ارشيف من :أخبار لبنانية

المحاسبة الكبرى

المحاسبة الكبرى
المحاسبة الكبرى

رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون ـ "الاخبار"

في عصرنا الحديث أصبح الرقم، الضرورة المطلقة في كلّ نشاط، أكان ذلك في الحياة الخاصّة أو في القطاع العامّ. فلو استثنينا الوجدانيّات لتبيّن لنا أن الحسابات المكوّنة من أرقام وأعداد هي المَعْلَم الذي يوجّه قراراتنا وأعمالنا فينظّمها ويبعدنا عن ارتكاب الأغلاط الجسيمة فيقينا شرّ مشاكل معقّدة نعجز عن إصلاحها في أغلب الأحيان.

ربّة المنزل بحاجة إلى حساب نفقاتها العائليّة كي لا تستهلك راتب زوجها قبل استحقاق الراتب التالي، لئلاّ تثقل كاهل العائلة بالديون فتتفاقم أوضاعها وتصبح فريسة الحاجة المتصاعدة.

أيضاً صاحب الدكّان الصغير، بحاجة إلى دفتر يسجّل فيه موارده ومصاريفه، كي يبقى مطّلعاً على وضعه الماليّ، ويحصي أرباحه أو خسائره، ليحدّد مساره نحو الربح أو لتجنّب خسارة متمادية، فيعدّل في سلوكه التجاريّ بما يقتضي لتصحيح أخطائه.

وكلّما كبرت المؤسّسات وزاد حجمها كلّما زادت أهمّيّة الحسابات فيها، فتقدّر مواردها وتحدّد نفقاتها وقواعد صرفها ومراقبتها وأصول إعدادها ومهل تقديمها وإلاّ فقدت قيمتها ومبرّرات وجودها. وإن كان هذا حال الأفراد والمؤسّسات الخاصّة في الالتزام بموجب تقديم الحساب، فكيف بالحري الحكومة التي تدير ماليّة الدولة بكاملها وتراقب جميع المؤسّسات الخاصّة والعامّة وتفرض تطبيق القوانين والأنظمة؟ وهنا نطرح التساؤل عمّا يحدث في الدولة إذا تفلّتت الحكومة من احترام ضوابطها وتمنّع البرلمان عن مراقبتها ومحاسبتها وخصوصاً عندما يتعلّق الموضوع بإدارة المال العامّ .

لقد شملت المخالفات جميع الموادّ الدستوريّة والقوانين والقواعد المُلزم احترامها من قبل الحكومة ونامت نواطير مجلس النوّاب فأسقطت مراقبة أعمال الحكومة ومحاسبتها، وأهملت إبراء ذمّتها بالتحصيل والإنفاق؛ فغطّى صمت النوّاب جميع المخالفات وتصدّر أبطال الفضائح المجتمع السياسيّ، فكانوا أبلغ المتكلّمين عن العفّة.

لن أسهب في الكتابة عن الموادّ القانونيّة التي تطبَّق في مثل هذه الحالات فالعمل يعود إلى القضاة الذين سيتولّون التحقيق. وتبقى النتائج التي ترتّبت على هذا التصرّف والتي سيتحمّل مفاعيلها أولادنا وأحفادنا، فكلّ مولودٍ جديد يأتي إلى لبنان يجب أن يفتح له أبوه حساباً بالأحمر قيمته على الأقلّ خمسة عشر ألف دولار أميركيّ .
وما يتحمّله المواطنون من نفقات إضافيّة، نتيجة إهمال متمادٍ للحكومات المتعاقبة في إنتاج الطاقة وتطوير شبكات المياه وبناء السدود، يفوق سنويّاً السبعة مليارات دولار ممّا يحمّل كلّ فرد ألف وثمانمائة دولار أميركيّ. وهنا يجب التوقّف عند هذا الواقع المرير في إدارة المال العامّ وتوظيفه في المشاريع غير المنتجة وتبديد القسم الأكبر منه، هذا ما يشرحه مضمون الكتاب.
انطلاقاً ممّا تقدّم يجب أن تنظّم حسابات ماليّة تبيّن أوجه هذا الإنفاق وصحّته وهل تمّ في سبيل المصلحة العامّة؛ وهذا الأمر يستوجب إصلاحاً جذريّاً فوريّاً في مسك حسابات الدولة واحترام المبادئ الأساسيّة. فحجم الأخطاء المرتكبة وطبيعتها لا يمكن أن يكونا صدفة، وللخروج من هذه الحال يجب الكفّ عن ارتكاب المخالفات الجسيمة.

