ارشيف من :أخبار لبنانية
عون المزارع: موسم القطاف آتٍ
غسان سعود ـ "الاخبار"
من لم يفهموه حين خرج من 14 آذار عام 2005 وتفاهم مع حزب الله عام 2006، ولم يُقدِّروا تضحيته عام 2008، ولم يستوعبوا حجّه إلى حلب عام 2009، ولم يتفهموا أخيراً موقفه تجاه الأزمة السورية، عليهم أن يعيدوا النظر في رأيهم برئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون
من يختلفون مع العماد ميشال عون أو يتفقون معه لا يعلمون أن الضابط الميدانيّ السابق وقائد الجيش السابق والمنفي السابق والزعيم السياسي الحالي، هو، في الوقت نفسه، مزارع. فقد حوّل إبن حارة حريك حديقة منزله الخلفية إلى مشتل حقيقيّ يهرب اليه يومياً ليزرع لوبياء أو بندورة أو خياراً وغيرها. وبعيداً عن أعين الفضوليين، يعتني الجنرال بزرعه حتى ينضج بين يديه، فينادي أصدقاءه بحماسة ليريهم باعتزاز غلّته، في ظل تساؤل بعض هؤلاء عما يدفعه إلى تضييع وقته في الفلاحة بدل إرسال أحد مرافقيه لشراء مكوّنات الفتوش! تماماً كما كان بعض المقربين من عون، كما بعض المبتعدين عنه بعد أن خيب آمالهم، يتوقّعون تحالفه مع تيار المستقبل وشرائه بعلاقته الوطيدة بالخارجية الأميركية كرسي الرئاسة الأولى، بدل تضييع وقته ووقتهم في معارك لا يضمن أحد نتائجها. إلا أن إبن الأسرة الجزينية الفقيرة فضّل الزرع.
تمرد على المألوف
كان يمكن ميشال عون أن يرضى عام 2005 بالحصة النيابية التي حددتها له قريطم، كما ارتضت القوات والكتائب ومسيحيو 14 آذار ذلك، فمشوا في قانون رفيق الحريري ـــ غازي كنعان الانتخابي والتحالف الرباعي الذي لا يلحظ في تسميته حتى وجودهم. لو رضي، لكان يسكن اليوم قلعة يوازي حجمها قصر معراب، بدل بيته الصغير في الرابية. ولكانت انهمرت المشاريع الإنمائية من دول الخليج على منطقة جزين، باعتبارها دائرة زوجته السيدة ناديا الانتخابية. إلا أن عون رفض التوقيع على استمرار قريطم بتعيين النواب (المسيحيين وغير المسيحيين).
ولاحقاً، كان يمكن عون استرضاء التسونامي الشعبيّ، كجميع الزعماء، فيبقي علاقته مقطوعة مع حزب الله، تكريساً منه لشعور بعض المسيحيين أن لا السنّة يشبهونهم ولا الشيعة كذلك. إلا أن عون تفاهم مع من يقبلون بالتفاهم الندّي. لو أراد الرجل مالاً، كما توحي بروباغندا قوى 14 آذار، لبقي عند الحريري. وهو يعرف جيداً، رداً على كذبتهم الثانية، أن رئيس جمهورية لبنان لا ينتخب، منذ كان لبنان، بغير موافقة الولايات المتحدة، فكيف يتحالف مع حزب الله للحصول على الرئاسة؟.
أما في الدوحة، فكان يمكن الجنرال أن يتذمّر قليلاً، كما فعل بعض «الموارنة المستقلين» في الطائف وغيره، لتزداد الأصفار في شيكاتهم صفراً أو صفرين. وكان يمكن أن يحرد، على غرار الحريري حين سُلخ عن أحلامه الرئاسية، أو يسجن مجتمعه كما فعل غيره حين اكتشف أنه أسهم في إسقاط قصر بعبدا ونفي الرئيس أمين الجميل وإبادة الزعامات المسيحية ولم يعط حجم النائب ميشال المر في السلطتين التنفيذية والتشريعية. لكنه قايض حقه بالترشح إلى رئاسة الجمهورية بقانون إنتخابي يحسّن في اعتقاده التمثيل المسيحيّ.
