ارشيف من :أخبار لبنانية

هل تكون الاكثريتان لتشكيل الحكومة هي الحل لعقدة قانون الانتخاب؟

هل تكون الاكثريتان لتشكيل الحكومة هي الحل لعقدة قانون الانتخاب؟
أمين حطيط - صحيفة البناء

منذ ان استقل لبنان في العام 1943 والشكوى قائمة لدى هذه الطائفة اللبنانية او تلك من غبن يلحق بها او خوف تعيشه على وجودها و دورها، شعور قاد الى اعتماد صيغة طائفية لنظام الحكم في  لبنان، نظام لم ينظر للبناني كمواطن في دولة بل رآه عنصراً او عضواً  في طائفة حددت حقوقها بشكل كيفي غير مسند الى  معايير علمية او حقوقية عادلة، نظام مكن من فيام امراء الطوائف وثوابتها المستمرون في الحكم تحت شعار حماية الطائفة و حقوق الطائفة.

لقد اسس هذا النظام الطائفي-الذي قيل بانه نظام مؤقت و هو يستمر في التجذر و التفرع اليوم-الى حالة عدم استقرار تقود الى  انفجار امني و اجتماعي كل عقد او عقد ونصف من السنوات، وبدل ان يضع الالية للتقدم نحو مفهوم المواطنة، فقد رسخ الطائفية في نفوس اللبنانيين، بعد ان كان الامر في البدء يقوم على تقسيم طائفي (ويعنى بها التمييز على صعيد  الاديان مسلم-مسيحي) انقلب اليوم الى تقسيم مذهبي يبدو انه امر و ادهى من الاول في ظل ما يعيشه العالم العربي والمنطقة من انفسام و تناحر وهكذا نجد تفسخ يليه تفسخ في بنية المجتمع اللبناني حتى غابت فيه فكرة الشعب الواحد و الوطن الواحد رغم الوجود النصي في الدستور على وحدة الدولة وجمهوريتها الواحدة التي هي في الحقيقة  فيدارلية طوائف في احسن التفسيرات.

والان وبعد ان وصلت الامور الى المأزق التي يعيشه الجميع من باب قانون الانتخاب الذي ستجرى مبدئيا في الصيف المقبل – او ينبغي ان تجري – الانتخابات النيابية بمقتضاه فان المواقف و الهواجس هذه المرة تتصاعد الى حد تهديد كل طرف من المجموعات الاساسية  اللبنانية، تهديده بتعطيل  الانتخابات ان لم تجر وفقا لقانون يوحي له بالطمأنينة التي تمنع تهميشه او تجاوزه هو وطائفته. تهديد يحصل للمرة الاولى في لبنان منذ الاستقلال، ونراه نتيجة طبيعية للهواجس التي تعمقت في نفوس الطوائف بعد العام 2005 اثر ممارسات حصلت ففرضت الحذر  والتوجس من الاخر  وهنا نذكر بما يلي:

-في انتخابات العام 2005 حصل التيار الوطني الحر على الاكثرية المطلقة من اصوات المسيحيين، ومع ذلك استبعد عن الحكومة، وباصرار من تيار المستقبل تمثل المسيحيون بمن لا يتمتع بقوة تمثيلية تتجاوز الـ20% من اصواتهم.

- في 11112006 استقال الوزراء الشيعة من الحكومة، و لكن الحكومة وبارادة رئيسها فؤاد السنيورة الممثل لتيار المستقبل، استمرت، حتى و انها لم تأبه لمواقف رئيس الجمهورية العماد اميل لحود الذي رفض بعد هذا التاريخ حضور مجالس الوزراء و رفض التوقيع على ما يصدر عن هذه الحكومة التي اعتبرها-كما معظم رجال الفقه الدستوري-بانها غير دستورية وغير ميثاقية. و رغم ذلك فانها حكمت لبنان لنيف و 18 شهرا حتى ايار 2008.

-في العام 2010 رفض تيار المستقبل المشاركة في حكومة لا يكون رئيسها منه، وظن ان رفضه سيؤدي الى الحؤول دون قيامها  و يمنع  رئيس الجمهورية من توقيع مراسيم تشكيلها بحجة ان تيار المستقبل يمثل 85% من الطائفة السنية ولا يمكن ان تشكل حكومة لا تضم الممثلين الحقيقين للطائفة. و لكن مراسيم تشكيل الحكومة صدرت و الحكومة برئاسة نجيب ميقاتي نالت الثقة في مجلس النواب رغم مغادرة نواب تيار المستقبل و بقية حلفائهم قاعة المجلس ثم حكمت الحكومة لمدة سنتين و لازالت و لم تعيقها كل المساعي التي قام بها سعد  الحريري لمحاصرتها عربيا و خليجيا.

