ارشيف من :أخبار لبنانية
طهران والسير بين حبات المطر
محمد صادق الحسيني - صحيفة "الوفاق" الايرانية
رغم أنه عصر الإنكماش والإنطواء الأمريكي على الذات مقابل عصر المد الإسلامي لاسيما الإيراني منه بامتياز!
لكنّه عصر المواجهة بين المشروعين الأمريكي الذي يخسر من نقاط ربحه الكثير مقابل المشروع الإيراني الذي تتزايد نقاط ربحه في المنطقة بامتياز اكثر!
وهذا هو ما جعل الأمريكي يحار بين التسليم بضرورة قبول قسوة المواجهة مع الإيراني وبين التحايل عليها من خلال مد يد التفاوض لها آملاً في إحتوائها!
من تونس الى مصر الى اليمن الى البحرين فسوريا حيث المواجهة الأكثر سخونة بين من يريد السيطرة على أحلام العرب في التغيير والإصلاح وحرف نهج الثورة لتصبح ثورة مضادة وبين من يريد تسلق قمم الجبال بفنون أهلها وثقافتهم ومعادلاتهم الثورية الخاصة بهم تبقى المواجهة بين المشروعين الأمريكي والإيراني على أشدّها بين شد وجذب وتبقى ايران هي الصخرة التي تتكسر عليها امواج عاصفة الصحراء الأمريكية الجديدة!
ومن لا يصدق ذلك فليقرأ تقرير معهد (المجلس الأطلسي) الأمريكي للدراسات والذي أعدّه رئيسه الدوري تشاك هيغل الوزير المقترح من جانب اوباما لتولي حقيبة الحربية، لاسيما تلك الفقرة المتعلقة بإيران، فماذا يقول فيها:
... (لما كان الهجوم الجوي ليس بإمكانه وقف البرنامج النووي الإيراني على المدى الطويل من جهة والهجوم الذرّي أيضاً أمراً ليس غير مقبول من جهة أخرى، فإن الخيار الجامع بين الردع والتفاوض مع ايران هو الحل الوحيد المتبقي أمامنا... نعم قد يكون خيار الردع ليس هو الأكمل لكنّه أفضل من إستخدام القوة سواء الذرية منها او غير الذرية لما يمكن أن تتركه من تداعيات كارثية خطيرة على هذه المنطقة النفطية والتي يمكن أن تخرج من السيطرة تماماً... من جهة أخرى يمكننا القول بأن إنسحاب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان يؤكّد لنا تلك المقولة الشهيرة لجون اوف كندي بأن الشيء الأسوأ من أن تكون عدواً لأمريكا هو أن تكون صديقاً لها!).
يضيف تشاك هيغل مستخلصاً:
(إذا كان نوع تعاطي واشنطن مع الصخور الإقتصادية يشكّل إشارات او علامات على وقائع المستقبل فإننا نكون قد إبتلينا ببلاء كبير، فلا تخطئوا، لأن صخرة ايران يمكن أن تكون خارجة عن إمكاناتنا تماماً وقد نكون عاجزين عن فعل اي شئ تجاهها!).
تسائلت مع عديدين من أهل الفن كيف تحوّلت ايران الى صخرة يصعب كسرها او تجاوزها ولا حتى إحتوائها؟!
يقول دبلوماسي عربي عريق عاصر الثورة الإسلامية في ايران لأكثر من ثلاثة عقود بأن ايران التي عرفت بدبلوماسية حياكة السجاد و(ذبح) الخصم بالقطنة كما هو المثل الإيراني المعروف، فإنها إستطاعت في عصر الإسلام السياسي الثوري أن تتقن (فن السير بين حبات المطر) فن يكاد يخرج واشنطن عن طورها!