ومن الدوحة إلى براد. بدل بكائه، كغيره، على أطلال الآفاق المسيحية جنوباً ولامبالاة السفارات الأجنبية جبلاً، وتضييعه وقته بالمهاترات السخيفة، أخذ عون تياره ليصلي في صقيع براد. كان يمكنه الصلاة مع الرئيس السوري بشار الأسد في بيته حيث نام الرئيس سعد الحريري، أو في القرداحة التي سبق لجعجع أن استغل تقبّلها التعازي بباسل الأسد ليضع يده بيد الرئيس حافظ الأسد. إلا أنه أخذ الآلاف معه إلى براد ليريهم جذورهم من جهة، وليقنع الفاتيكان من جهة أخرى بأن مهد المارونية لا يمكن، على غرار مهد المسيحية، أن يكون معقلاً للأصولية.
ولم تلبث قوى 14 آذار أن شوّهت موقفه من الأزمة السورية. فالرجل غير مؤيد لنظام الأسد بقدر ما هو رافض لتأييد ثورة لم يكن أحد يعرف مكوّناتها (وثبت أن السلفيين والجهاديين والتكفيريين أكثرية فيها) ومستقبلها والفوضى التي ستلحقها بسوريا والمنطقة.
منذ عام 2005، يقول عون إن الخطر ليس في الأقليات التي تتمادى أحياناً في احترازاتها، إنما في من يعتبرون أنفسهم أكثرية مغبونة ويتصرفون عند تقاسم المغانم الطائفية كمن يعطون الآخرين من أملاكهم الخاصة، الأمر الذي يبقي الأقليات في خوف شديد. في اعتقاد عون أن في بلدة لاسا مشكلة لكنها تحل، أما ما لا يحلّ فهو إيمان نائب في كتلة المستقبل بأن «طرابلس عاصمة المسلمين السنة». وفي التمدد الشيعي سكنياً في منطقة الحدث مشكلة تحل (وقد حُلّت)، أما ما لا يحل فهو الرفض الجنبلاطي الفعلي لعودة المهجرين إلى الجبل. وفي ثنائية السلاح بين الجيش والمقاومة مشكلة لكنها أيضاً تحل، أما ما لا يحل فهو إيمان أحد نواب المستقبل بأن قائد الجيش لا يفترض أن يكون مارونياً. وفي ما تصفه قوى 14 آذار بدويلة حزب الله مشكلة تحل، مقارنة بمشكلة دويلة تيار المستقبل التي حلت محل الدولة الأساسية وقبضت على مؤسساتها.
في مؤتمراته الصحافية الأسبوعية، وفي ظل توتره الدائم أمام الكاميرا، وبراعة ماكينة 14 آذار في تشويه مواقفه، لم يفهمه كثيرون. إلا أن المشهد، وقد تساقطت أكاذيب 14 آذار، بات أوضح: انتصر عون استراتيجياً، مرة أخرى، في ما يخص «فليحكم الاخوان» وسقط غيره. ومع ارتداء بعض نواب المستقبل جلابيبهم، لم يعد يكفي الحريري ارتداء ربطة عنق والموافقة الإعلامية على الزواج المدنيّ ليثبت اعتداله.
وفي وقت كان غيره يضع جميع آماله في سلّة المستقبل، كان عون يزرع في مكان آخر: أسس الرجل من حسابه التوفيريّ الخاص لحالة نيابية قادرة على رفض الإذعان لقريطم وانتظار هباتها النيابية. وأعدّ العدة القانونية لمحاسبة بعض الفاسدين، أو أقله فضحهم، بعرض سرقاتهم. ونسج مع حزب الله والمرجعيات المعتدلة جدياً في الطائفة السنية علاقة تهدئ روع القلقين من تفلّت المارد السلفي من عقاله. مع العلم أن مزارع الرابية قائد جيش أيضاً، وليس قادة الأفواج التي يراهن اللبنانيون على تمكنها من السيطرة على «الإحباط الأصولي» إلا بعض من تلامذته. يعلم هؤلاء أن اتصالاً واحداً وردهم إثر حادثة عكار قبل نحو عام لحثهم على عدم التأثر بالضغوطات السياسية وإكمال عملهم بشجاعة. كان المتصل ميشال عون.
