ارشيف من :أخبار لبنانية

"النهار" تبثّ أضاليل قانونية لحمايته وتَحمل على القضاء

"النهار" تبثّ أضاليل قانونية لحمايته وتَحمل على القضاء
كلّما حاول القضاء أن يتقدّم خطوة إلى الأمام في ملفّ ما معروض أمامه، سارع بعضهم بلباس"مصدر"، أو "مرجع"، سياسي تارة، وأمني طوراً، إلى تنفيذ مناورة استباقية عبر بعض وسائل الإعلام، وتقديم صورة مخالفة لما يرمي إليه القضاء من وراء تحقيقاته أو استدعاءاته لبعض الأشخاص إلى التحقيق أو المحكمة، على غرار ما حصل في مسألة استدعاء قاضي التحقيق العسكري الأوّل رياض أبو غيدا من سمّي بـ" الشاهد الملك" في قضيّة الوزير السابق ميشال سماحة، المخبر العامل لدى "فرع المعلومات" في قوى الأمن الداخلي، ميلاد كفوري، إلى جلسة تحقيق لسماع أقواله بصفة شاهد، في 28 كانون الثاني 2013، وهو مطلب لطالما نادى به وكلاء الدفاع عن سماحة مراراً وتكراراً لكشف خطّته، ومعرفة تفاصيل ما حدث مع سماحة تنويراً للحقيقة وللعدالة قبل أيّ شيء آخر.

"النهار" تبثّ أضاليل قانونية لحمايته وتَحمل على القضاء

وقد كان الظهور الإعلامي لمن وصفته جريدة " النهار" بـ"المرجع الأمني" مفاجئاً للقضاء قبل الرأي العام، وما سعيه لأن يزرع في مخيّلة المتلقّي صورة جميلة عن كفوري إلى حد اعتباره بطلاً قومياً، سوى محاولة بائسة وفاشلة لوضع عراقيل ومكابح في طريق القضاء ومنعه من القيام بواجبه، وذلك في تدخّل غير مسبوق من رجل أمن إذا كان صحيحاً ما كتبته "النهار"، في عمل القضاء وكأن المطلوب أن يكون القضاء في خدمة الأمن وليس العكس، أيّ أن يكون الأمن مكمّلاً لوظيفة القضاء من جهة إجراء التحقيقات الأوّلية وتوقيف المطلوبين، وعند هذا الأمر وهذا الحدّ يجب أن يقف الأمن، فلا هو ولا سواه يتقدّم على القضاء في تقرير المصير وإصدار الأحكام، ومتى خرج عن هذا الإطار، فهذا تأكيد على انخراطه في مشروع سياسي وانحيازه لمصلحة فريق سياسي، بدلاً من أن يكون حيادياً ومنساقاً وراء مصلحة الوطن. 

أمّا إذا كان هذا "المرجع" من اختراع كاتب سطور الدفاع اليتيمة عن كفوري، فالمصيبة أعظم، وهي ليست المرّة الأولى التي تنصّب فيها "النهار" نفسها أقوى وأهمّ من القضاء ومتقدّمة عليه وتعرف المصلحة العامة أفضل منه، علماً أنّ القضاء ليس قاصراً ويعرف ماذا يفعل وماذا يريد وكيف يجري تحقيقاته ومن يستدعي ومن يصرف النظر عن سماعه.

وساق "المرجع الملتبس" معلومات قانونية خاطئة، فلم يكتف بتبييض صفحة كفوري الجالس في الأحضان الاستخباراتية من أجل حفنة من الليرات، بل حاول تلقين القضاء درساً في القانون، فادّعى بأنّ"طلب استدعاء كفوري غير قانوني في جوهره"، وأنّ " أيّ مساس بهذا الشاهد الذي ننظر إليه كبطل قومي هو خيانة وطنية كبيرة وفق نصوص معظم القوانين اللبنانية وغيرها من القوانين في الدول المحترمة".

ويبدو أنّ مطرّز سطور التمجيد والتقديس لكفوري لغاية سياسية غير خافية على أحد، أوقع نفسه في المحظور القانوني لقلّة إدراكه ومعرفته بالقوانين وما تفرضه من نصوص، فليس هناك من نصّ واحد في كلّ القوانين المعمول بها على الأراضي اللبنانية وأمام المحاكم، لا قانون العقوبات ولا قانون أصول المحاكمات المدنية ولا قانون أصول المحاكمات الجزائية يتحدّث عن وجوب منع المخبر حتّى ولو كان سرّياً، وهو بطبيعة الحال وبحكم عمله سرّي، من المثول أمام قاضي التحقيق، أو أمام المحكمة، بل على العكس فحضوره ضروري لاستكمال الصورة الحقيقية للملفّ، وكما يقال "مثل الشاطر" سوف يكون بين يدي أبو غيدا، أو في حضرة هيئة المحكمة العسكرية الدائمة على الأقلّ عند بدء المحاكمات في ملفّ الوزير السابق ميشال سماحة.

