ارشيف من :أخبار لبنانية
الباتريوت و"الوقود" التركي
محمد نور الدين - صحيفة "الخليج" الاماراتية"
وصلت أولى صواريخ الباتريوت إلى تركيا . احتفت بوصولها حكومة حزب العدالة والتنمية لأنها تقدم لها الحماية في مواجهة أي هجوم سوري عليها . أو هكذا يحاول قادة تركيا أن يقنعوا الرأي العام التركي .
الدفعة الأولى من الصواريخ وصلت إلى الاسكندرون ومنها إلى حيث يجب أن تنصب . لا أحد يدري لماذا ستنصب في ثلاث مناطق محددة على حدود طولها نحو التسعمئة كيلومتر مع سوريا .
لم يقنع كلام الحكومة سوى أعضائها . فأماكن نشر الصواريخ تتصل بحماية مراكز استراتيجية غربية في تركيا، على مقربة من كوريجيك حيث تنصب رادارات الدرع الصاروخية التابعة لحلف شمال الأطلسي، وعلى مقربة من أضنه حيث قاعدة اينجيرليك .
صواريخ الباتريوت مداها قصير أي نحو مئة وخمسين كيلومتراً . وهي غير قادرة على تشكيل درع حماية حقيقية لتركيا تجاه الصواريخ، أما الهجمات الجوية فهي خارج صلاحية عمل هذه الباتريوت . وقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الباتريوت صواريخ تعود إلى زمن مضى ولم تعد قادرة على مواجهة التكنولوجيا الحديثة . وبادر إلى تزويد سوريا بصواريخ اسكندر الأكثر تطوراً .
خطوة الباتريوت لاقت انتقادات عنيفة في إيران وروسيا . لأنهم يرون أنها موجهة لهما وأنها خطوة استفزازية في سياق الصراع بين القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ .
لكن نظرة إلى الوراء بعض الشيء تفضي إلى استنتاج أن الدور التركي في هذه العملية كان تنفيذياً وليس تقريرياً . إذ إن وصول الباتريوت اليوم إلى تركيا ليس سوى استكمال لخطوة نصب رادارات الدرع الصاروخية في ملاطية وسط البلاد . وخطوة الرادارات كانت في الأساس أمريكية . وقد رفضت تركيا ذلك عندما طرحته واشنطن معها . وكان أن اضطرت الولايات المتحدة إلى تحويل الخطوة إلى خطوة أطلسية . وتركيا عضو في الحلف الأطلسي، وكان لواشنطن ما أرادت حيث رضخت تركيا للضغوط ووافقت في قمة لشبونة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2010 على نشر رادارات الدرع الصاروخية ولم تكن الأزمة السورية ولا كل “الربيع العربي” قد بدأ .
سياسات تركيا تجاه الوضع في سوريا منذ بدايته اتسم بخطوات عالية النبرة، وبادرت أنقرة إلى طرح معادلة “لا حل إلا بزوال النظام السوري”، وعملت على هذا الهدف بكل ما أوتيت من وسائل عسكرية واقتصادية وسياسية . غير أن تطورات الوضع في سوريا انتهت حتى الآن إلى نتائج لم تكن لمصلحة تركيا لجهة الخسائر الاقتصادية والمزيد من العنف مع الأكراد، فضلاً عن التوتر الذي ظهر ولا يزال في العلاقات مع كل من إيران وروسيا والعراق . ولم يكن أمام تركيا سوى الانتقال إلى مزيد من الخطوات التي ربما كان الغرب، ولا سيما واشنطن، يبدي ضمناً سروره تجاهها وفي مقدمها طلب أنقرة نشر صواريخ الباتريوت على أراضيها لمواجهة أي هجوم صاروخي سوري . الذريعة كانت سوريا غير أن حلف شمال الأطلسي وجدها فرصة لمزيد من تكبيل أيدي تركيا وجلبها إلى مكان لا يسر أي دولة مشرقية عربية أو إسلامية .
ذلك أن اعتبار المسؤولين الأتراك حدود تركيا على أنها حدود أطلسية لا يليق بدولة إسلامية كانت رأس حربة المسلمين في مواجهة الغرب وأطماعه في المنطقة خلال العهد العثماني . كما أن ظهور تركيا على هذا القدر من الأطلسية لا يسهم في خلق ثقة بينها وبين أي دولة إسلامية أخرى، إذ سيتعامل الرأي العام الإسلامي مع تركيا على أنها ليست ضمن حدوده الإسلامية ما دامت الحدود الجديدة هي حدود أطلسية .
وعلى هذا، فإن وصول صواريخ الباتريوت إلى تركيا لا يخدم سوى معركة الغرب مع خصومه، ويزج تركيا في هذه المعركة في مواجهة دول إن لم تكن عربية أو إسلامية فعلى الأقل أنها جارة جغرافية مباشرة لتركيا . علماً بأن الجار قبل الدار، وعندما كانت أمريكا تحرّض تركيا على الوقوف معها ضد إيران كان الرئيس التركي عبدالله غول يقول إن أولوية تركيا هي العلاقة مع إيران لأن إيران جارة تركيا منذ أقدم العصور، فيما تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية لا يتعدى المئتي عام وتقع على بعد آلاف الأميال من تركيا . فأين تلك التحذيرات والمواقف مما يجري اليوم؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018