ارشيف من :أخبار لبنانية
خطاب الأسد: لحن الأورنينا على المسرح الدولي
فراس عزيز ديب - صحيفة "الوطن" السورية
لعلك إن أردت أن تعرف ماذا سيجري في المنطقة في ظلِّ هذه الأوضاع الساخنة، فعليك أن تُحلِّلَ كل كلمةٍ يقولها الرئيس السوري بشار الأسد. بغضِّ النظر عما إذا اتفقت أو اختلفت معه، عليك أن تُصغي. ليس من باب الواقعية السياسية أن تدَّعي أن الأمر لا يعنيك أو أن تتجاهل كلامه وتترك نفسكَ أسيراً لأحلامٍ وردية رسمتها لك ريَشُ العابثين بالدماء السورية البريئة، تلكَ الريَش المصنوعة من وبر الجمال، وبأحسن الأحوال من قبعاتِ «انكشاريي» الجيش العثماني. طوال عامين تقريباً من عمر الحرب على سورية وما تخلَّلها من خطاباتٍ للرئيس الأسد، لم يحدث أن قامت الصحف ووسائل الإعلام الصديقة أو المعادية على حدٍّ سواء بتسريب ما يمكن أن يقوله الأسد كما هذه المرة. بدأ الأمر بسيناريوهاتٍ نشرتها إحدى الصحف وأعادتها إلى معلوماتٍ حصلت عليها، وكذلك إلى استقراءٍٍ لما جاء في مقابلة نائب الرئيس السوري «فاروق الشرع» مع إحدى الصحف اللبنانية، ثم ما لبثت وسائل إعلاميةٍ كثيرة أن قامت بتعديل الصيَغ ونشرها وكأنها سبقٌ صحفي لهذه الوسيلة أو تلك. علماً أن جميع هذه الصحف تحدثت بالخطوط العريضة التي بات يعرفها المواطن السوري تماماً، ولكنهم أطلقوا العنان لكثيرٍٍ من الأفكار لما سيكون عليه الحل ومن هم الأشخاص المخاطَبين، نسي كل هؤلاء أن هناك أمرين أساسيين في الخطاب لا يمكن لأقلامهم أن تفك رموزهما أبداً وهما مكان الخطاب، وطريقة الحديث، واللذان يحملان جوهر الحالة التي ستشحذ همم الشعب أولاًً، وتدحض بطريقةٍ غير مباشرة كذب المعارضة والقبة الإعلامية التي تغطيها عما يسيطرون عليه على الأرض ثانياً. كل هذه البنود أعاد الأسد ترتيبها بثقةٍ وهدوء يغلفهما غصةٌ وألمٌ على دماءٍ بريئة سقطت نتيجةً لتآمر الصديق قبل العدو. نتيجةً لتورط سوريين أيضاً بتدمير وطنهم بعد أن أصبحوا أدوات بيد الغريب.
ارتباك الوسائل الإعلامية العالمية
مما لا شكَّ فيه أن مكان الخطاب وهذا العدد الكبير من الحضور أربك الوسائل الإعلامية المعادية، فالبعض انتظر خطاباً تلفزيونياً على طريقة «مبارك» و«بن علي» ليبدؤوا من خلاله العزف على لحن اقتراب سقوط النظام، ولكن الأسد أطلَّ عليهم من دار الأوبرا وبحضور حشد من مؤيديه لم تتسع الصالة لأكثرَ منهم، وهنا تكمن الجمالية في خطابات الأسد، ففي الوقت الذي يخاطبنا فيه الآخرون من «منابرهم الخاصة» التي حولوها للفتن ودس الدسائس، يخرج عليهم الأسد من مدرج الجامعة تارةً ومن مجلس الشعب تارةً أخرى وأخيراً وليس آخراً من دار الأوبرا. لم يكتف الأسد بذلك ولكنه وفي كل خطابٍ لابد أن يبدأه بموقفٍ يجعلك تشعر أنه قريب مما يقال على المستوى الشعبي أكثر مما نتصور، ولعل قيامه بشرب الماء قبل بدء الخطاب هو تفاعل غير مباشر مع ما كان يُكتب في الليلة السابقة على صفحات التواصل الاجتماعي، والسخرية من آلية التعاطي المسبق للإعلام المعادي مع الخطاب، القائمة على تحليل كل حركات وسكنات الرئيس الأسد.