نكتفي بهذه الامثلة-العينات الثلاث هنا (رغم ان اسبابها ليست متطابقة) لنقول بان لبنان ذو النظام الطائفي وحيث ينص الدستور على وجوب مراعاة حقوق الطوائف في تشكيل الحكومة مراعاةً لمقتضيات العيش المشترك، نرى في التطبيق ما يخالف روح الدستور حتى ويتجاوز نصوصه في مسالة تكوين السلطة ما ادى الى شعور لدى  هذه الطائفة او تلك بالغبن وهضم  الحقوق او حتى الاستبعاد و التهميش. وباتت كل فئة  تسعى للفوز مع حلفائها بالاكثرية المطلقة من مجلس النواب لتتمكن من تشكيل الحكومة بمفردها مع استبعاد الاخرين او استتباعهم او تهميشهم، و لاجل ذلك نشهد الصراع القائم الان حول قانون الانتخاب بما يهدد بتعطيل الانتخابات كلها حيث نرى:

-تمسك تيار مستقبل  الحريري، بقانون 2009 و هو القانون القائم على نظام الانتخاب الاكثري في دوائر تدور بين الصغرى والوسطى وهي التي تفسح المجال له للتحكم بالعملية الانتخابية عبر  المال، و الشحن الطائفي و المذهبي الذي برع فيه، بما يمكنه من الفوز بالاكثرية المطلوبة لتشكيل الحكومة ومعاقبة من اخرجه من الحكم في العام 2010.

-رفض التيار الوطني الحر-الذي اكتوى بنار الاستبعاد في العام 2005-رفضه لقانون 2009 الذي ظن انه يؤمن نوعا من صحة التمثيل يوم اعتمد فتبين له عكس ذلك بعد ان افسدته عمليات نقل النفوس، وضخ الاموال، والتحكم الاداري و الضغوط النفسية التي مورست اثناء الانتخابات. لذلك يبحث التيار عن قانون يعطل فيه مفاسد القانون الاكثري و لا يجد افضل من النسبية على صعيد المنطقة او الطائفة نظاما.

-رفض الحزب التقدمي الاشتراكي للنسبية لانها تحرمه من الحجم المضاف  الذي يشغله الان وتعيده الى حجمه الحقيقي وفقا لعدد الدروز في لبنان (حصل في العام 2009 على كتلة تمثل 10% من مجلس النواب بينما لا يمكن ان تعطيه النسبية اكثر من 4% فيما لو طبقت) و هنا يفقد دوره الحاسم في التحكم بتشكيل الحكومة.

-اما الفرقاء الاخرين الذين يتأثرون بشكل متفاوت وفقا للقانون المطبق فان الهاجس الرئيس الذي يبقى لديهم هو الفعالية والدور في تشكيل الحكومة ثم في ممارسة الحكم عبر مجلس الوزراء.

مع هذه الهواجس و التعقيدات و رغم  اننا نرى ان الامعان في الاداء الطائفي سيرسخ الطائفية اكثر لان  مثل العامل بنفس طائفي كمثل شارب ماء البحر كلما شرب منه ازداد عطشاً،  وليس هناك مخرج حقيقي من المآزق الا في النظام الذي يقود الى المواطنة التامة و المساواة بين الافراد دون النظر الى طوائفهم ، لكننا وبواقعية نقول ان هذا النظام-الطموح بعيد المنال الان لذلك لا بد من معالجة الهواجس الطائفية بالمتيسر الممكن من العلاج. وهنا ورغم اهمية قانون الانتخاب لجهة تأمين صحة تمثيل الطوائف فاننا لا نرى ان القانون وحده كافي  لضمان حقوق الطوائف بل يلزم ايضا الاتفاق على دور  الطوائف في تشكيل الحكومة حيث نرى:

-على صعيد قانون الانتخاب انه لا مناص من اعتماد النظام النسبي سواء على صعيد لبنان كله او المنطقة او الطائفة، من اجل الحد من تأثير المال و الضغوط النفسية الطائفية التي تفسد الارادة الشعبية. و اذا استوجب الامر و لاسباب عملية و موضوعية و واقعية قائمة حاضرا اللجؤ الى النظام الاكثري فينبغي ان لا يكون اعماله متجاوزا  نسبة ثلث عدد النواب كحد اقصى و الثلث كثير . (يعني انتخاب 23 بالنسبية وبالدوائر الكبرى و13 بالاكثرية و بالدوائر الصغرى)
-على صعيد تشكيل الحكومة: يجب اعادة النظر بالاكثرية اللازمة للثقة  بالحكومة (حاليا يكفي نصاب النصف زائد واحد  اي 65، و يكفي لنيل الثقة ايضا الاكثرية المطلقة منهم اي 33 نائبا) و هنا نرى و من اجل منع الاستئثار ان يكون النصاب المطلوب لمنح الثقة  الـ23 من مجلس النواب، و ان يعمد الى الاكثرية المركبة من اكثريتين بحيث تنال الحكومة الثقة اذا حازت على الاكثرية المطلقة من الحضور، و اكثرية الربع من كل من الطوائف الكبرى الثلاث التي يفرض ان تكون متساوية التمثيل في الحكومة. و على سبيل المثال: من مجلس نواب متشكل من  128 نائبا، ( 34 ماروني، 27 شيعي، 27 سني الخ....) يكون النصاب المطلوب لانعقاد جلسة الثقة  86  نائبا، والاكثرية المطلوبة 44 نائبا  على الاقل فيهم على الاقل 9 موارنة و7 شيعة و7 سنة).

-اما القول بمجلس شيوخ كما جاء في الطائف ينتخب على اساس طائفي ، فانه يفترض التحلل من طائفية مجلس النواب كلياً اما الابقاء على مجلس نيابي فيه طائفية التمثيل فانه لا يغير شيئا في المشهد، و في كل الاحوال يجب ان يحدد دور مجلس الشيوخ و تعين صلاحياته في تشكيل الحكومة و مراقبتها  قبل ان يصار الى انتخابه، و هو ار متعذر الان كما يعلم الجميع.
2013-01-24