ارشيف من :أخبار لبنانية
رسائل روسية «بالخط العريض»: انتهاء أحادية القطبية الأميركية
صياح عزام - صحيفة الوطن السورية
مؤشرات عديدة وكثيرة وقوية في الوقت نفسه تتزايد من حولنا، مؤكدة أن العالم لم ولن يبقى كما هو، بل هو آخذ بالتغيّر جذرياً، ليصبح عالماً آخر، غير الذي عرفناه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق والمعسكر الاشتراكي في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم كما تريد ووفقاً لمصالحها الخاصة. المؤشر الأخير من هذه المؤشرات، وهو المناورات العسكرية الروسية «منقطعة النظير» كما سمتها روسيا بشكل رسمي والتي بدأت في الحادي والعشرين من شهر كانون الثاني الجاري عام 2013 وقد شاركت فيها أربعة أساطيل ومختلف أنواع الأسلحة، كما أنها امتدت على مساحات واسعة من البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط. لاشك أن لمثل هذه المناورات خلفيات ودوافع بعيدة، أو بالأحرى شكلت أكثر من رسالة وجهتها روسيا الاتحادية للعالم أجمع، خصوماً، أصدقاء ومحايدين على السواء، لتؤكد مجموعة من الأمور المهمة التي لا يمكن ولا يجوز تجاهلها.
- الرسالة الأولى منها تقول: أو تتضمن بأن الحضور العسكري الروسي خارج الحدود الروسية قد عاد إلى الحضور بقوة، وأن زمن تمدد حلف شمال الأطلسي باتجاه روسيا من دون أي رد فعل روسي مماثل قد انتهى، وهذا الأمر لم يحصل فجأة أو دفعة واحدة، أي من خلال هذه المناورات فقط، بل بدأ وتدرج ضمن خطوات مدروسة ومتصاعدة خلال السنوات الماضية، حيث استأنفت الطائرات الحربية الروسية طويلة المدى دورياتها الاستطلاعية فوق المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ في شهر آب من عام 2007، بعد أن كانت قد توقفت عن ذلك منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وإلى جانب ذلك، تم أيضاً وضع حد لتمدد حلف الناتو في (أوكرانيا وجورجيا) بشكل حازم ومعروف لدى الجميع.
- أما الرسالة الثانية فتقول على الملأ: إن نظام أحادية القطبية الأميركية قد انتهى، وهذا الأمر تم التعبير عنه خلال السنوات الأخيرة الماضية بأكثر من صيغة وأكثر من مظهر ووسيلة ومستوى، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عملت روسيا الاتحادية على تشكيل أو إقامة عدة تجمعات دولية، لها طابع سياسي واقتصادي، تهدف إلى منافسة الولايات المتحدة الأميركية وأطرها الدولية المختلفة بما في ذلك تحالفاتها هنا وهناك، وكان آخر هذه التجمعات وأهمها أيضاً، مجموعة دول «البريكس»، التي تضم إلى جانب روسيا الاتحادية، كلاً من الدول التالية: الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وقد عبّر موقف هذه الدول (ولاسيما موقفا الصين وروسيا) من الأحداث الدائرة في سورية منذ نحو عامين عن هذا التغيير الكبير الذي طرأ على النظام الدولي خلال السنتين الأخيرتين، حيث استخدمت روسيا والصين، بصورة مشتركة، حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي ثلاث مرات، للحيلولة دون تدخل حلف شمال الأطلسي عسكرياً في سورية كما حصل في ليبيا، عندما اتخذ مجلس الأمن قراراً بالتدخل بذريعة حماية المدنيين، إلا أن القرار تحول إلى غزو عسكري لأغراض خاصة.
