ارشيف من :أخبار عالمية

تونس تدشّن مرحلة جديدة بإغتيال زعيم سياسي كبير

تونس تدشّن مرحلة جديدة بإغتيال زعيم سياسي كبير

في وقت تعاني تونس من أزمة سياسية حادة في البلاد بين مكوناتها السياسية، جاءت عملية إغتيال الناشط السياسي الوازن شعبياً شكري بلعيد لتخلط الأوراق من جديد، دافعة الأمور نحو مزيد من التأزم وانفلات الأمور من عقالها، لتتجه الأنظار نحو أحداث يوم الجمعة القادم، موعد تشييع بلعيد.

لمحة عن بلعيد والواقع السياسي قبيل إغتياله

ينتمي شكري بلعيد إلى "الجبهة الشعبية" المتكونة من حزب "الوطنيين الديمقراطيين" وحزب "العمال الشيوعي" وأحزاب يسارية أخرى وقومية اشتراكية، وهي جبهة تشكلت من اليسار التونسي للحد من ظاهرة الإستقطاب الثنائي بين تحالف الترويكا الذي تقوده حركة "النهضة" الإسلامية، والأحزاب الملتفة حول حزب "نداء تونس" بقيادة رئيس الحكومة السابق الباجي قائد السبسي.

وعرف عن شكري بلعيد شراسة معارضته لنظام بن علي قبل الثورة ولحركة "النهضة" بعد الإطاحة بزين العابدين، حيث انتقد بلعيد المحامي والحقوقي أداء الحكومة الحالية في كل المنابر التي تحدث فيها، كما تحدث قبيل اغتياله عن وجود سيارات قطرية مسلحة في الجنوب التونسي وتساءل عن سبب تواجدها، وكان في خصام مستمر مع وزير الداخلية الحالي علي العريض المنتمي إلى حركة "النهضة".

واتهم أنصار "النهضة" في وقت سابق شكري بلعيد بأنه كان عميلاً للبوليس السياسي في عهد بن علي، وذلك رغم أنه كان يترافع كمحام في قضايا سياسية ويدافع عن "إسلاميين" في وقت كان فيه المحامي الذي ينوب عن "الإسلاميين" لدى المحاكم يتعرض لأبشع أنواع الملاحقات ويصنف في خانة معارضي النظام ويتعرض للتنكيل من قبل النظام الديكتاتوري السابق، وهي اتهامات جعلت بلعيد يطالب وزير الداخلية علي العريض بالكشف عن أرشيف البوليس السياسي في عهد بن علي حتى لا يتهم الناس جزافاً.

أصابع الإتهام

ويوجه بعض السياسيين أصابع الإتهام بالدرجة الأولى إلى التيار "السلفي" الذي يصنف أمثال شكري بلعيد من اليساريين في خانة الملحدين. فالمحامي المقتول طالبَ في وقت سابق بعدم التساهل مع من يرتكبون العنف من هذا التيار. واتهم الحكومة وحركة "النهضة" بالتساهل مع مرتكبي العنف من السلفيين وطالبها بالضرب بقوة على أيدي العابثين باستقرار البلاد.

كما ان العديد من المراقبين يوجهون أصابع الاتهام إلى رابطات حماية الثورة التي اتهمها شكري بلعيد سابقا بأنها ميليشيات حركة النهضة أو ذراعها العنيف المسلط على المعارضة. فهذه الرابطات -التي تعرضنا لها بالتفصيل في تحاليل سابقة- متورطة في الإعتداء على مقرات لأحزاب معارضة وفي إفساد إجتماعاتها. كما تتهم بقتل وسحل مسؤول جهوي بحزب "نداء تونس" الذي يتزعمه رئيس الحكومة السابق الباجي قائد السبسي.

يشار الى أنه هناك دعوات صدرت أيضاً من بعض السياسيين التونسيين من أجل عدم التسرع في إصدار الأحكام وإعطاء القضاء دوره للكشف عن المتورطين في هذه الجريمة.

ويشار إلى أن مجلس شورى حركة "النهضة" أصدر بياناً منذ أيام معدودات اعتبر فيه المتهمين في قضية اغتيال مسؤول حزب "نداء تونس" المسمى "لطفي نقض" أبرياء ويتعرضون إلى مظلمة. الأمر الذي اعتبره شكري بلعيد قبيل اغتياله ضوءاً أخضر من حركة "النهضة" لرابطات حماية الثورة بمواصلة الإغتيالات السياسية للمعارضين للحكم الحالي. كما تتحدث بعض الأصوات عن مؤامرة خارجية تستهدف استقرار تونس وهي قليلة وغير بارزة.

