ارشيف من :أخبار لبنانية
الشيخ سعد بالـ«نيو لوك»: مفتي العلمانيين
فراس الشوفي - صحيفة الاخبار
من شاهد سابقاً وثائقيّاً عن العرب المغتربين في أوروبا أو فرنسا؟ مع موسيقى الحنين إلى الوطن، وفي الخلفيّة صوت الشارع؟ تليق موسيقى «الصّالونات» بالرئيس سعد الحريري. حتى باريس نفسها، بصخبها وعروضها الثقافيّة وإبداعات مطبخها الشّهير، وهوائها البارد اللّطيف، تبدو كأنها فُصّلت على قياس رجل الأعمال السعودي ــــ اللبناني. قُل هكذا أرادها «الريبورتاج» الذي سبق مقابلة الحريري مع الفضائية اللبنانية للإرسال مساء أول من أمس.
تُرى، كيف يقضي الحريري أيامه في عاصمة «المخمليّين»؟ حيث لا طرابلس تنزف دماً، ولا البقاع الغربي يئنّ من البرد، ولا يعكّر الشيخ أحمد الأسير صفوة رحلات التزلّج فوق بياض الألب الفرنسي. «بتلبق» الغربة للحريري: زيادة واضحة في الوزن تظهر على الوجه، بينما فعل «الحديد» وتمارين «هندمة» الأجسام فعلهما في الأكتاف، لتظهر عريضة ممتلئة تحت «الجاكيت» الكحليّة (من المرجّح أن تكون الجاكيت هي غيرها تلك التي خلعها قبل عامين على المنبر).
بعيداً عن هموم بيروت، يمكن الحريري أن يتمرّن في أوقات الفراغ (وما أكثرها) على تحسين أدائه الإعلامي، ليقلّ التلعثم والصمت القاتل، ويزداد التركيز على طرح الأفكار بوضوح. أمّا أزمة استعمال العربية الفصحى، فتبدو أنها أعقد من حيث المبدأ من الأزمة السورية، فلا يمكن مثلاً أن يعالج مؤتمر دوليّ أو تسوية بين روسيا وأميركا مشكلة خلط الحريري بين حرف «السين» وحرف «الزاي»، تقريباً في كل كلمة تحوي «السين». الـ«زي ما هيي» لا تزال عالقة في بال الشيخ سعد.
للإنصاف، ظهر الحريري بحلّة جديدة لا تختلف كثيراً من حيث المضمون. لكن في الشكل، بذل الحريري مجهوداً.
وبعيداً عن الشكل، رأى المستقبليون في كلام «الحريري المنتظر» أمس «يداً ممدودة للشركاء في الوطن وانفتاحاً للحفاظ على لبنان». فالحريري، في نظر مقربين منه، «لم يُصعّد مذهبياً في زمن الجنون المذهبي. بل إنه ذهب بعيداً في موقف واضح وصريح من الزواج المدني مخالف لتراث «جماعته». يختصر نائب مستقبلي مضمون المقابلة بالآتي: «إنه خطاب لعودة هادئة ومسؤولة إلى بيروت».
أمّا «الشركاء في الوطن»، وتحديداً أولئك العاملين داخل اللجنة الفرعية المصغّرة لبحث قانون الانتخاب، فلا يرون في كلام الحريري أي جديد، «سوى عرقلة جهود الرئيس نبيه برّي بعد خطوة تمديد عمل اللجنة». طرح الحريري الانتخابي بالنسبة إلى قوى 8 آذار، ليس إلّا «خلطاً انتقائياً» لمشروع الـ 50 دائرة الذي قدّمه حزب القوات اللبنانية مع تطعيم بفكرة مجلس الشّيوخ من فكرة الحزب التقدمي الاشتراكي. هل هي خطوة للملمة حلفاء الأمس أصدقاء اليوم؟ ربّما؛ إذ تحوّل النائب وليد جنبلاط من قائد 14 آذار في لحظة 14 شبط 2005، إلى مجرّد «صديق» للشيخ سعد. أمّا القوات وحزب الكتائب اللبنانية، فلم يعرف الحريري حين ردّ على الزميل مارسيل غانم من لَحِقَ بمن؟ حلفاؤه السابقون، أم النائب ميشال عون في قانون اللقاء الأرثوذكسي؟ وهنا يترجم غانم: الحريري بقّ بحصة الاستياء من الحلفاء. وفي مرّة أخرى، يبقّ الحريري صخرة، حين يقرأ غانم تعليقاً للنائب جورج عدوان في جريدة السّفير ينتقد فيه موقف تيار المستقبل، يستمع الحريري وتغور عيناه، «نعم، نعم...».