إنّ المخالفات الجسيمة المرتكبة توجب محاكمة من تثبت إدانته من السياسيّين والمسؤولين والموظّفين عن إساءة استعمال المال العامّ وعن سوء إدارته.

ويجب أن يطال التغيير في وزارة الماليّة إدارتيها السياسيّة والماليّة العاجزتين عن حسن إدارة المال العامّ، والمقصّرتين عن التزام أحكام الدستور والقانون التي ترعى الإنفاق العامّ، وإعداد الحسابات الماليّة السليمة.
وكذلك، يجب علينا إرساء ثقافة المراقبة والمحاسبة والشفّافيّة في تعاطي المال العامّ، والمحاسبة في المجلس النيابيّ وأمام المراجع القضائيّة المختصّة.

أمّا المحاسبة الكبرى فهي من قبل الشعب اللبنانيّ في صناديق الاقتراع...


السنيورة هو المسؤول

النائب ابراهيم كنعان ـ "الاخبار"

استوقفني حديث لنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في ميلانو ــــ إيطاليا تحدث خلاله عن موجب تقديم الحساب في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وقدم المثال على موجب تقديم الحساب على كل إنسان من صاحب الدكان إلى إدارة الشركة، وتساءل عما إذا كان هناك من أحدٍ لا يقدم حساباً، فتذكرت بأن موجب تقديم الحساب ارتقى في لبنان إلى مرتبة الموجب الدستوري حيث نصت المادة 87 من الدستور على «أن حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة وسيوضع قانون خاص لتشكيل ديوان المحاسبات». وتذكرت أيضاً بأن هناك من يعتبر نفسه فوق الدستور وخارج نطاق موجب تقديم الحساب فيمتنع عن التقيد بهذا الموجب، لا بل يلجأ إلى تصفير الحسابات حيناً، ويدعو إلى تكرار عملية التصفير كلما جرت مطالبته بهذا الموجب، عنيت بذلك رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة والفريق السياسي الذي ينتمي إليه.

فقد تبين لي، بنتيجة الخبرة والتجربة المكتسبتين على مدى السنوات الثلاث المنصرمة، أن هذا الفريق السياسي قد لجأ إلى تصفير الحسابات في مطلع العام 1993، وقدم حسابات منقوصة عن السنوات من 1993 ولغاية 2003، وامتنع عن تقديم أي حساب منذ ذلك التاريخ، ولم يحترم أحكام الدستور وقانون المحاسبة العمومية في إعداد الموازنة وتقديمها إلى المجلس النيابي، وأنفق على أساس مشاريع موازنات لم تُقدَّم إلى المجلس النيابي، أو قُدِّمت بعد انتهاء السنة المالية، وتجاوز في الإنفاق العام خلال السنوات 2006 – 2009 وحتى ما قبلها، وخالف أحكام الدستور وقانون المحاسبة العمومية في تدوين الهبات والمساعدات النقدية المقدمة إلى الدولة، ومنح سلفات خزينة خلافاً لأحكام قانون المحاسبة العمومية، لا بل عاد ليطالب على لسان بعض نوابه بتصفير الحسابات مجدداً بنهاية العام 2010.