والرسالة الثالثة تقول: إن تمدّد حلف الأطلسي باتجاه سورية، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أم من خلال المخلب التركي، هو خطٌ أحمر بالنسبة لروسيا يُمْنَع الاقتراب منه. وبالفعل فلولا هذا التحذير الروسي لحصل مثل هذا التمدّد وخاصة أن تركيا إلى جانب أنها عضو في حلف الأطلسي، لها أطماعُها الخاصة في المنطقة، حيث تراود حكومة أردوغان أحلام إحياء الإمبراطورية العثمانية البائدة، وتنصيبه خليفةً على مسلمي المنطقة. وقد تتابعت رسائل موسكو القوية بهذا الاتجاه خلال السنة الماضية، حيث قامت بإرسال بعض القطع البحرية إلى ميناء طرطوس السوري بصورةٍ مُنتظمة، وقبل نحو شهرين منذ الآن، قررت رئاسة هيئة أركان القوات الروسية إبقاء بعض هذه القطع هناك إلى أجلٍ غير مُسمَّى. إضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أمرٍ مهم، وهو أنه بعد أن قامت حكومة (أردوغان) بالإيعاز إلى المعنيين لديها باعتراض طائرة مدنيّة قادمة من روسيا، وأخرى أرمنية قادمة إلى سورية أيضاً في عملية قرصنة واضحةٍ واستفزاز شنيع، أرسلت روسيا الاتحادية ثلاثين طائرة حربية من طراز /سوخوي 35/ التي تُعدُّ الأحدث في مجالها إلى قبرص اليونانية، لكي تقوم منذ ذلك التاريخ، بما لا يقلُّ عن عشر طلعات يومية منتظمة قُبالة السواحل التركية والسورية وسواحل قبرص التركية، والأمر الذي اضطرت معه تركيا إلى إيقاف تحليق طائراتها الحربية فوق قبرص، بعد أن كانت قد دأبت على ذلك بكل وقاحة منذ مدة طويلة.
إجمالاً، يمكن القول: إنَّ مثل هذه الرسائل الروسية واضحة المعالم، ولا شك أنها وصلت إلى الجهات الموجَّهة إليها وهي الولايات المتحدة أولاً ودول حلف الناتو ثانياً، وهي رسائل حازمة لا تحتاج إلى أيّ تأويل أو تفسير يختلف عما قلناه قبل قليل، وهي أيضاً تُعَدّ تطوراتٍ إيجابيةً ومهمةً على صعيد العالم أجمع، وخاصة بالنسبة للدول الصغيرة والمُستضعفة التي تخضع للاستغلال الأميركي، وهذه التطورات ستؤدي في النهاية- ومن دون أي شك- إلى تنويع الخيارات وإطلاق حرية القرار أمام الدول والشعوب الصغيرة التي تتعرض للضغوط الأميركية. وهنا قد يقول قائل: «إن روسيا ليس الاتحاد السوفييتي» هذا القول صحيح، إلا أنَّ روسيا الاتحادية هي أولاً وريث الاتحاد السوفييتي، وهي بالدرجة الثانية استطاعت أَنْ تبني اقتصاداً متيناً، ولاسيما جراء ازدهار صناعتها العسكرية وتجارتها الرابحة بالسلاح الذي تصنعه وتصدّره لدول عديدة، هذا إضافة إلى الاهتمام الذي أولاه الرئيس الروسي (بوتين) لمسائل التصنيع الأخرى، ولمسائل مكافحة الفساد، والقضاء على العصابات الصهيونية التي أساءت إلى الاقتصاد الروسي ونهبت نفطه في عهد الرئيس الروسي الأسبق (بوريس يلتسين).
من جهة أخرى، فإن الخيار القائم حالياً على الصعيد الدولي ليس فقط بين روسيا والصين من جهة وبين الغرب الأمبريالي من جهة أخرى، بل أيضاً بين نظامٍ دولي أحاديّ القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية بشكل شبه مطلق، إن لم يكن مطلقاً، وبين نظام متعدد الأقطاب تمتلك فيه الشعوب والدول حرية الحركة والمناورة، وتترسخ فيه أول بأول مبادئ القانون الدولي وتحترم، ولا شك أنه ليس من إنسان عاقل وسوي يدافع عن نظام أحادي أراد ولا يزال يريد، استمرار استعباده للدول والشعوب إلى ما لا نهاية، على غرار ما فعلته الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته (أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق).
ويبدو واضحاً للجميع أن معظم دول العالم مرتاحة لاستعادة روسيا الاتحادية لدورها على الصعيد الدولي، لأن مثل هذا الأمر يريح الشعوب والدول الصغيرة ويساعدها على المحافظة على سيادتها وعلى قرارها المستقل وعلى تجاوز الصعوبات التي تعترضها وتنفيذ خطط تنمية اقتصادية طموحة.
