعيد الوظيفي والصحّي والمعيشي. إنّ هذه العوائق تمنع حصول التغيير المطلوب، وعندما يستحيل حصوله، فلا معنى لأيّ إنتخابات، ولا جدوى يُذكر منها، ويبقى عدم حصولها، أفضل ألف مرّة من إجرائها طالما ستعود الوجوه نفسها، والتوازنات أيضاً، مع تغيير طفيف، وفي هذه الحال يصبح من الأجدى تجيير المبالغ المرصودة، لمصلحة الخزينة ربّما تغطّي زيادة سلسلة الرتب والرواتب لموظّفي القطاع العام!.
 
لقد قالت الدول الكبرى كلمتها، وأعطت تأشيرة العبور إلى الانتخابات كونها حقّاً دستوريّاً، لكن ماذا عن الحقوق الأخرى المسلوبة من الوطن؟ وما الجدوى من الانتخابات إذا كان السلاح اللاشرعي أقوى من السلاح الشرعي، وإذا كانت الغاية من اقتنائه تصفية الحسابات ما بين الطوائف والمذاهب، وتعميم الفوضى المسلّحة، وتقويض الأمن والإستقرار الداخلي.
 
وما الجدوى منها إذا كان السلاح الفلسطيني داخل المخيّمات وخارجها يكرّس أمراً واقعاً لم تتمكّن المعالجات من ابتكار المخارج المساعدة على ضبطه وتحاشي فوضاه، وإذا كان التوطين يتحوّل إلى حقيقة يوماً بعد يوم، وخطوة إثر خطوة، إن من خلال توسيع هامش المطالب التي ترتدي عباءة الحقوق الإنسانيّة، أو من خلال غياب المبادرات الخارجيّة التي تؤكّد على حقّ العودة.
 
ويأتي النزوح السوريّ ليشكّل عبئاً تتضخّم مظاهره وتداعياته يوماً بعد يوم من دون تحديد أيّ أفق زمنيّ طالما إنّ الحسم العسكري لا يزال سيّد المواقف كلّها في ظلّ غياب المبادرات السياسيّة الهادفة إلى وضع سوريا على سكّة مرحلة إنتقالية جديدة.
 
إنّ وطناً مسكوناً بالهواجس المصيريّة المقلقة، يتأرجح على حافة فتنة مذهبيّة، ويتأقلم تدريجيّاً مع خطر التوطين، وعبء النزوح المفتوح على كلّ التداعيات، في ظلّ دولة مفكّكة الأوصال، تتناهشها حيتان الطائفية، وإقطاع الفساد السياسي والأخلاقي، يستأجر فندقاً ليبحث النوّاب عن الانتخابات، بدلاً من أن يبحثوا عن وطن حوّلوه إلى فندق "كِل من إيدو إلو".

2013-01-04