إن تتقن فن السير بين حبات المطر يعني أن تكون مع ثوار فلسطين ولبنان الذين يريدون الإطاحة بالكيان الصهيوني وتفكيك كيانه وتدعمهم بالمال والسلاح أيضاً لكن أن تبقي في الوقت نفسه على علاقاتك الدبلوماسية مع خصوم هؤلاء الثوار التقليديين على حالها حتى وإن كانت من نوع ما كان يعرف بدول (الإعتدال) العربي المتحالفة مع واشنطن والذين ظلّوا يضمرون الشر لإيران حتى تهاوت عروش اكبرهم ومنهم من ينتظر!
إن تتقن فن السير بين حبّات المطر يعني أن تكون مع ما صار يعرف بـ (الربيع العربي) بكل ما يعنيه من تحولات جارفة لكل ما هو قديم من أنظمة لكنّك تقف بقوة في الوقت نفسه الى جانب حكومة الرئيس بشار الاسد رغم مرور أربعين عاماً على هيكليتها (البائدة) كما يصفها خصومها، وتبرز فيها أحسن ما فيها اي كونها المتراس الأساس في الدفاع عن خط المقاومة وهو ما لا يريده لها أعدائها الإقليميين والدوليين!
إن تتقن فن السير بين حبّات المطر يعني أن تكون مع حكومات الإسلام السياسي الجديدة في كل من مصر وتونس مثلاً وتدعم توجّهاتها الفكرية العامة لكنّك تقف وبقوة موازية في الوقت نفسه الى رديفاتها من الحركات الشعبية القومية واليسارية المناهضة بقوة لتوجه تلك الحكومات المترددة في تعاطيها مع القوى الكبرى وإملائاتها الهيمنية، ذلك لأنّك ترى فيما يحصل صحوة إسلامية تشمل الجميع وليست حكراً على تلك الحركات الهرمة تنظيمياً وسياسياً وفطنة وعزماً ويقظة!
إن تتقن فن السير بين حبّات المطر يعني أن تكون مع ثورة البحرين المظلومة باعتبارها ثورة شعبية بامتياز رغم كل الوصفات العنصرية والطائفية التي ترمى بها، لكنّك لا تقطع (شعرة معاوية) مع أمراء ومشايخ وملوك أنظمة وراثية بائدة وهي التي تخاف كل صيحة داخلية اومجاورة باعتبارها هي العدووتتمنى لها (الوأد) ما أمكن حتى لا تكشف عوراتهم!
إن تتقن فن السير بين حبّات المطر يعني أن تكون مع العراق الجديد المتحرر من رقبة الإستبداد والمقابر الجماعية رغم (لوثته) الأمريكية المتدلية من اكبر سفارات الشيطان الأكبر المتمترسة في بلاد الرافدين والتي لا تزال تتآمر على طموحات الشعب العراقي ليل نهار، ذلك أنك تعرف أنه لو ترك هذا العراق الجديد للحظة لأعاده الذين باعوه في غفلة من الزمن لبني الأصفر الى سابق عهده الديكتاتوري لأسباب كيدية فتنوية باتت معروفة للجميع!
إن تتقن فن السير بين حبّات المطر هو أن تعارك الشيطان الأكبر وجهاً لوجه على قياس العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم في البر كما في البحر كما في الجو، لكنّك تتفهم وجهات نظر من خاصمك الرأي وربما أساء إليك عن قصد او غير قصد ممن أساءوا تقدير الموقف من أهل جلدتك او ملتك او أتباع دينك وراهنوا على هذا الشيطان أنه قد يكون لهم خير ناصر وخير معين.
وأخيراً وليس آخراً إن تتقن فن السير بين حبّات المطر هو أن تدافع عن التضامن والتعاضد والتعاون بين المسلمين حكاماً وشعوباً وقبائل حتى وأنت تعرف أن فيهم من يطعنك في ظهرك في وضح النهار ويخطف زوّارك وزوّار حلفائك ويتحايل عليك ويتذاكى ظنّاً منه أنك قد تخرج من طورك فيورطك فيما لا يحمد عقباه، ناسياً أنك من جنس ذلك الشاعر العظيم الحافظ للقرآن وهو القائل:
سعادة الدارين في هذين البيتين مداراة مع العدو ومروءة مع الصديق!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018