لقد كانت لهجةُ الخطاب مفاجئةً للجميع، أو بمعنى أصح يمكننا أن نعتبره خطاب النصر على المؤامرة الخارجية، مع تأجيل إعلان النصر الداخلي والذي سيكون على مرحلتين:
الأول، باكتمال الحرب على الإرهاب.
الثاني، بعد إنجاز خريطة الطريق للحل السياسي التي اقترحها والتي تعيد سورية إلى السكة الصحيحة لتنطلق نحو المستقبل المشرق.
استطاع الرئيس الأسد عبر هذا الخطاب وضع أبناء الوطن أمام استحقاقٍ هام وهو الحرب على الإرهاب، إذ أكد أن الصراع في سورية ليس صراع معارضةٍ وسلطة، على حين هو صراع الوطن مع أعدائه، صراع الوطن مع من يحاول أن يمنع عن المواطن خبزه وقوْتِه ودفئه. صراع الوطن مع من يريد إعادته إلى مجاهل التخلف والجهل عبر اغتياله للكفاءات وتدميره كل البنى التحتية التي بُنيت أصلاً لأجل الشعب وبأموال الشعب. إذن هو قرارٌ اتخذته تلك الدول التي تصدر الإرهاب والإجرام إلى سورية بمعاقبة الشعب السوري لأنها تعتبره السبب الأول في إفشال ما كانت تصبو إليه من عملية إسقاط وتقسيم سورية، لأن صبر هذا الشعب وصموده كان السبب الأساس في صمود القيادة السورية، بمعنى آخر لا يمكن لأي سلطة في العالم أن تصمد ما لم يكن لديها سندٌ شعبيٌّ قوي يشد من أزرها، فكان القرار بمعاقبة الشعب السوري عبر استجلاب المجرمين والتكفيريين، معتبراً أن هذه الحرب بإمكانها أن توحِّد الشعب السوري لمواجهة الإرهاب بغض النظر عن الاتجاه السياسي. فالوطن للجميع وكلنا مسؤولون في الدفاع عنه وكلٌّ منا يدافع بطريقته فالوطن أكبر من الطموحات والمناصب.
عندما يكون الخلاف داخلياً على شكل النظام يكون صحياً
قدَّم الأسد عرضاً شاملاً للأحداث قبل الدخول في الحل، فاعتبر أن الخلاف عندما يكون داخلياً على شكل النظام السياسي وآلية إدارة الداخل فهذا أمرٌ صحي، ولكن المشكلة تكمن عند البعض بأنه لا يملك قراره بل إن قراره بات مرتبطاً بحالة الخوف المسيطرة على حكومات تلك الدول التي رعت هذا المعارض أو ذاك من تداعيات الانتصار السوري الذي سيعيدهم إلى أحجامهم الطبيعية كدولٍ، ومن ثم إنهاء مستقبلهم كحكومات ومشيخات تحاول أن تكتب تاريخها المزيَّف بحبرٍ من دماء الأبرياء في سورية وغيرها من تلك الدول التي أصابتها تلك الفقاعة المسماة ربيعاً عربياً والذي حسب الرئيس الأسد أصبح في حالة احتضارٍ وسيسقط مع إعلان الانتصار السوري. إذن تكمن المشكلة بغياب الشريك الحر الذي يضع المصلحة السورية فوق كل اعتبار، فالرئيس الأسد اعتبر أن أقسى الحروب هي تلك التي تستخدم أبناء الوطن وقوداً لها، معتبراً أن مواجهة هذه الحرب يكون بوجود شريك جدي يملك مشروعا نهضوياً يشكل مع مشروع السلطة تكاملاً يحترم سيادة الدولة واستقلال القرار ويتحالف مع السلطة في حربها على الإرهاب، ولا يتحالف مع الإرهاب من أجل الوصول إلى السلطة.
نجح الرئيس الأسد كذلك في تدويل الصراع، في الوقت الذي حاول فيه المتآمرون ومنذ أكثر من عامٍ تقريباً تدويل الأزمة السورية، عبر ما يسمى الجامعة العربية ومجلس الأمن الدولي. جعل الخطوط العريضة لمعركة الشعب والجيش والسلطة هي ضد الإرهاب والتطرف هذا الإرهاب الذي وُلد بأموال عربية وبتخطيط غربي في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي انفلت من كل الضوابط بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق وبات خطراً يتهدد الدول الغربية نفسها، تلك الدول التي تشارك في إرسال المتطرفين والتكفيريين للقتال في سورية من أجل ضرب عصفورين بحجر، الأول هو التخلص مما لديها من المنتسبين إلى هذه الجماعات والثاني استخدامهم كوقودٍ من أجل إشعال الأراضي السورية أكثر لتسهيل مخططهم في ضرب سورية. إذن بتنا الآن أمام معادلةٍ جديدة وهي إما أن تعترفوا أنكم ضد الجماعات المتطرفة التي تعمل على الساحة السورية والتي اعترفت وسائل إعلامكم ذاتها بوجودها، أو أن عليكم انتظار ما يمكن أن يخبئه الإرهاب لكم لأن الإرهابي لا يعترف بحليفٍ أو داعم.
