ارشيف من :أخبار لبنانية
الخيانة... ومربى الدلال
صحيفة السفير
نصري الصايغ
كنت على خلاف مع صديق، بسبب كرهه للكلاب. كنت أرى الكلب أمينا وكان يراه خائنا. أفضتُ مرارا في شرحي، ورويت له قصصا نبيلة عن وفاء الكلب لصاحبه، فأنكر ذلك ووضعه في خانة الدفاع عن الخيانة. حُجّته، أنه يشبه ذكر الحجل، عندما يقع في الأسر. الذكر يترغل في قفصه، فتخرج الأنثى لملاقاته، يستدعيها لحب جميل. تكرج اليه بفرح وجناحين جليلين، لتقع فريسة صيّاد يلهو بالقتل. وحجته على الكلب، انه وفيّ لسيّده، وخدوم لمستخدمه، وذيلي لظله، وحميم جدا في مكان اقامته، من جهة، ولا يدع أحدا من بني جنسه يقترب من سيده.
كنت... وكان... والخلاف على الأمانة والخيانة. ولم أقتنع، الا عندما عاينت مبلغ الخيانة السهلة، التي توصل إليها عدد من اللبنانيين، من دون ضغط، او ترهيب. عمالة سهلة، هكذا من أجل عظمة ينجرونها بصكّ أسنانهم.
كم ثمن الخيانة؟
عادة، يكون باهظاً جداً، وصعباً جداً. هذه المرة، بعد انكشاف خلايا التجسس في لبنان، لمصلحة اسرائيل. بدا أن الخيانة، فعل مرغوب للبعض. ولعل السبب، ان تاريخ لبنان، تعامل بدلال غريب، مع الخونة، وكاد يصفح عنهم، لأسباب تتعلق «بالميزان الطائفي»، و«العدالة الطائفية»، و«السياسة الطائفية» وعفا الله عما مضى.
لدى لبنان، سجل حافل من المتعاملين مع العدو. الحرب اللبنانية، جعلت من التعاون مع اسرائيل، مبررا ودفاعا عن الوجود المسيحي، المهدد من «السوفيات، والمسلمين، والفلسطينيين». لدى لبنان، أسماء لامعة سياسيا، تدربت في اسرائيل، فتحت مكاتب لها في «القدس المحتلة»، ومهدت السبيل لاحتلال بيروت. لدى لبنان، حتى هذه اللحظة، سجل أسود من «العفو عن العملاء»، من دون ان يتلوا فعل ندامة. خونة في مرتبة الرعاية. كوفئوا بالنسيان. ربتنا على أكتافهم، وصاروا منا، ومعنا، وفوقنا، من دون محاسبة، ولو بالسياسة.
ولدى لبنان، خونة في مرتبة اللوم الموقت: اكثر من عشرة آلاف متعامل مع اسرائيل و«جيش لبنان الجنوبي»، حوكموا بغرامات وعقوبات، ربما أقل قسوة من مرتكبي حوادث السير.
هذا التراخي، لأسباب طائفية بحتة، حرم لبنان من حق معاقبة العملاء. قيل لهم: «سلموا أنفسكم، عودوا إلينا، تدخلوا من الباب، وتخرجوا من الشباك، مع صك بسجن مؤقت. حتى الذين لوثوا أياديهم بدماء الأبرياء، ومارسوا وحشية وتعذيبا للعجزة والنساء والأطفال. حتى سفاحو معتقل الخيام، لم يبق منهم أحد في السجن، لأن عقوبتهم دون جريمتهم بمقدار كبير.
لا جريمة تفوق الخيانة، وتوجب أقسى العقوبات.
نحن طبَّعنا الجريمة. طبًّعنا الخيانة، قيل: صارت وجهة نظر.
وعلى هذا المنوال، سيدفع لبنان ثمنا باهظا، من استقراره وأمنه وأخلاق شعبه. لم نحاسب من قتلنا في الحروب اللبنانية، بسبب الطائفية. ولم نحاسب من تعامل مع العدو، بسبب الطائفية. فهل الحبل على الجرار.
وهل تبقى الخيانة... مربى الدلال السياسي عندنا؟
صديقي كان على صواب: الطائفية تربي خونة وتدافع عنهم...
عسى أن لا... في المستقبل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018