ارشيف من :أخبار عالمية
تورط مستعجل لباريس بالنزاع العسكري في مالي
مرة أخرى كشفت الدولة الفرنسية عن قناع التدخل المباشر، في أول بادرة تهديد لمصالحها الاقتصادية في القارة السمراء، وفي لحظة عاجلة تورطت باريس في مستنقع الصحراء الافريقية، من دون التحضير لوجيستياً وعملياتياً لعملية عسكرية في دولة مالي، لاحت كلفتها البشرية الباهظة مع سقوط القتلى والجرحى الفرنسيين مع أول أيام العملية، من بينهم طيار فرنسي، لقي مصرعه إثر تنفيذه غارة جوية لدعم القوات الحكومية التي تقاتل بمؤازرة خبراء أوروبيين لاستعادة مدينة "كونا" التي تشكل النقطة الفاصلة قبل وصول مقاتلي الجماعات المسلحة في الشمال إلى العاصمة المالية في جنوب البلاد.
ويسجل تاريخياً أن لكل رئيس فرنسي (في الجمهورية الخامسة) "حربٌ" أو "عملية عسكرية" في مستعمرات باريس الأفريقية، فقد قاد "فاليري جيسكار ديستان" عملية "خروف البحر" (l’opération Lamentin 1977) العسكرية في موريتانيا بعد 3 سنوات من وصوله إلى السلطة، وأمر "فرانسوا ميتران" بعملية "مانتا" (Manta 1983) في تشاد بعد عامين من دخوله الإليزيه. وأعطى جاك شيراك الإذن بعملية "أراميس" (Aramis 1996) في الكاميرون بعد تسعة اشهر من انتخابه. وقرر نيكولا ساركوزي التدخل في "معركة نجامينا" (2008) بعد تسعة أشهر من انتخابه من أجل دعم النظام التشادي وإجلاء الرعايا الأوروبيين من العاصمة التشادية، ويبدو أن الرئيس الحالي كان الأسرع بين سابقيه في التدخل لضمان المصالح الفرنسية في القارة السمراء.
ويعلل الرئيس الفخري للصحفيين الأجانب في فرنسا إيلي مصبنجي استعجال أولاند بالقول إن الأخير "أضطر أن يأخذ قراره بسرعة بعد فشل كل الطرق التفاوضية (عبر الحكومة المحلية ووسطاء آخرين) مع الجماعات المتمردة في شمال مالي"، وفي حديث خاص بموقع "العهد" الإخباري، يؤكد مصبنجي أن "الرئيس الفرنسي حاول أن يبدو أمام جمهوره بمظهر القوي بعد خطف الرهائن الفرنسيين في مالي، غير أنه تورط في عملية عسكرية غير مدروسة الجوانب على ما يبدو"، وأوضح الخبير بالشأن الفرنسي أن "عديد القوة الفرنسية لا يستطيع صد هجمات الجماعات المسلحة، وعلى رأسها مقاتلي جماعة "أنصار الدين" الذين يتقدمون بوتيرة سريعة نحو العاصمة باماكو".
مراقبون متابعون لأوضاع دول شمال وجنوب الصحراء الأفريقية يتحدثون عن أن العملية العسكرية الفرنسية في مالي، تهدف إلى "تطويق الجزائر من الجهة الجنوبية على اعتبار أن هذه الدولة هي بمنأى عما أصطلح على تسميته بالربيع العربي"، غير أن مصبنجي يستبعد هذا الاحتمال "نظراً لتحسن العلاقات الفرنسية ـ الجزائرية ودخول الجزائر في الحرب على الجماعات المتمردة في شمال مالي"، ويشدد الخبير بالشأن الفرنسي على أن "المحرك الأساس لباريس كان حماية مصالحها في هذا البلد الافريقي الصحراوي، الذي يعوم على بحر من الثروات الطبيعية (النفط، والذهب، واليورانيوم، والفوسفات)".
ويشير مصبنجي إلى الازدواجية في الموقف الفرنسي بالنسبة للتعامل مع الحركات الموصوفة بـ"الإسلامية"، فبينما تعتبر أن من الضروري القضاء على جماعة "أنصار الدين" وغيرها من الجماعات الأخرى في مالي، فإنها تغض النظر، في المقابل، عن تعاون "الجيش الحر" مع "جبهة النصرة" في سوريا على الرغم من استلهام هذه الحركات نفس الفكر والاسلوب، والارتباط العقائدي والعضوي فيما بينها"، ليخلص إلى أن ذلك "يؤكد بقوة أن الدافع هو تأمين المصالح الفرنسية في العالم، وليس الحرص على الشعوب كما يروج في الإعلام".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018