من لم يفهموه حين خرج من 14 آذار عام 2005 وتفاهم مع حزب الله عام 2006، ولم يُقدِّروا تضحيته عام 2008، ولم يستوعبوا حجّه إلى حلب عام 2009، ولم يتفهموا أخيراً موقفه تجاه الأزمة السورية، عليهم أن يعيدوا النظر في رأيهم برئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون
من يختلفون مع العماد ميشال عون أو يتفقون معه لا يعلمون أن الضابط الميدانيّ السابق وقائد الجيش السابق والمنفي السابق والزعيم السياسي الحالي، هو، في الوقت نفسه، مزارع. فقد حوّل إبن حارة حريك حديقة منزله الخلفية إلى مشتل حقيقيّ يهرب اليه يومياً ليزرع لوبياء أو بندورة أو خياراً وغيرها. وبعيداً عن أعين الفضوليين، يعتني الجنرال بزرعه حتى ينضج بين يديه، فينادي أصدقاءه بحماسة ليريهم باعتزاز غلّته، في ظل تساؤل بعض هؤلاء عما يدفعه إلى تضييع وقته في الفلاحة بدل إرسال أحد مرافقيه لشراء مكوّنات الفتوش! تماماً كما كان بعض المقربين من عون، كما بعض المبتعدين عنه بعد أن خيب آمالهم، يتوقّعون تحالفه مع تيار المستقبل وشرائه بعلاقته الوطيدة بالخارجية الأميركية كرسي الرئاسة الأولى، بدل تضييع وقته ووقتهم في معارك لا يضمن أحد نتائجها. إلا أن إبن الأسرة الجزينية الفقيرة فضّل الزرع.
تمرد على المألوف
كان يمكن ميشال عون أن يرضى عام 2005 بالحصة النيابية التي حددتها له قريطم، كما ارتضت القوات والكتائب ومسيحيو 14 آذار ذلك، فمشوا في قانون رفيق الحريري ـــ غازي كنعان الانتخابي والتحالف الرباعي الذي لا يلحظ في تسميته حتى وجودهم. لو رضي، لكان يسكن اليوم قلعة يوازي حجمها قصر معراب، بدل بيته الصغير في الرابية. ولكانت انهمرت المشاريع الإنمائية من دول الخليج على منطقة جزين، باعتبارها دائرة زوجته السيدة ناديا الانتخابية. إلا أن عون رفض التوقيع على استمرار قريطم بتعيين النواب (المسيحيين وغير المسيحيين).
ولاحقاً، كان يمكن عون استرضاء التسونامي الشعبيّ، كجميع الزعماء، فيبقي علاقته مقطوعة مع حزب الله، تكريساً منه لشعور بعض المسيحيين أن لا السنّة يشبهونهم ولا الشيعة كذلك. إلا أن عون تفاهم مع من يقبلون بالتفاهم الندّي. لو أراد الرجل مالاً، كما توحي بروباغندا قوى 14 آذار، لبقي عند الحريري. وهو يعرف جيداً، رداً على كذبتهم الثانية، أن رئيس جمهورية لبنان لا ينتخب، منذ كان لبنان، بغير موافقة الولايات المتحدة، فكيف يتحالف مع حزب الله للحصول على الرئاسة؟.
أما في الدوحة، فكان يمكن الجنرال أن يتذمّر قليلاً، كما فعل بعض «الموارنة المستقلين» في الطائف وغيره، لتزداد الأصفار في شيكاتهم صفراً أو صفرين. وكان يمكن أن يحرد، على غرار الحريري حين سُلخ عن أحلامه الرئاسية، أو يسجن مجتمعه كما فعل غيره حين اكتشف أنه أسهم في إسقاط قصر بعبدا ونفي الرئيس أمين الجميل وإبادة الزعامات المسيحية ولم يعط حجم النائب ميشال المر في السلطتين التنفيذية والتشريعية. لكنه قايض حقه بالترشح إلى رئاسة الجمهورية بقانون إنتخابي يحسّن في اعتقاده التمثيل المسيحيّ.