بعد «كرعة» ماء، أفاد الحريري بأنه إذا عاد إلى رئاسة الحكومة، سيفعل عكس ما فعلته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، كل شي كل شي. يلتبس الأمر على أحد نوّاب قوى 8 آذار، ماذا يقصد بالعكس؟ لن يموّل المحكمة الدوليّة؟ سيخرج اللواء أشرف ريفي وموظفي العصر الحريري من الحكم؟ أم سينقضّ على سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية كرئيس للحكومة؟ برأي النائب، لم تعد عند الحريري أولويّة إسقاط الحكومة، إذا سقطت، «سيضحك من قلبه، ربّما كان الاستقبال السعودي لميقاتي قد كبح جموحه».
ليس لدى الحريري مشكلة مع أي أحد في لبنان، «ولكن بالتحديد مع حزب الله عندي مشكلة، لأنّ هؤلاء المتهمين بقتل أبي، يجب أن يُسلّموا»، يقول الحريري، بربطة العنق الحمراء. المفارقة أن الحريري عاد إلى النغمة القديمة: النظام السوري مسؤول عن اغتيال والده أيضاً. «حيّرنا»، يقول أحد مصادر قوى 8 آذار، «بدل ما يكحّلها، عماها، أين هي اليد الممدودة؟». ويشير المصدر إلى أن مضمون المقابلة السياسي تصعيدي، بدءاً بالمبادرة التي «تغلق باب التوافق عبر التشديد على القانون الأكثري»، وصولاً إلى «القواص على حزب الله، ومحاولة تحييد الرئيس برّي». لم تنجح محاولة الحريري بتحييد رئيس المجلس النيابي عن الصراع، بعد كميّة من الغزل، تذكّر دولة الرئيس الشاب حين السؤال عن إعادة انتخاب برّي رئيساً للمجلس: هوّي انتخبني أو سمّاني؟
في الاستنتاج العام، لا ترى قوى 8 آذار أن الحريري قدّم شيئاً استثنائيّاً في السّياسة غير العرقلة بشكل مرتّب، وبضعة «مؤشّرات إيجابية في سياق سلبي»، كتأكيده أن المستقبل (الذي يرفض النسبية في ظلّ السلاح ويقبل القانون الأكثري مع قنابل نوويّة في حوزة حزب الله) لن يقاطع الانتخابات إذا عرف مشروع اللقاء الأرثوذكسي طريقه إلى الحياة، على الرغم مما ذكره الحريري من شروط لاغية، كالطعن بالمشروع أمام المجلس النيابي.
هذا ليس كل شيء. ذهب الحريري حيث لا يجرؤ الآخرون في نقطة ذهبيّة لمصلحته: تأييد الزواج المدني. في مقابل فتوى مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، كان الحريري أول من أمس يؤيّد الزواج المدني جهاراً. هذه ليست طعنة (إيجابية طبعاً) في فتوى قباني وحدها، بل فتح باب لمعركة مع كل التيارات المتشددة في طائفته، وخروج على ما «سنّه» الحريري الأب. «الشيخ سعد» ليس علمانيّاً، واستعمل في السابق دم أبيه والشحن المذهبي إلى أقصى الحدود، لكنّه تقدّم على كثيرين في المجاهرة بهذا الموقف. لا يمكن اكتشاف النيات التي دفعت الحريري إلى رفع صوت الزواج المدني، ولا السير في تحليل قوى 8 آذار بأنه «قال ما قاله جكارة بالمفتي». فلننتظر ولنرَ، ربّما بقي الحريري على موقفه حين تقترب الانتخابات النيابية، ويتحدّى أولئك المشايخ الذين اعتلوا منابر المساجد أمس للهجوم عليه.