لا يمكن لشخص أن ينطلق في تحليل خطابات الأسد بمعزل عما تعنيه سورية
في كانون الثاني الماضي كتبنا عن الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأسد بأنه «خطاب للتاريخ.. أم تاريخٌ سيرسمه خطاب». يومها امتعض البعض من هذا العنوان واعتبر أن كلامنا ناتجٌ عن عواطف وتبعية وما إلى هنالك من تلك الموشحات التي اعتدنا سماعها وقراءتها. لا يمكن لشخصٍ أن ينطلق في تحليل خطابات الأسد بمعزلٍ عما تعنيه سورية الوطن من موقع ودورٍ ومكانة في المنطقة وفي الصراع الدولي الدائر الآن حول شكل النظام العالمي الجديد الذي سيحكم العالم ربما لأكثرَ من مئة عامٍ قادمة. انطلاقاً من ذلك قلنا في أكثر من مناسبةٍ إنه ليس من المسموح به أن تسقط سورية أبداً، ولو كلف الأمر حرباً عالمية لأن هذا النظام سيولد من رحم هذا الصمود. بعد عامٍ من الخطاب السابق يمكننا القول إن الرئيس الأسد أعلن رسمياً ولادة هذا النظام العالمي الجديد، لم يكن شكر الرئيس الأسد للدول التي دعمت سورية ووقفت إلى جانبها مع تسميتها بالاسم من قبيل الصدفة أبداً بل هو الإعلان الرسمي أن شكل العلاقات الدولية قبل الأزمة السورية ليس كما بعده. أن هذا الشكر يحمل في طياته وجهين:
الأول: سورية جزء من منظومة وليست نظاماً. بصراحة قد نجد أنفسنا كمن يخوض البحار إذا ما أردنا أن نشرح هذه الجدلية لتلك «المعارضات» السورية، وهي التي تصر أن تتعامل كما النعام في دفن رأسها بالرمال، ولا ترى إلا الوعود الرنانة بأن أيام النظام باتت معدودة وأنها بحنكتها الكبيرة ستبني سورية الجديدة كما يتوهمون (رأينا الكثير من نواتج هذه الحنكة على شاشات التلفزة بعد الخطاب فأحدهم نسي كل شيء وتذكر أن الأمطار تعمُّ دمشق فلماذا لم تتبلََّّل ستُرة الرئيس الأسد؟ وهذا دليل أن الخطاب تم تصويره في إيران!.. إنها أنفلونزا المعارضة السورية التي تحدثنا عنها يوماًً).
الثاني: إن سورية تحترم أصدقاءها وتقدِّرهم وتستمع إلى نصائحهم ولكن في النهاية الحل يجب أن يكون صناعة سورية بامتياز. هذه المقاربة تنطلق من فكرة أساسية مفادها أن المنتصر هو من يرسم ويحدد المستقبل، وتحديداً أن المنتصر هو من دفع من دماء أبنائه وضحكة أطفاله، ثم سورية المنتصرة دولة محورية لا يمكن تجاهلها أبداًً.
