ارشيف من :أخبار عالمية

جنازة مهيبة لبلعيد والجبالي يبحث عن الحلول

جنازة مهيبة لبلعيد والجبالي يبحث عن الحلول
رغم الطقس البارد جداً والجو الكئيب الذي خيّم على العاصمة التونسية، فقد شهدت جنازة القيادي اليساري المعارض، والامين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين التونسي "شكري بلعيد" حضوراً جماهيرياً كبيراً جداً فاق كل التوقعات، حيث تم الحديث عن تواجد ما يقارب المليون ونصف المليون شخص في مقبرة "الزلاج" كبرى مقابر العاصمة وفي محيطها، رددوا شعارات تطالب بـ"تحقيق العدالة والقصاص" ممن نفذوا عملية اغتيال بلعيد الأربعاء الماضي أمام منزله في تونس.
ولم تشهد جنازة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، التي نظمت قبل أكثر من عقد من الزمان، هذا العدد الهائل من المشيعين، وقد فسر البعض ذلك بحالة الإحتقان التي يعيشها التونسيون جرّاء عدم قدرة الحكومة المنتخبة الحالية على تحقيق أهداف الثورة والوفاء بوعودها الإنتخابية ذات السقف المرتفع الذي لم يقدر العواقب.



جنازة مهيبة لبلعيد والجبالي يبحث عن الحلول
تشييع المعارض اليساري التونسي البارز "شكري بلعيد"

وكان بارزاً حضور وفد ضخم من المحامين والقضاة وهم يرتدون زي السلك القضائي، بجانب حشود المواطنين، وتم إخراج نعش الراحل محمولاً على الأكتاف، وحمل المشاركون الأعلام الوطنية وشعارات الجبهة الشعبية وحزب الوطنيين الديمقراطيين، كما شارك في مسيرة التشييع ممثلو الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية وممثلي البعثات الدبلوماسية في تونس، وقد أمنَّت وحدات من الجيش الوطني ومروحيات تابعة له مسيرة التشييع. 

 جنازة مهيبة لبلعيد والجبالي يبحث عن الحلول
جانب من تشييع المعارض التونسي "شكري بلعيد"

ولعل اللافت للنظر في هذه الجنازة هي الهتافات المعادية لحركة النهضة، حيث وإن رأى البعض أن الحركة الحاكمة ليست مسؤولة جزائياً عن اغتيال بلعيد، إلا أنها سياسياً مسؤولة عن ذلك بسبب تحريضها على العنف في البلاد وإطلاقها ليد رابطات حماية الثورة لتعيث في البلاد فساداً وكذا التيار "السلفي" الذي غضت الحكومة الطرف على تجاوزات بعض عناصره بحق أبناء جلدتهم.
وطالت سهام النقد حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" الذي يرأسه الرئيس المرزوقي، فقد أعلنت عائلة بلعيد أمس أن حزب "المؤتمر" أيضاً غير مرحّب به في الجنازة. ويعود سبب ذلك بحسب أغلب المراقبين إلى انتماء عناصر من هذا الحزب إلى رابطات حماية الثورة وأيضا إلى تساهل المرزوقي مع هؤلاء وهو الذي دعا بعضهم إلى قصر قرطاج الرئاسي وهو ما اعتبر تشجيعاً ضمنياً لهم.

أعمال عنف

وخلال مراسم التشييع، شهد محيط المقبرة أعمال عنف دامية حرقت خلالها السيارات وألقيت الحجارة على رجال الأمن الذين ردوا بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع التي سقطت إحداها في المصلى التابع للمقبرة حيث كان المشيعون يستعدون لصلاة الجنازة. وهو ما أدخل حالة من الذعر على المشيعين. كما شهد شارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة أعمال عنف وكذا عدد من مدن البلاد في يوم إضراب عام حزين أغلقت فيه المحال التجارية والإدارات وحتى المصحات استجابة لدعوات الإتحاد العام التونسي للشغل الذي كان شكري بلعيد مقرباً من قياداته.
بموازاة ذلك، أطلق عناصر الشرطة التونسية القنابل الدخانية، في محاولة لتفريق عشرات المحتجين الغاضبين الذين هاجموا بالحجارة عناصر الامن ومقر مديرية الامن في مركز ولاية قفصة جنوب غرب البلاد، وخلال مهاجمتهم مقر المديرية ردد الشبان شعار "شادين (متمسكون) شادين..في سراح الموقوفين" في اشارة الى مطلب باطلاق سراح شبان اعتقلوا في وقت سابق خلال اعمال عنف شهدتها المدينة. وتظاهر أكثر من ألف شخص،  الجمعة  في المدينة نفسها وجابوا الشوارع الرئيسية للمدينة مرددين شعارات معادية للحكومة، في وقت انتشرت تعزيزات أمنية كبيرة من قوات الجيش في المدينة تحسبا من تحول الاحتجاجات إلى اعمال عنف.