من شاهد سابقاً وثائقيّاً عن العرب المغتربين في أوروبا أو فرنسا؟ مع موسيقى الحنين إلى الوطن، وفي الخلفيّة صوت الشارع؟ تليق موسيقى «الصّالونات» بالرئيس سعد الحريري. حتى باريس نفسها، بصخبها وعروضها الثقافيّة وإبداعات مطبخها الشّهير، وهوائها البارد اللّطيف، تبدو كأنها فُصّلت على قياس رجل الأعمال السعودي ــــ اللبناني. قُل هكذا أرادها «الريبورتاج» الذي سبق مقابلة الحريري مع الفضائية اللبنانية للإرسال مساء أول من أمس.
تُرى، كيف يقضي الحريري أيامه في عاصمة «المخمليّين»؟ حيث لا طرابلس تنزف دماً، ولا البقاع الغربي يئنّ من البرد، ولا يعكّر الشيخ أحمد الأسير صفوة رحلات التزلّج فوق بياض الألب الفرنسي. «بتلبق» الغربة للحريري: زيادة واضحة في الوزن تظهر على الوجه، بينما فعل «الحديد» وتمارين «هندمة» الأجسام فعلهما في الأكتاف، لتظهر عريضة ممتلئة تحت «الجاكيت» الكحليّة (من المرجّح أن تكون الجاكيت هي غيرها تلك التي خلعها قبل عامين على المنبر).
بعيداً عن هموم بيروت، يمكن الحريري أن يتمرّن في أوقات الفراغ (وما أكثرها) على تحسين أدائه الإعلامي، ليقلّ التلعثم والصمت القاتل، ويزداد التركيز على طرح الأفكار بوضوح. أمّا أزمة استعمال العربية الفصحى، فتبدو أنها أعقد من حيث المبدأ من الأزمة السورية، فلا يمكن مثلاً أن يعالج مؤتمر دوليّ أو تسوية بين روسيا وأميركا مشكلة خلط الحريري بين حرف «السين» وحرف «الزاي»، تقريباً في كل كلمة تحوي «السين». الـ«زي ما هيي» لا تزال عالقة في بال الشيخ سعد.
للإنصاف، ظهر الحريري بحلّة جديدة لا تختلف كثيراً من حيث المضمون. لكن في الشكل، بذل الحريري مجهوداً.
وبعيداً عن الشكل، رأى المستقبليون في كلام «الحريري المنتظر» أمس «يداً ممدودة للشركاء في الوطن وانفتاحاً للحفاظ على لبنان». فالحريري، في نظر مقربين منه، «لم يُصعّد مذهبياً في زمن الجنون المذهبي. بل إنه ذهب بعيداً في موقف واضح وصريح من الزواج المدني مخالف لتراث «جماعته». يختصر نائب مستقبلي مضمون المقابلة بالآتي: «إنه خطاب لعودة هادئة ومسؤولة إلى بيروت».
أمّا «الشركاء في الوطن»، وتحديداً أولئك العاملين داخل اللجنة الفرعية المصغّرة لبحث قانون الانتخاب، فلا يرون في كلام الحريري أي جديد، «سوى عرقلة جهود الرئيس نبيه برّي بعد خطوة تمديد عمل اللجنة». طرح الحريري الانتخابي بالنسبة إلى قوى 8 آذار، ليس إلّا «خلطاً انتقائياً» لمشروع الـ 50 دائرة الذي قدّمه حزب القوات اللبنانية مع تطعيم بفكرة مجلس الشّيوخ من فكرة الحزب التقدمي الاشتراكي. هل هي خطوة للملمة حلفاء الأمس أصدقاء اليوم؟ ربّما؛ إذ تحوّل النائب وليد جنبلاط من قائد 14 آذار في لحظة 14 شبط 2005، إلى مجرّد «صديق» للشيخ سعد. أمّا القوات وحزب الكتائب اللبنانية، فلم يعرف الحريري حين ردّ على الزميل مارسيل غانم من لَحِقَ بمن؟ حلفاؤه السابقون، أم النائب ميشال عون في قانون اللقاء الأرثوذكسي؟ وهنا يترجم غانم: الحريري بقّ بحصة الاستياء من الحلفاء. وفي مرّة أخرى، يبقّ الحريري صخرة، حين يقرأ غانم تعليقاً للنائب جورج عدوان في جريدة السّفير ينتقد فيه موقف تيار المستقبل، يستمع الحريري وتغور عيناه، «نعم، نعم...».