"النهار" تبثّ أضاليل قانونية لحمايته وتَحمل على القضاء
فقد غاب عن ذهن "مرجع النهار الملتبس" أنّ المحكمة علنية، وأنّ المحكمة لا تستطيع أن تقفز فوق أقوال كفوري وأن تتبّناها، ما لم يجر وضعها قيد المناقشة العلنية نزولاً عند أحد المبادئ القانونية الجوهرية التي يرتكز إليها التنظيم القضائي في لبنان وهو مبدأ وجاهية أو شفاهية المحاكمة، ويستحيل أن تقبل المحكمة لاحقاً بالاكتفاء بما ذكره كفوري في إفادته المعطاة أمام "فرع المعلومات"، بل يتوجّب عليها أن تستمع إليه أمامها، وأن تفسح في المجال أمام وكلاء الدفاع عن سماحة لمناقشته في أقواله، لأنّه من حقّ الدفاع أن يناقش المتهم الشاهد حتّى ولو كان مخبراً ومعطى هالة تقديسية، في ما ينسبه إليه من اتهامات.

وتنويراً "لمرجع النهار الملتبس" ومعلوماته القانونية الضحلة، فإنّ مبدأ وجاهية المحاكمة هو من المبادئ الجوهرية لقيام محاكمة عادلة وشفّافة وللحفاظ على حسن سير العدالة، وتفرض تمكين الخصوم من مناقشة كلّ الأوراق والمستندات والوثائق التي تُبرز في الملفّ، وإبداء الرأي في أقوال الشهود، وإذا لم تتحقّق هذه الأمور، فإنّ هناك عيباً يشوب المحاكمة لا يمكن لمحكمة التمييز أن تقبل به، وهذا ما تؤكّده كلّ القرارات الصادرة في غير دعوى وقضيّة، وأيّة مخالفة لمبدأ وجاهية المحاكمة تعرّض الحكم للطعن.

ويعود للمحكمة عند استدعاء كفوري أو أيّ مخبر سرّي، أن تعقد جلسة سرّية لسماعه بحضور المتهم ووكلائه، في غرفة جانبية، وليس في قاعة المحكمة وأمام الجمهور ووسائل الإعلام، وهناك أسبقيات كثيرة في هذا المجال أمام المحكمة العسكرية الدائمة، وتنويراً أيضاً "لمرجع النهار الملتبس"، لا يوجد نصّ قانوني يحول دون سماع أيّ شاهد حتّى ولو كان مخبراً، بل على العكس تماماً، فإنّه من حقّ قاضي التحقيق أن يستدعي الشاهد الذي يتطلّبه التحقيق القائم به، كما أنّه من حقّ وكلاء الدفاع أن يستمعوا إلى أيّ شاهد مهم يعتبر ضرورياً في صلب القضيّة.

فمن حقّ القاضي وواجبه أن يعرف ما إذا كان هناك اتفاق مسبق بين سماحة وكفوري حول نقل المتفجّرات واستلامها لاستخدامها، ثمّ راح الأخير وكشف الأمر للجهاز الأمني الذي يستخدمه، ومن واجب القاضي وحقّه أن يعرف ما إذا كان كفوري يعمل في الأساس مخبراً أم أنّه مجرم، ومن واجبه وحقّه أن يعرف ما إذا كان كفوري مشتركاً في هذه العملية، أم أنّه استُدْرج، وكلّ هذه الأسئلة تستوجب جواباً واضحاً وصريحاً لقاضي التحقيق لكي يبنى على الشيء مقتضاه القانوني.

وتنويراً أيضاً وأيضاً "لمرجع النهار الملتبس"، فإنّ القوانين اللبنانية لا تحكي عن شاهد كبطل قومي، بل تقول إنّ التعرّض للقضاء تحت ستار "مرجع سياسي أو أمني ملتبس"، عبر تهديده بأنّ سماع كفوري غير مقبول وبلهجة فيها الكثير من النبرة الإرهابية والعنيفة، تقتضي الملاحقة القضائية له وعلى الفور، وهذا ما يجب أن تفعله النيابة العامة التمييزية صوناً لكرامة القضاء وهيبته ومنعاً لأيّ تطاول عليه تحت أيّ ظرف كان في المستقبل.
2013-01-16