زلزال الاغتيال

عملية الإغتيال نددت بها الرئاسات الثلاث وقطع الرئيس المرزوقي زيارته إلى البرلمان الأوروبي في سترازبورغ وعدل عن التوجه إلى القاهرة لحضور قمة منظمة التعاون الإسلامي عائداً إلى تونس لأن الأمر يتعلق بزلزال حقيقي قد يهز البلاد التي بدأت تتحسس بعضاً من استقرارها. فالشوارع تعج بالمتظاهرين في قلب العاصمة التونسية والأمن يتصدى للمتظاهرين بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع.

وأنصار المعارضة والمنتمون إلى حزب شكري بلعيد يتوعدون الحكومة برد حاسم، والكل يحبس أنفاسه اليوم في أرض قرطاج في انتظار المجهول. حتى إن الناس تقاطرت على المراكز التجارية للتموين خوفاً من تفجر الأوضاع مثلما حصل أيام الثورة وخاصة أن بلعيد من الحجم الثقيل ويمثل تياراً سياسياً كبيراً وهو مقرب أيضا للإتحاد العام التونسي للشغل المنظمة الأعرق في تونس وفي العالم العربي.

ويشار إلى أن الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السيد خالد طروش، تحدث عن شخصين يركبان دراجة نارية أحدهما رشق شكري بلعيد بالرصاص والآخر تولى قيادة الدراجة والفرار مع القاتل. وتشير بعض الأخبار إلى أن زعيم حزب "الوطنيين الديمقراطيين" أصيب بأربع رصاصات وهو يغادر منزله، واحدة أصابته في الرأس والثانية في العنق والثالثة في الكتف والأخيرة في القلب. ويعتقد أغلب المراقبين أن قوى الأمن قادرة على تعقب القتلة وتقديمهم إلى العدالة وهم ينتظرون بفارغ الصبر معرفة الجناة.

قرارات على الإثر لرئيس الوزراء التونسي حمادي الجبالي

وفي سياق متصل، أكد رئيس الوزراء التونسي حمادي الجبالي، انه قرر تشكيل حكومة كفاءات مصغرة "غير حزبية" تقود تونس في الفترة المقبلة.‭

تونس تدشّن مرحلة جديدة بإغتيال زعيم سياسي كبير
                                                 رئيس الوزراء التونسي حمادي الجبالي

‬وقال الجبالي في خطاب وجّهه للأمة إنه "بعد فشل مفاوضات الأحزاب حول التحوير الوزاري، قرّرت تشكيل حكومة كفاءات مصغرة يتعهد أعضاؤها بعدم الترشح للانتخابات المقبلة"، مضيفاً أن "المهمة يجب ان تكون محددة حتى يتم إجراء انتخابات في أقرب وقت"، وطالب الجبالي كافة الأحزاب بتزكية ودعم الحكومة الجديدة، داعياً التونسيين للصبر، كما طالب الجبالي النخب التونسية بإعطاء الحكومة مهلة والتوقف عن المطالبات وقطع الطريق والاعتصامات والمظاهرات والإضرابات لأشهر قليلة، وذلك من أجل تونس.

وزعم الجبالي أنه لم يستشر أي حزب في هذا القرار، في إشارة منه إلى عدم تنسيقه هذه الخطوة مع حركة "النهضة الاسلامية" التي تدير حالياً الحكومة، واعتبر رئيس الحكومة التونسية أن اغتيال بلعيد "جريمة نكراء"، مشيراً إلى أن "تونس تمر الآن بمفترق طرق"، ودعا الجبالي رئيس المجلس الوطني مصطفى بن جعفر لأن يحدد "تاريخاً واضحاً وجلياً وفي أقرب الآجال لإجراء الانتخابات".

رئيس المجلس التأسيسي التونسي: اغتيال بلعيد يهدف إلى زعزعة استقرار تونس

من جهته، دعا رئيس المجلس التأسيسي التونسي مصطفي بن جعفر النخب السياسية في بلاده لضبط النفس، واعتبر أن من اغتال بلعيد "لا يحب الخير لتونس"، وطالب بكشف الحقيقة وراء اغتياله والقبض على من ارتكبوا الجريمة فوراً.

تونس تدشّن مرحلة جديدة بإغتيال زعيم سياسي كبير
                                                رئيس المجلس التأسيسي التونسي مصطفي بن جعفر

وقال بن جعفر إن "اغتيال بلعيد يهدف إلى زعزعة استقرار تونس، مضيفاً أنها فرصة ينبغي أن يستفيد منها الوطن"، مشيراً إلى أن "تونس تمر بامتحان وأنها ضحية مخطط لإفشال المسار الديمقراطي"، واعتبر رئيس المجلس التأسيسي التونسي أن اغتيال بلعيد "فعلة شنيعة وإجرام لا يغتفر"، وأوضح بن جعفر أن على الحكومة التونسية مسؤولية أن تتصدى لكل مصادر العنف وأن تحل كل الملفات العالقة التي تتعلق بالعديد من أحداث العنف الأخيرة في بلاده.