ومن الدوحة إلى براد. بدل بكائه، كغيره، على أطلال الآفاق المسيحية جنوباً ولامبالاة السفارات الأجنبية جبلاً، وتضييعه وقته بالمهاترات السخيفة، أخذ عون تياره ليصلي في صقيع براد. كان يمكنه الصلاة مع الرئيس السوري بشار الأسد في بيته حيث نام الرئيس سعد الحريري، أو في القرداحة التي سبق لجعجع أن استغل تقبّلها التعازي بباسل الأسد ليضع يده بيد الرئيس حافظ الأسد. إلا أنه أخذ الآلاف معه إلى براد ليريهم جذورهم من جهة، وليقنع الفاتيكان من جهة أخرى بأن مهد المارونية لا يمكن، على غرار مهد المسيحية، أن يكون معقلاً للأصولية.
ولم تلبث قوى 14 آذار أن شوّهت موقفه من الأزمة السورية. فالرجل غير مؤيد لنظام الأسد بقدر ما هو رافض لتأييد ثورة لم يكن أحد يعرف مكوّناتها (وثبت أن السلفيين والجهاديين والتكفيريين أكثرية فيها) ومستقبلها والفوضى التي ستلحقها بسوريا والمنطقة.
منذ عام 2005، يقول عون إن الخطر ليس في الأقليات التي تتمادى أحياناً في احترازاتها، إنما في من يعتبرون أنفسهم أكثرية مغبونة ويتصرفون عند تقاسم المغانم الطائفية كمن يعطون الآخرين من أملاكهم الخاصة، الأمر الذي يبقي الأقليات في خوف شديد. في اعتقاد عون أن في بلدة لاسا مشكلة لكنها تحل، أما ما لا يحلّ فهو إيمان نائب في كتلة المستقبل بأن «طرابلس عاصمة المسلمين السنة». وفي التمدد الشيعي سكنياً في منطقة الحدث مشكلة تحل (وقد حُلّت)، أما ما لا يحل فهو الرفض الجنبلاطي الفعلي لعودة المهجرين إلى الجبل. وفي ثنائية السلاح بين الجيش والمقاومة مشكلة لكنها أيضاً تحل، أما ما لا يحل فهو إيمان أحد نواب المستقبل بأن قائد الجيش لا يفترض أن يكون مارونياً. وفي ما تصفه قوى 14 آذار بدويلة حزب الله مشكلة تحل، مقارنة بمشكلة دويلة تيار المستقبل التي حلت محل الدولة الأساسية وقبضت على مؤسساتها.
في مؤتمراته الصحافية الأسبوعية، وفي ظل توتره الدائم أمام الكاميرا، وبراعة ماكينة 14 آذار في تشويه مواقفه، لم يفهمه كثيرون. إلا أن المشهد، وقد تساقطت أكاذيب 14 آذار، بات أوضح: انتصر عون استراتيجياً، مرة أخرى، في ما يخص «فليحكم الاخوان» وسقط غيره. ومع ارتداء بعض نواب المستقبل جلابيبهم، لم يعد يكفي الحريري ارتداء ربطة عنق والموافقة الإعلامية على الزواج المدنيّ ليثبت اعتداله.
وفي وقت كان غيره يضع جميع آماله في سلّة المستقبل، كان عون يزرع في مكان آخر: أسس الرجل من حسابه التوفيريّ الخاص لحالة نيابية قادرة على رفض الإذعان لقريطم وانتظار هباتها النيابية. وأعدّ العدة القانونية لمحاسبة بعض الفاسدين، أو أقله فضحهم، بعرض سرقاتهم. ونسج مع حزب الله والمرجعيات المعتدلة جدياً في الطائفة السنية علاقة تهدئ روع القلقين من تفلّت المارد السلفي من عقاله. مع العلم أن مزارع الرابية قائد جيش أيضاً، وليس قادة الأفواج التي يراهن اللبنانيون على تمكنها من السيطرة على «الإحباط الأصولي» إلا بعض من تلامذته. يعلم هؤلاء أن اتصالاً واحداً وردهم إثر حادثة عكار قبل نحو عام لحثهم على عدم التأثر بالضغوطات السياسية وإكمال عملهم بشجاعة. كان المتصل ميشال عون.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018