ارشيف من :أخبار لبنانية
التمديد للجنة قانون الانتخاب وإطلالة الحريري وجهان لأزمة واحدة: لا تسويات ولا حلول
ابراهيم بيرم - صحيفة "النهار"
شهد الاسبوع الجاري حدثين متتاليين يشيان ضمناً بعمق المأزق السياسي لكل الاطراف وعجزهم حتى الآن عن انتاج تسويات حول قانون الانتخاب، وقصورهم عن الخروج من حال الانتظار.
الحدث الاول كان في مجلس النواب، والثاني تجلى في الاطلالة التلفزيونية للرئيس سعد الحريري بعد طول احتجاب عن الساحة والشاشة في آن واحد.
لا شك في ان كثراً تنفسوا الصعداء لحظة نجح رئيس مجلس النواب نبيه بري في إمرار مسألة تمديد مهلة اللجنة النيابية الفرعية المولجة وضع اسس التفاهم على قانون الانتخاب، من منطلق ان هذه "التخريجة" تفتح الباب امام إمكان انضاج تسوية أو على الاقل إرساء اسسها الاولى للبناء عليها لاحقاً.
الذين يزورون عين التينة يخرجون باستنتاج أكيد فحواه ان الرئيس بري لديه الرغبة العارمة في ان يكون عرّاب قانون انتخاب جديد للمرة الثالثة منذ عام 2005، ولكنه لا يشعر سائليه المستفسرين عن التفاصيل، بأنه يقيم على يقين يثبت انه سيلعب دور القابلة التي سيولد على يديها القانون الانتخابي المتوافق عليه خلال فترة معلومة.
وعليه فإن بري على يقين من انه يمسك بخيوط مهمة في اللعبة الجارية حالياً، وانه يحظى في هذا الاطار، بتفويض غير مرئي ومعلن من حلفائه وخصومه على حد سواء الى درجة انه عتب على الرئيس فؤاد السنيورة لأنه لم يطلعه سلفاً على الخيوط العريضة للمبادرة التي سيطلقها الرئيس الحريري والتي علم بها رئيس المجلس من الصحف ووسائل الإعلام المرئية، فما كان من الحريري الا ان بادر الى الاتصال به لاحقاً ووضعه في أجوائها، فيما كان ينبغي ان يضعه فيها قبلاً ما دام تيار "المستقبل" قد قرر اعطاء بري دوراً في عملية البحث، لحظة زاره السنيورة منهياً حالة من القطيعة بينهما استمرت اشهراً عدة. لكن ذلك على اهميته لا ينفي ان بري والواقفين وراءه في معسكر الحلفاء او اولئك المصطفين في خانة الخصوم، انما بات يتطلع الى اللجنة النيابية على اساس انها صارت مكرسة لأمرين:
- انها ستارة لتقطيع الوقت الضائع حيث كل الاطراف عاجزين عن انتاج التسوية المنشودة.
- انها قنبلة دخانية في انتظار توافر الغطاء الخارجي لتغطية هذه التسوية واحتضانها، والمرتبطة، شاء الجميع ام ابوا، بمآل التطورات على الساحة السورية.
وعليه صارت اللجنة الفرعية الشماعة التي تعلق عليها لحظة المراوحة في انتظار توافر المناخات، وصارت ايضاً محط ربط النزاع بين الجميع.
ولكن ثمة بين المراقبين الموضوعيين من بات يرى ان حال المراوحة الحالية لا تعني استسلاماً وقعوداً عن بحث كل طرف عن الخيار الذي يناسب مصالحه وحساباته، و"التصادم" الذي جرى في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء حول موضوع تأليف لجنة الاشراف على الانتخابات هو مثال على ذلك. فاعتراض وزراء الثلاثي الاكثري على محاولة الوزير وائل ابو فاعور طرح هذا الموضوع اتى بعدما تنبه هذا الثلاثي الى ان المحاولة ترمي ضمناً وبطريقة التسلل الى الحفاظ على فرصة لاجراء انتخابات على اساس قانون الستين اذا ما انسدت السبل امام قانون آخر يتم التوافق عليه.