مبادرة فاجأت الجميع
من هذا المنطلق وبإصرارٍ على استقلالية القرار السوري بأن الحل سيكون سورياً بامتياز، فاجأ الرئيس الأسد الجميع بطرحه مبادرةً للحل من ثلاث مراحل، واعتبرها سقفاً يجب أن تمر من تحته كل المبادرات الدولية، وماعدا ذلك هو مضيعةٌٌ للوقت قاطعاً الطريق على كل ما يقال وما يُشاع هنا وهناك. قدم الأسد خريطة طريقٍٍ لا يمكن لأي باحثٍ عن حلٍّ سياسي أن يرفضها علماً أن كل محاور هذه الخريطة لا تخرج أبداً عن البرنامج الإصلاحي الذي تم إقراره مسبقاً من قوانين أحزاب وانتخاب أو حتى دستورٍ جديدٍ للبلاد إن احتاج الأمر بشرط أن يكون الشعب السوري هو المرجعية الوحيدة في إقرار كل ذلك عبر استفتائه على كل هذه الخطوات، ثم يبدو الأمر واضحاً أن الواثق لا يخاف من استفتاء الشعب ولكن الجبان هو من يحاول أن يختلقَ الأعذار ويتهرب من مسؤولياته، ولعلنا هنا نقف عند نقطتين هامتين:
الأولى: تتعلق بآليات مراقبة وقف إطلاق النار مع الاحتفاظ بحق الدولة بمكافحة الإرهاب، إذ إن الرئيس الأسد ربط وجود مراقبين دوليين وبطريقة غير مباشرة بتوسيع مهامهم لتشمل مراقبة الحدود مع الدول التي لا تزال ترعى تلك العصابات المسلحة، وهو رمى هنا الكرة بملعب تلك الدول فإن كانت سورية لا تمانع أبداً عودة المراقبين لمتابعة وقف إطلاق النار فهل ستقبل هذه الدول توسيع مهمة هؤلاء المراقبين لتشمل حدودهم المنفلتة بقرارٍ من هذه الدول.
النقطة الثانية، وهي الإعداد لميثاقٍ وطنيٍّ على أساس وحدة المجتمع السوري واحترام الثوابت الوطنية وسيادة واستقلال سورية، لأن هذا الميثاق سيكون أشبهَ بمادةٍ فوق دستورية لا يمكن تجاوزها وليس كما يحاول أن يروج البعض عن (طائف سوري) يستنسخ التجربة اللبنانية، فعلى هذا البعض أن يفهم أن سورية أكبر من طائفهم وطوائفهم وليكفوا هنا عن اختراع قصص مقيتة لا تمت للواقع السوري بصلة.
عجلة العملية السياسية في سورية بدأت
إذن يمكننا القول إن عجلة العملية السياسية في سورية بدأت، فمن أراد اللحاق بالركب فالوطن يتسع للجميع بشرط أن يضع قلبه وعقله في الوطن، وأن ينطلق من أن هناك ثوابت أساسية لا يجوز المسَّ بها أبداً وهي كما ذكرها الرئيس الأسد ربما تمثل كل مواطن سوري مؤمن بمكانة سورية ودورها التاريخي، سيادة الوطن واستقلالية قراره وكذلك حقه بدعم المقاومة والقضية الفلسطينية باعتبار أن دعم المقاومة هو دعمٌ لنهج وليس لأشخاص والأهم من ذلك هو حقنا باسترجاع الجولان وأراضينا المحتلة، فهل سألنا أنفسنا لماذا فصل الرئيس الأسد هذه المرة بين الجولان، وبين أراضينا المحتلة؟
لعل الخطاب أثلج صدور المؤيدين وبالتأكيد لن نكترث لمن يرفضونه لأنه أساساً ليس موجهاً إليهم لأن سورية عمرها من عمر التاريخ فلن تنتظر القادمين من خارج التاريخ لتقديم النصح لها. أنه بمنزلة «علمٍ وخبر» بأن العملية السياسية في سورية قد بدأت، وأن الشعب والجيش سيكونان جنباً إلى جنب في المعركة ضد الإرهاب، وهي رسالةٌ أيضاً لمن لم يفهم أنه وبعد ما يقارب العامين من الحرب على سورية لم يستطع أحد أن يحصل منها على تنازلٍٍ واحدٍٍ من ثوابتها والرسالة الأهم أننا وإن كنا جاهزين لكل الاحتمالات ولكن لدينا قناعة تامة بأنكم أوهن من التجرؤ على سورية.
أما تلك الإمعات التي لا تتصور مستقبلها بوجود الرئيس الأسد، فإن لم يستطيعوا تخيل فكرة بقاء الرئيس الأسد وانتصاره نعود ونذكرهم بالنصيحة التي قلناها لهم يوماً وهي مقتبسةٌ من حكاية ذلك الشاب المغرور الذي ظنَّ نفسه قادراً على أن يصارع كل من يأتي أمامه ويوماً ما كان في رحلة صيد وتاه في الغابة، وفجأة خرج إليه أسدٌ كبير ارتعب ذاك المغرور وأدرك أنه لن يتمكن من الهرب، ولن يستطيع أن يجابه الأسد فقال في نفسه ليس لي إلا أن أغمض عيني وعندها لن أرى الأسد.
أغمضوا أعينكم يا أنصاف الرجال كي لا تروا الأسد... وانتظروا مصيركم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018