مؤشرات عديدة وكثيرة وقوية في الوقت نفسه تتزايد من حولنا، مؤكدة أن العالم لم ولن يبقى كما هو، بل هو آخذ بالتغيّر جذرياً، ليصبح عالماً آخر، غير الذي عرفناه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق والمعسكر الاشتراكي في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم كما تريد ووفقاً لمصالحها الخاصة. المؤشر الأخير من هذه المؤشرات، وهو المناورات العسكرية الروسية «منقطعة النظير» كما سمتها روسيا بشكل رسمي والتي بدأت في الحادي والعشرين من شهر كانون الثاني الجاري عام 2013 وقد شاركت فيها أربعة أساطيل ومختلف أنواع الأسلحة، كما أنها امتدت على مساحات واسعة من البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط. لاشك أن لمثل هذه المناورات خلفيات ودوافع بعيدة، أو بالأحرى شكلت أكثر من رسالة وجهتها روسيا الاتحادية للعالم أجمع، خصوماً، أصدقاء ومحايدين على السواء، لتؤكد مجموعة من الأمور المهمة التي لا يمكن ولا يجوز تجاهلها.
- الرسالة الأولى منها تقول: أو تتضمن بأن الحضور العسكري الروسي خارج الحدود الروسية قد عاد إلى الحضور بقوة، وأن زمن تمدد حلف شمال الأطلسي باتجاه روسيا من دون أي رد فعل روسي مماثل قد انتهى، وهذا الأمر لم يحصل فجأة أو دفعة واحدة، أي من خلال هذه المناورات فقط، بل بدأ وتدرج ضمن خطوات مدروسة ومتصاعدة خلال السنوات الماضية، حيث استأنفت الطائرات الحربية الروسية طويلة المدى دورياتها الاستطلاعية فوق المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ في شهر آب من عام 2007، بعد أن كانت قد توقفت عن ذلك منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وإلى جانب ذلك، تم أيضاً وضع حد لتمدد حلف الناتو في (أوكرانيا وجورجيا) بشكل حازم ومعروف لدى الجميع.
- أما الرسالة الثانية فتقول على الملأ: إن نظام أحادية القطبية الأميركية قد انتهى، وهذا الأمر تم التعبير عنه خلال السنوات الأخيرة الماضية بأكثر من صيغة وأكثر من مظهر ووسيلة ومستوى، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عملت روسيا الاتحادية على تشكيل أو إقامة عدة تجمعات دولية، لها طابع سياسي واقتصادي، تهدف إلى منافسة الولايات المتحدة الأميركية وأطرها الدولية المختلفة بما في ذلك تحالفاتها هنا وهناك، وكان آخر هذه التجمعات وأهمها أيضاً، مجموعة دول «البريكس»، التي تضم إلى جانب روسيا الاتحادية، كلاً من الدول التالية: الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وقد عبّر موقف هذه الدول (ولاسيما موقفا الصين وروسيا) من الأحداث الدائرة في سورية منذ نحو عامين عن هذا التغيير الكبير الذي طرأ على النظام الدولي خلال السنتين الأخيرتين، حيث استخدمت روسيا والصين، بصورة مشتركة، حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي ثلاث مرات، للحيلولة دون تدخل حلف شمال الأطلسي عسكرياً في سورية كما حصل في ليبيا، عندما اتخذ مجلس الأمن قراراً بالتدخل بذريعة حماية المدنيين، إلا أن القرار تحول إلى غزو عسكري لأغراض خاصة.