الغنوشي: قتلة بلعيد يريدون جر تونس نحو "حمام دم"

وفي السياق، سارع سياسيون وإعلاميون تونسيون، بمن فيهم زعيم حركة "النهضة الإسلامية" راشد الغنوشي، للتحذير من حمامات دم يجري التحضير لها في البلاد، وقال الغنوشي، الذي دان عملية الاغتيال، إن قتلة بلعيد يريدون جر تونس نحو "حمام دم"، نافياً اتهامات ضلوع حزبه في اغيال القيادي اليساري البارز، واتهم جهات متآمرة بالوقوف وراء الاغتيال.

تشييع بلعيد الجمعة...وحارس المبنى تعرّف إلى منفذي الإغتيال

وفي سياق متصل، أعلن شقيق الناشط التونسي شكري بلعيد في تصريح صحفي أن تشييع أخيه سيتم يوم الجمعة المقبل، مضيفاً أن جثمان الأخير سينقل من مستشفى "نيكول" بالعاصمة إلى منزل والده في منطقة "جبل الجلود" حيث سيوارى في الثرى.

تونس تدشّن مرحلة جديدة بإغتيال زعيم سياسي كبير
                                                      الناشط التونسي شكري بلعيد

كما كشف شقيق بلعيد عن أن حارس المبنى الذي اغتيل فيه شقيقه تعرّف إلى وجوه المعتدين وأن امرأة سجلت ما حدث في فيديو.

المعارضة تعلق عضويتها في "التأسيسي" وتدعو لإضراب عام في البلاد

في غضون ذلك، دعت أحزاب تونسية معارضة إلى "اضراب عام" في تونس الخميس وإلى تعليق عضوية الأحزاب المعارضة في المجلس الوطني التأسيسي المكلف بصياغة دستور للبلاد، وذلك ردا على اغتيال المعارض اليساري البارز شكري بلعيد، ووجهت هذه الدعوة احزاب "الجمهوري"، و"المسار"، و"العمال"، و"نداء تونس" خلال اجتماع عقدته بالعاصمة تونس، بحسب احمد نجيب الشابي رئيس الحزب "الجمهوري".

ودعت هذه الاحزاب إلى "تنظيم إضراب عام في يوم جنازة بلعيد"، مطالبة بالحلّ الفوري لـ"الرابطة الوطنية لحماية الثورة"، التي تتتهمها بأنها تشكّل "ميليشيات إجرامية تستعملها حركة النهضة الاسلامية الحاكمة لتصفية حساباتها مع خصومها السياسيين"، وطالبت الأحزاب المجتمعة برحيل علي العريض، وزير الداخلية والقيادي في حركة "النهضة"، محملة إياه شخصياً مسؤولية اغتيال بلعيد لأنه كان يعلم أنه مهدد ولم يفعل شيئا".

مقتل عنصر أمن وإشتباكات في العاصمة

ميدانياً، قتل عنصر أمن في إشتباكات جرت بين متظاهرين وقوات الشرطة التونسية قرب مقرّ وزارة الداخلية في العاصمة تونس، بحسب ما أعلنت وزارة الداخلية التونسية.

وأكد شهود عيان أن المتظاهرين أقاموا متاريس في شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي وسط العاصمة، ومنعوا الشرطة من التقدم وهاجموها بالحجارة قبل ان تصل تعزيزات امنية وتفرقهم باستعمال مكثف لقنابل الغاز المسيل للدموع.

تونس تدشّن مرحلة جديدة بإغتيال زعيم سياسي كبير
                                             متظاهرون في شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي وسط العاصمة

وأوضح مصدر أمني أن "المتظاهرين اغلقوا الطريق امام سيارات الامن بحواجز حديدية وبقطع كبيرة من الحجارة وبصناديق القمامة المشتعلة وهاجموها بوابل من الحجارة، في اطار موجة الاحتجاجات على اغتيال المعارض التونسي شكري بلعيد".
كما أحرق متظاهرون مقرات حركة "النهضة" في محافظتي قفصة والكاف تنديدا باغتيال بلعيد، بينما أطلقت الشرطة التونسية قنابل الغاز المسيل للدموع على متظاهرين في سيدي بوزيد.
2013-02-08