جنازة مهيبة لبلعيد والجبالي يبحث عن الحلول
جانب آخر من تشييع المعارض التونسي "شكري بلعيد"

في غضون ذلك، أصيب 20 شرطياً بجروح "متفاوتة الخطورة" خلال مواجهات، فجر الجمعة، مع متظاهرين في معتمديات قليبية ومنزل تميم وقربة من ولاية نابل شمال شرق البلاد، فيما اعتقلت قوات الأمن التونسية 30 شخصا "أغلبهم مراهقون" تورطوا في أعمال عنف، كما أكدت وكالة تونس للانباء التي أضافت نقلاً عن مصادر أمنية أن "المتظاهرين احرقوا في قليبية مركزاً للشرطة واتلفوا محتويات مقر حركة "النهضة" واقتحموا مطعماً في أحد الفنادق"، وأشارت إلى أن "المشاغبين" اقتحموا مقر حركة النهضة في منزل تميم وبعثروا محتواياته واحرقوا جزءا منها و"حاولوا سرقة بعض المتاجر والمستودع البلدي" وحاولوا مهاجمة مقر حركة النهضة وسرقة محلات تجارية في منزل تميم وقربة.

جنازة مهيبة لبلعيد والجبالي يبحث عن الحلول
مطار تونس ـ قرطاج الدولي

الى ذلك، ألغيت كافة الرحلات المتوجهة إلى مطار تونس الدولي، الجمعة، بسبب الاضراب العام الذي دعا اليه الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) في يوم تشييع بلعيد، وأعلن مسؤول في مصلحة الاعلام في مطار "تونس-قرطاج" الدولي عن "إلغاء كل الرحلات الجوية من والى تونس كامل يوم الجمعة"، وأضاف المسؤول أن "الالغاء يشمل ايضا حركة النقل الجوي داخل تونس (بين المطارات التونسية)"، وأوضح أنه "بسبب الاضراب العام لن يكون بالامكان مساعدة الطائرات على الاقلاع أو الهبوط في المطارات التونسية".


الجبالي يبحث عن الحلول

وفي ظل هذه الاجواء، التقى رئيس الحكومة حمادي الجبالي اليوم بخبير القانون الدستوري عياض بن عاشور الذي أبلغه بحسب التسريبات أن هناك إمكانية إلى أن يشكل الجبالي حكومة جديدة دون أن تقدم الحكومة الحالية إستقالتها إلى رئيس الجمهورية، ودون عودة الجبالي إلى المجلس التأسيسي لتزكيتها.
في غضون ذلك، وفي حال قدّم الجبالي استقالته فقد يكلّف المرزوقي شخصية أخرى خاصة، وهو يرفض مقترح الجبالي تشكيل حكومة "تكنوقراط" ويريد مجدداً حكومة "محاصصة" حزبية في تناقض مع ما كان صرح به في السابق. كما أن المجلس التأسيسي الذي تسيطر عليه حركة "النهضة" قد ترفض تزكية الحكومة التي سيقترحها الجبالي وخاصة أن الحركة قد عبرت عن ذلك صراحة.
وعليه، خرج الجبالي من لقائه بالخبير الدستوري بحل مفاده، عدم تقديم هذه الحكومة لاستقالتها وإجراء مجرد تحوير وزاري، لكن هذا التحوير قد يشمل جميع الوزارات ما يجعل الجبالي يحقق ما وعد به شعبه ويتجنب تكليف غيره من قبل رئيس الجمهورية ويتجنب أيضا عدم تزكية المجلس التأسيسي لخياراته ولتشكيلته من التكنوقراط غير المتحزبين الذين يشترط أن لا يترشحوا للإنتخابات القادمة.

"الدساترة"

ولعل اللافت للإنتباه في هذا اليوم، الذي شهد جنازة رسمية أشرف على تنظيمها الجيش الوطني، هي الكلمة غير التصعيدية التي توجه بها زعيم حركة "النهضة" راشد الغنوشي والتي وضعها مسجلة في صفحته الرسمية على "الفايسبوك"، وقال الغنوشي إن "تونس لكل التونسيين وأن القاتل بالتأكيد ليس تونسياً ودعا إلى الوحدة الوطنية". لكن، الذي فاجأ أغلب المراقبين أن الغنوشي وفي تعريفه للتونسيين ذكر "الدساترة"، مع أن الغنوشي كان قبل الإغتيال يرغب وحزبه في إقصاء أبناء الحزب الدستوري ممن عملوا مع بن علي من ممارسة الحياة السياسية، كما أنه يعتبر الزعيم الحبيب بورقيبة مؤسس الحزب الدستوري الذي تم حله بعد الثورة عدواً ولم يترحم عليه عندما توفي بعكس قيادات نهضوية أخرى تعتبره زعيماً وطنياً له أخطاء كغيره على غرار الشيخ عبد الفتاح مورو.
هذا التحول في خطاب الغنوشي رأى فيه البعض بادرة من زعيم "حزب الأغلبية" نحو المصالحة فيما فسرها البعض بحالة العزلة التي باتت تعيشها الحركة بعد اغتيال شكري بلعيد وخاصة أن "أصدقاء" الحركة الغربيين عبروا عن امتعاضهم مما يحصل في تونس وأدانوا بشدة اغيال شكري بلعيد وحمل بعضهم صراحة المسؤولية لحركة "النهضة" على غرار وزير الخارجية الفرنسي.

هذا، ويحبس التونسيون أنفاسهم آملين في غد أفضل، وإلا فإن البلاد التي تتهددها أخطار داخلية وخارجية، ستدخل في نفق مظلم قد لا يعرف نهاية. 
2013-02-08