كما تبين لي بأن علة عدم الالتزام بموجب تقديم الحساب تكمن في موقعين: الإدارة السياسية لوزارة المالية، والإدارة المالية لهذه الوزارة.
فكانت مطالبتي بتغيير كل من هاتين الإدارتين لكي تنتظم شؤون المالية العامة في لبنان.
وقد تأكدت صحة ما ذهبت إليه إذ تغيرت الإدارة السياسية لوزارة المالية منذ حوالي السنة ونصف السنة من دون أن يقترن ذلك بأي تغيير على صعيد الالتزام بموجب تقديم حسابات سليمة وصحيحة تسمح بإجراء رقابة برلمانية فعالة وتحقق مبدأ التلازم ما بين الصلاحية والمسؤولية، والسبب في كل ذلك استمرار الإدارة المالية في وزارة المالية دون أن يطالها التغيير المنشود.

أمام هذا الواقع المرير الذي آلت إليه المالية العامة في لبنان وجدت نفسي أمام أمرين : إمّا إبقاء ما تبين لي خلال السنوات الثلاث الماضية، بعيداً عن علم الرأي العام، وأما إعلام الرأي العام ليكون على بيّنة مما جرى باسمه وعلى حسابه وضد مصلحته.

وقد تغلَّب الحسُّ بالمسؤولية تجاه الوطن والمواطن اللبناني الذي أولاني شرف تمثيله في البرلمان لأدافع عن مصالحه وأحاسب باسمه، وأشركه في المحاسبة عندما تتعذَّر طرق المحاسبة القضائية والبرلمانية، فكنت أعقد المؤتمرات الصحافية لإطلاع الرأي العام على بعض ما يتوفر لدي من معلومات ومخالفات، إلى أن تبين لي أن مناسبة تجديد ولاية المجلس النيابي هي الأفضل لأطلع الرأي العام اللبناني على ست عشرة قضية تتعلق بالمال العام لعلّه يحسن اختيار ممثليه في الندوة البرلمانية القادمة مما يسهِّل محاسبة ومساءلة كل من استباح المال العام وجعل الدستور والقانون مجرد وجهة نظر، فكان هذا الكتاب.

غير أنّ لبنانياً عتيقاً اقترح أن يُقَرِّب القضايا الست عشرة إلى المواطن العادي فلخَّصها في ست عشرة خبرية باللغة المحكيّة، كما اقترح أن يكتب الخاتمة باللغة ذاتها، فكان له ما أراد.
إن القضايا الست عشرة موثَّقة بالمستندات والبيِّنات والقرارات القضائية والنصوص القانونية التي لا يمكن ضمُّها إلى هذا الكتاب لأنّها تحوِّله إلى مجلّدات عديدة، إلا أنها جاهزة لإبرازها أمام المراجع المختصَّة عند الطلب.

وتدليلاً على ذلك سأكتفي بضمِّ المستندات التالية: تقرير ديوان المحاسبة الخاص بتاريخ 24 أيار 2012 بشأن الحسابات المالية العائدة للسنوات 2008-2009-2010. بيان مجلس ديوان المحاسبة بتاريخ 5 تشرين الأول 2010، قرار ديوان المحاسبة القضائي رقم 1 تاريخ 21 آب 1997 بشأن الحسابات المالية العائدة للسنوات 1991-1992-1993، قرار ديوان المحاسبة القضائي رقم 34 تاريخ 16 آذار 2009 بشأن مخالفة التيكوتاك، مذكَّرة النيابة العامّة لدى ديوان المحاسبة ذات الرقم 156/1660 الصادرة بتاريخ 20 تشرين الثاني 2008، قرار مجلس الوزراء رقم 76 تاريخ 9 أيلول 2004 المتعلق بتحويل جزء من الهبة الأوروبية. المرسوم رقم 13388 تاريخ 10 أيلول 2004 المتعلق بإعطاء سلفة خزينة إلى الهيئة العليا للإغاثة.
2013-02-06