ارشيف من :أخبار لبنانية

الحوار الوطني إلى جلسة جديدة... بلا موعد

الحوار الوطني إلى جلسة جديدة... بلا موعد

نقولا ناصيف - صحيفة "الاخبار"

لن تقلّل خطورة ملف النازحين السوريين والفلسطينيين من أهمية استحقاق وشيك مطلع الأسبوع هو التئام اللجنة الفرعية لقانون الانتخاب. وشأن ملف النازحين الذي تحيله تفاصيله مدخلاً لانقسامات وخلافات بين الموالاة والمعارضة، والموالاة والموالاة، لقانون الانتخاب حصة. 


عدم الذهاب إلى طاولة الحوار الوطني في 7 كانون الثاني كالذهاب إلى اجتماع اللجنة النيابية الفرعية لقانون الانتخاب في اليوم التالي. كلاهما يسبقه التباس مزدوج: الحوار الوطني بشروط، والاتفاق على قانون الانتخاب بشروط. موقفان سلبيان يقودان إلى خلاصة واحدة هي تعطيل الاستحقاقين في آن واحد:

 الأول بات واقعه معلوماً وهو رفض قوى 14 آذار المشاركة فيه قبل إسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. تبعاً لذلك يُنتظر أن يصدر اليوم عن رئاسة الجمهورية بيان يعلَن فيه تأجيل التئام الحوار الوطني المقرّر الإثنين، من غير تحديد موعد الجلسة المقبلة.

 أما الثاني، فيبدو أكثر غموضاً في المسار الذي يسلكه. ومع أن معظم الأفرقاء المعنيين باللجنة الفرعية لقانون الانتخاب، وأخصّهم الممثلون فيها، يشيعون باكراً نيّات طيّبة عن استعدادهم للخوض بإيجابية في الاقتراحات المطروحة على جدول أعمال يقتصر على بندي نظام الاقتراع وتقسيم الدوائر، إلا أن طبيعة الاتصالات الجارية بعيداً من مجلس النواب، بين أفرقاء قوى 8 و14 آذار كلٌ مع حلفائه، لا تتحدّث عن تصوّر مشترك لإمكان الاتفاق على البندين المعلقين يسهل إخضاعه للمناقشة من أجل التفاهم عليه. يذهب الطرفان وكلٌ منهما يحمل المشروع الذي يرفضه الآخر ولا يملك بديلاً منه. الأمر الذي يحيل اجتماع اللجنة الفرعية صورة مكمّلة عن جلسات اللجان النيابية المشتركة، التي انتقلت من الخوض في مشروع قانون النسبية إلى تبادل الاتهامات بين نواب 8 و14 آذار. آل ذلك إلى اقتراح لجنة فرعية تحصر عملها في البندين الأكثر استعصاءً على اتفاق مشترك وتنكبّ على درسهما. مذ أن أبصرت اللجنة الفرعية النور واجتمعت لأول مرة في 16 تشرين الأول لم يتغيّر شيء من حولها. لا يزال الجدل الذي أحاط بجلسات اللجان المشتركة يسابقها إلى اجتماع 8 كانون الثاني. وما أصرّ عليه الطرفان حينذاك لا يزال نافذاً بعد انقضاء أكثر من نحو شهرين ونصف شهر على الاجتماعين الأولين للجنة الفرعية.

 ومع أن الحوار الوطني وقانون الانتخاب غير متلازمين، ولكل منهما مسار مستقل، أضحيا في قلب سلّة المآزق التي تضع بين يدي قوى 8 و14 آذار فيتوات المنع المتبادل وتشلّ الخيارات البديلة.

 لم يُلغِ تعطيل جلسة الحوار الوطني تمسّك رئيس الجمهورية ميشال سليمان بالإصرار عليه اعتقاداً منه بأنه لم يكتفِ بإبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين طرفي النزاع إلى طاولة واحدة وجهاً لوجه، بل أرسى قاعدتين تمثلان إنجازاً مهماً في مرحلة متقلّبة وبين أفرقاء لا يجمع بينهم سوى التناقض: أولاهما التوافق على سياسة خارجية للبنان في منطقة تغلي بالاضطرابات والفوضى عبّر عنها «إعلان بعبدا» رغم أن فريقي 8 و14 آذار تجاوزاه بالتورّط المباشر في أحداث سوريا، مع النظام أو ضده. وثانيتهما تصوّره لاستراتيجيا دفاعية عن لبنان تضع سلاح حزب الله في عهدة الدولة حالت مقاطعة قوى 14 آذار دون مناقشته في 28 تشرين الثاني الماضي.