والرسالة الثالثة تقول: إن تمدّد حلف الأطلسي باتجاه سورية، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أم من خلال المخلب التركي، هو خطٌ أحمر بالنسبة لروسيا يُمْنَع الاقتراب منه. وبالفعل فلولا هذا التحذير الروسي لحصل مثل هذا التمدّد وخاصة أن تركيا إلى جانب أنها عضو في حلف الأطلسي، لها أطماعُها الخاصة في المنطقة، حيث تراود حكومة أردوغان أحلام إحياء الإمبراطورية العثمانية البائدة، وتنصيبه خليفةً على مسلمي المنطقة. وقد تتابعت رسائل موسكو القوية بهذا الاتجاه خلال السنة الماضية، حيث قامت بإرسال بعض القطع البحرية إلى ميناء طرطوس السوري بصورةٍ مُنتظمة، وقبل نحو شهرين منذ الآن، قررت رئاسة هيئة أركان القوات الروسية إبقاء بعض هذه القطع هناك إلى أجلٍ غير مُسمَّى. إضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أمرٍ مهم، وهو أنه بعد أن قامت حكومة (أردوغان) بالإيعاز إلى المعنيين لديها باعتراض طائرة مدنيّة قادمة من روسيا، وأخرى أرمنية قادمة إلى سورية أيضاً في عملية قرصنة واضحةٍ واستفزاز شنيع، أرسلت روسيا الاتحادية ثلاثين طائرة حربية من طراز /سوخوي 35/ التي تُعدُّ الأحدث في مجالها إلى قبرص اليونانية، لكي تقوم منذ ذلك التاريخ، بما لا يقلُّ عن عشر طلعات يومية منتظمة قُبالة السواحل التركية والسورية وسواحل قبرص التركية، والأمر الذي اضطرت معه تركيا إلى إيقاف تحليق طائراتها الحربية فوق قبرص، بعد أن كانت قد دأبت على ذلك بكل وقاحة منذ مدة طويلة.
إجمالاً، يمكن القول: إنَّ مثل هذه الرسائل الروسية واضحة المعالم، ولا شك أنها وصلت إلى الجهات الموجَّهة إليها وهي الولايات المتحدة أولاً ودول حلف الناتو ثانياً، وهي رسائل حازمة لا تحتاج إلى أيّ تأويل أو تفسير يختلف عما قلناه قبل قليل، وهي أيضاً تُعَدّ تطوراتٍ إيجابيةً ومهمةً على صعيد العالم أجمع، وخاصة بالنسبة للدول الصغيرة والمُستضعفة التي تخضع للاستغلال الأميركي، وهذه التطورات ستؤدي في النهاية- ومن دون أي شك- إلى تنويع الخيارات وإطلاق حرية القرار أمام الدول والشعوب الصغيرة التي تتعرض للضغوط الأميركية. وهنا قد يقول قائل: «إن روسيا ليس الاتحاد السوفييتي» هذا القول صحيح، إلا أنَّ روسيا الاتحادية هي أولاً وريث الاتحاد السوفييتي، وهي بالدرجة الثانية استطاعت أَنْ تبني اقتصاداً متيناً، ولاسيما جراء ازدهار صناعتها العسكرية وتجارتها الرابحة بالسلاح الذي تصنعه وتصدّره لدول عديدة، هذا إضافة إلى الاهتمام الذي أولاه الرئيس الروسي (بوتين) لمسائل التصنيع الأخرى، ولمسائل مكافحة الفساد، والقضاء على العصابات الصهيونية التي أساءت إلى الاقتصاد الروسي ونهبت نفطه في عهد الرئيس الروسي الأسبق (بوريس يلتسين).
من جهة أخرى، فإن الخيار القائم حالياً على الصعيد الدولي ليس فقط بين روسيا والصين من جهة وبين الغرب الأمبريالي من جهة أخرى، بل أيضاً بين نظامٍ دولي أحاديّ القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية بشكل شبه مطلق، إن لم يكن مطلقاً، وبين نظام متعدد الأقطاب تمتلك فيه الشعوب والدول حرية الحركة والمناورة، وتترسخ فيه أول بأول مبادئ القانون الدولي وتحترم، ولا شك أنه ليس من إنسان عاقل وسوي يدافع عن نظام أحادي أراد ولا يزال يريد، استمرار استعباده للدول والشعوب إلى ما لا نهاية، على غرار ما فعلته الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته (أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق).
ويبدو واضحاً للجميع أن معظم دول العالم مرتاحة لاستعادة روسيا الاتحادية لدورها على الصعيد الدولي، لأن مثل هذا الأمر يريح الشعوب والدول الصغيرة ويساعدها على المحافظة على سيادتها وعلى قرارها المستقل وعلى تجاوز الصعوبات التي تعترضها وتنفيذ خطط تنمية اقتصادية طموحة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018