بعد «كرعة» ماء، أفاد الحريري بأنه إذا عاد إلى رئاسة الحكومة، سيفعل عكس ما فعلته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، كل شي كل شي. يلتبس الأمر على أحد نوّاب قوى 8 آذار، ماذا يقصد بالعكس؟ لن يموّل المحكمة الدوليّة؟ سيخرج اللواء أشرف ريفي وموظفي العصر الحريري من الحكم؟ أم سينقضّ على سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية كرئيس للحكومة؟ برأي النائب، لم تعد عند الحريري أولويّة إسقاط الحكومة، إذا سقطت، «سيضحك من قلبه، ربّما كان الاستقبال السعودي لميقاتي قد كبح جموحه».
ليس لدى الحريري مشكلة مع أي أحد في لبنان، «ولكن بالتحديد مع حزب الله عندي مشكلة، لأنّ هؤلاء المتهمين بقتل أبي، يجب أن يُسلّموا»، يقول الحريري، بربطة العنق الحمراء. المفارقة أن الحريري عاد إلى النغمة القديمة: النظام السوري مسؤول عن اغتيال والده أيضاً. «حيّرنا»، يقول أحد مصادر قوى 8 آذار، «بدل ما يكحّلها، عماها، أين هي اليد الممدودة؟». ويشير المصدر إلى أن مضمون المقابلة السياسي تصعيدي، بدءاً بالمبادرة التي «تغلق باب التوافق عبر التشديد على القانون الأكثري»، وصولاً إلى «القواص على حزب الله، ومحاولة تحييد الرئيس برّي». لم تنجح محاولة الحريري بتحييد رئيس المجلس النيابي عن الصراع، بعد كميّة من الغزل، تذكّر دولة الرئيس الشاب حين السؤال عن إعادة انتخاب برّي رئيساً للمجلس: هوّي انتخبني أو سمّاني؟
في الاستنتاج العام، لا ترى قوى 8 آذار أن الحريري قدّم شيئاً استثنائيّاً في السّياسة غير العرقلة بشكل مرتّب، وبضعة «مؤشّرات إيجابية في سياق سلبي»، كتأكيده أن المستقبل (الذي يرفض النسبية في ظلّ السلاح ويقبل القانون الأكثري مع قنابل نوويّة في حوزة حزب الله) لن يقاطع الانتخابات إذا عرف مشروع اللقاء الأرثوذكسي طريقه إلى الحياة، على الرغم مما ذكره الحريري من شروط لاغية، كالطعن بالمشروع أمام المجلس النيابي.
هذا ليس كل شيء. ذهب الحريري حيث لا يجرؤ الآخرون في نقطة ذهبيّة لمصلحته: تأييد الزواج المدني. في مقابل فتوى مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، كان الحريري أول من أمس يؤيّد الزواج المدني جهاراً. هذه ليست طعنة (إيجابية طبعاً) في فتوى قباني وحدها، بل فتح باب لمعركة مع كل التيارات المتشددة في طائفته، وخروج على ما «سنّه» الحريري الأب. «الشيخ سعد» ليس علمانيّاً، واستعمل في السابق دم أبيه والشحن المذهبي إلى أقصى الحدود، لكنّه تقدّم على كثيرين في المجاهرة بهذا الموقف. لا يمكن اكتشاف النيات التي دفعت الحريري إلى رفع صوت الزواج المدني، ولا السير في تحليل قوى 8 آذار بأنه «قال ما قاله جكارة بالمفتي». فلننتظر ولنرَ، ربّما بقي الحريري على موقفه حين تقترب الانتخابات النيابية، ويتحدّى أولئك المشايخ الذين اعتلوا منابر المساجد أمس للهجوم عليه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018