ارشيف من :أخبار لبنانية

وثيقة التفاهم والفلسفة الوجوديّة

وثيقة التفاهم والفلسفة الوجوديّة

المحامي فادي سعد - موقع "التيار الوطني الحر"

في الخامس من شباط 2006 كانت الهجمة السلفيّة المستقبليّة المدعومة سياسيّاً من حكيم معراب على الأشرفيّة وسكانها الآمنين ، بحجّة التعرّض للرسول (صلعم) وأين ؟ في الدانمارك ( على رأي المثل الشعبي ، " تحبل في الصين وتلد في لبنان" ) ، فكان أن تبيّن الوجه الحقيقي لجماعة المناصفة والسواطير بإحراق الكنائس وتعريض حياة المواطنين وأملاكهم للخطر والضرر ...

في اليوم التالي ، أي في 6 شباط 2006 ، كان اللقاء التاريخي في كنيسة مار مخائيل بين عملاقين العماد ميشال عون والسيّد حسن نصرالله ، في الشكل كان اللقاء يُعقد في كنيسة لطالما كانت شاهداً على خطّ تماس الذلّ الذي كان يقسم الأخوة بالمواطنة بحواجز نفسيّة مصطنعة ، وفي المضمون كان اللقاء عبارة عن تجديد التحالف التاريخي بين المكوّنيْن الأساسيّين في لبنان منذ أيّام الإضطهاد خلال حكم الأموييّن والمماليك والعثمانييّن في جبل عامل وجبل المردة وبلاد جبيل وكسروان ( ومن ينسى تاريخه لا حاضر ولا مستقبل له ) ، وأيضاً كان اللقاء ردّاً صريحاً ومباشراً على كلّ من يحاول أن يغيّر وجه لبنان الحقيقي المتمثّل بإرادة الإلتقاء والمحبّة ، فكانت وثيقة التفاهم خميرة المئات من السنين من العذابات والإضطهادات والرؤية الإستراتيجيّة المشتركة ، حيث التقت فلسفة الفقه مع شقيقتها فلسفة التفسيح ، ومن حاول إظهار الموضوع وكأنّه تسهيلٌ لحكم " ولاية الفقيه " كفزّاعة في بلاد الأرز ، فهو لا يفقه من الفقه شيئاً ، فولاية الفقيه يا جهابذة الحقد والشرّ هي آليّة متّبعة من أولياء وأئمة الطائفة الشيعيّة في قُم أو في النجف أو في لبنان لتسهيل الأمور الدينيّة والحياتيّة اليوميّة للناس الذين ينتمون إلى تلك الطائفة ، ولاستنباط الحلول في المسائل المستعصية التي لم يوجد لها نصوص في القرآن الكريم ، لا سيّما بعد إقفال باب الإجتهاد في العام 1200 للمسيح والإرتكاز على التفسيرات الخمسة ، وهي تشبه إلى حدّ كبير التفسيح اللاهوتي والليتورجي الإنجيلي الذي تصدره الكنيسة ودوائر الفاتيكان بعد موافقة قداسة الحبر الأعظم ، على كلّ حالة مستعصية لم يكن في الإنجيل المقدّس حلاًّ لها تسهيلاً لحياة الجماعة. وأكثر من ذلك ، ولإنارة عقول من لا يريد ان يستنير ، إنّ أحكام الفقه وأحكام التفسيح متشابهة جدّاً ، فهي ليست إلزاميّة وليست مفروضة بحدّ السيف على رقاب من يؤمن إن كان من المسلمين الشيعة أو من المسيحيّين الكاثوليك .

إذن ، في 6 شباط 2006 ، كان الحدث التاريخي الكبير الذي غيّر وجه التاريخ اللبناني وأعاده إلى قواعده الآمنة والحضاريّة ، ففي بنود وثيقة التفاهم العشرة تكمن إرادة الإلتقاء والمحبّة والتسامح والغفران وكسر الحواجز النفسيّة بين اللبنانيّين ، والتي أوجدت مساحة وأرضيّة مشتركة لإرساء دستور جديد للبنان قوامه الدولة المدنيّة العصريّة القويّة ، ومن يقرأ بنود تلك الوثيقة يعرف تماماً عمقها وبعدها الوطني والإنساني ، وكلّ من هاجمها إنّما فعل ذلك لأنّ مصالحه الخبيثة والمبيّتة أصبحت في خطر لأنّه لا يريد مصلحة الوطن ويضيق ذرعاً بالوحدة الوطنيّة الطبيعيّة بين مكوّنات المجتمع اللبناني ، وقد تعمّدت هذه الوثيقة قولاً وفعلاً ودماً إبّان حرب تمّوز 2006 ، حيث تجلّت الوحدة الوطنيّة بأبهى حلاها حيث أنّ المقاومة اللبنانية للعدوان الصهيوني كسبت بالتفاهم نصيرا قويا و سندا عظيما تحدى التهديدات الدولية والإسرائيلية و تصرف التيار الوطني الحر كشريك حقيقي و رئيسي في تثبيت الصمود الشعبي و في إدارة الصراع دفاعا عن السيادة الوطنية و الأهم كان قدرة الجنرال على تحقيق انقلاب سريع في المناخ الشعبي اللبناني و اختصاره لعقود من الانقسام الطائفي عبر تحويل مناطق تواجد التيار إلى معاقل حاضنة لأبناء الجنوب و الضاحية الذين هجرهم العدوان و عبر العمل التطوعي الواسع الذي تجند له آلاف العونيين في كل مكان للقيام بالواجب النضالي و السياسي الوطني و يذكر قياديون من حزب الله كلمات الجنرال لهم عندما زاروه في الأيام الأولى لحرب تموز لشرح الموقف فبادرهم شارحا رؤيته الاستراتيجية و إيمانه بانتصار لبنان قائلا: "تابعوا عملكم في المقاومة و لا تشغلوا بالكم بالباقي في الداخل فتلك مسؤوليتنا الوطنية" و لا يخفي الجنرال اليوم تقديره الكبير كقائد عسكري لتجربة المقاومة و لإمكاناتها و هو يجاهر بأنه يزداد ثقة و انسجاما في علاقته بالسيد نصرالله. وكلّ المحطّات المفصليّة التي مرّ بها لبنان منذ ذلك التاريخ دلّت على ترسّخ مبادىء التفاهم بين أبناء الوطن على كافّة الأصعدة السياسيّة والمقاومتيّة والإقتصاديّة والإنتخابيّة .

في مثل هذا اليوم ، لا بدّ لنا إلاّ أن نحيّي العماد عون والسيّد حسن وكلّ من ساهم وشارك وحضّر في إخراج مفاهيم بنود وثيقة التفاهم، خاصّة أنّ روحيّتها جاءت من خلفيّة تاريخيّة اعادت الفلسفة الوجوديّة إلى حيث يجب أن تكون عندما تتعرّض بعض مكوّنات المجتمع اللبناني الأساسيّة للخطر ضمن محيط مخيف تنقلب صورته ومضمونه من معتدل إلى متعصّب متشدّد ، يلتهم معه التنوّع ، ممّا يؤدّي إلى القضاء على الأقليّات التي لا سند لها في ظلّ هذه الموجة سوى الإتّحاد والتكاتف من أجل الحفاظ على الوجود الذي استمرّ مئات السنين بالرغم من كلّ المآسي ودروب الجلجلة ...
2013-02-06