وفي كل الأحوال يبدو جلياً ان حركة "امل" و"حزب الله" يتصرفان من منطلق انهما نجحا حتى الساعة في محاصرة خصومهما من خلال مجاهرتهما بتأييد مشروع "اللقاء الارثوذكسي" وقطع الطريق نهائياً على "خصمهما اللدود" قانون الستين، لذا فهما مع حلفائهما انتقلوا من مرحلة وأد هذا المشروع الى بذل الجهود للوصول الى مرحلة اقرار قانون آخر لا يكرر نتيجة انتخابات عام 2009، فذلك قرار اتخذ في 8 آذار حتى لو كان الثمن مبدئياً التمديد للمجلس النيابي الحالي.
وانطلاقاً من كل هذه المعطيات كانت مسارعة هذا الفريق الى قطع الطريق على مبادرة الرئيس الحريري ورفضها حتى قبل ان يتلفظ بها هذا الأخير أي عندما كانت مجرد أفكار أولية يتم تداولها عبر التسريبات الاعلامية. فلم تتعاط قوى 8 آذار مع هذه المبادرة بجدية، وبمعنى آخر أراد الحريري من خلال كلامه اول من امس أن يدحض الكثير مما قيل وفحواه انه بات في حالة عزلة بعد افتراق حلفائه المسيحيين عنه على خلفية مشروع "اللقاء الارثوذكسي"، وانه يملك القدرة على طرح المبادرات والرؤى والأفكار في المجالين الانتخابي والسياسي العام، بعدما حوصر تيار" المستقبل" سابقاً بتهمة الاكتفاء برفض الافكار والطروحات أياً كان مصدرها وبصرف النظر عن فحواها، لكي لا يتبلور أي مشروع انتخابي يكون جديراً بالحلول محل قانون الستين، علماً ان ثمة من يقول ان حلفاءه في 14 آذار سدوا الابواب سلفاً امام هذه المبادرة عندما قبلوا بالتمديد للجنة الفرعية وارتضوا ان يتمحور نقاشها على الصيغة الهجينة التي هي مزيج من النظامين النسبي والاكثري.
ولا شك في ان الدوائر عينها وجدت في مبادرة الحريري انها انطوت على رسالة اخرى تتصل بواقع الساحة الاساسية لتيار "المستقبل" وهي الساحة السنية وموقع هذا التيار فيها، لا سيما بعدما سرت اجواء مفادها ان هذه الساحة لم يعد وضعها كما كان سابقاً بعدما قضمت قوى سلفية جزءاً منها وانتقلت من تحت عباءة تيار "المستقبل" الى محاولة احداث حالة مستقلة لها، إضافة الى الشقاق الذي بدأ يطفو في داخل شرائح كانت حتى الأمس القريب تدرج في خانة القواعد الاساسية لتيار "المستقبل" ومشروعه.
الى ذلك، تتوقف الدوائر نفسها عند مقاصد اخرى من وراء ظهور الحريري بمبادرته المتأخرة وهي تتصل بانتاج خطاب سياسي جديد لتيار "المستقبل" بعد تبدد كل الرهانات والشعارات التي اطلقها هذا التيار في الآونة الاخيرة ولا سيما مسألة اسقاط الحكومة، التي رغم انها لم ترحل لا طوعاً ولا قسراً، فإن رئيسها ظهر أخيراً في قصور العائلة المالكة في السعودية وهو حدث ذو دلالات وأبعاد لا يمكن تجاوزها، والمرور بها مروراً عابراً. وفي كل الاحوال ان تمديد بري لعمل اللجنة الفرعية ومبادرة الحريري كلاهما يصبان في خانة واحدة: لا حلول ولا تسويات ناجزة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018