 لا يقتصر تمايز رئيس الجمهورية عن طرفي النزاع على مقاربة الحوار الوطني وأهمية استمراره، بل يشمل أيضاً مقاربته قانون الانتخاب من دون أن يكون معنياً مباشرة بمداولات اللجنة الفرعية، ومن قبلها اللجان النيابية المشتركة. منذ أن أحالت حكومة ميقاتي مشروع قانون النسبية على مجلس النواب لمناقشته ـــ وكانت قد أقرّته في جلسة ترأسها سليمان ـــ انقطعت صلة رئيس الجمهورية به.

 ويكمن تمايز سليمان في الملاحظات الآتية:

 1 ـــ موقفه قاطعٌ برفض مبدئي أي قانون للانتخاب يؤدي إلى رسم دوائر انتخابية تناقض الدستور واتفاق الطائف وتضع الانتخابات في زواريب مذهبية. مآل ذلك معارضته اقتراحات تتحدّث عن دوائر صغرى بذرائع شتى لا تفضي في رأي رئيس الجمهورية إلى ما تتوخاه فحسب، بل تفتح باباً جديداً على شروخ داخلية. يصحّ ذلك على اقتراح الدوائر الـ50 الذي تتمسّك به قوى 14 آذار، وعلى اقتراح اللقاء الأرثوذكسي الذي يؤيده تكتل التغيير والإصلاح.

 2 ـــ يدعم رئيس الجمهورية أي تقسيم للدوائر الانتخابية يعتمد النسبية كلياً أو جزئياً. لا يزال موقفه الدائم تأييد مشروع القانون الذي أقرّته حكومة ميقاتي وعدّه سليمان مشروعه بعدما نادى طويلاً بالنسبية نظام اقتراع هو الأفضل والأكثر ملاءمة لانخراط المجموعات السياسية والحزبية كلها في برلمان قادر على استيعابها، بمقدار قوتها التمثيلية. وهو بذلك ينطلق من قاعدة رئيسية في رأيه تقول بقانون للانتخاب يحفظ للمجموعات السياسية حقوقها في الانخراط في مجلس النواب وتمثيلها فيه بعدالة افتقرت إليها قوانين الانتخاب التي خبرها لبنان.

 ويدافع عن تمسّكه بحقوق المجموعات السياسية الصغيرة كما الكبيرة من أجل أن تفضي الانتخابات في ظلّ اقتراع نسبي إلى عدم شطر لبنان بين قوتين سياسيتين متناحرتين تشلّ الحياة والمؤسسات الوطنية برمتها، بل تساعد على نشوء طبقة عازلة بين فريقي 8 و14 آذار قادرة على التوسّع من أجل توفير أوسع توازن سياسي داخلي، وفتح باب الخيارات السياسية. وهو الدور الذي يعتقد رئيس الجمهورية بأنه يقوم به في موقعه في رئاسة الجمهورية بين طرفي النزاع: فك الاشتباك وتوفير آمال ولادة قوة سياسية ثالثة.

 ينظر بمرونة إلى تعديل مشروع قانون النسبية ـــ إذا قرّر مجلس النواب ـــ برفع عدد دوائره من 13 دائرة إلى 15 دائرة، ويرى نظام الاقتراع عموده الفقري.
 بيد أن تأييده النسبية، في أي صيغة مقترحة لقانون الانتخاب، يقتضي أن لا تعني موافقته على نسبية تؤدي في نهاية المطاف إلى النتائج نفسها التي تتوجه إليها الدوائر الصغرى، وهي رسم الزواريب المذهبية. وهو ما يطابق رفضه اقتراح اللقاء الأرثوذكسي الذي يعتمد نسبية مناقضة لروحية اتفاق الطائف التي يتمسّك بها رئيس الجمهورية، حينما تضع الناخب في الخيارات الأضيق الأكثر تعميماً للمذهبية.

 3 ـــ إلى أن تتوصّل اللجنة الفرعية النيابية إلى اتفاق على قانون جديد للانتخاب، يكتفي رئيس الجمهورية بالانتظار ومراقبة مداولاتها واتفاقها النهائي، الذي يحدّد في ضوئه موقفه من الصيغة المحتملة ما دام هو مَن سيصدر القانون ويطلب نشره، لكنه يملك أيضاً فيتوين دستوريين هما المادتان 19 بطعنه فيه لدى المجلس الدستوري و57 في طلبه من مجلس النواب إعادة النظر فيه إذا وجد القانون الجديد ـــــ إذا كان ثمّة قانون جديد ـــــ يناقض أحكام الدستور.


2013-01-05