ارشيف من :أخبار لبنانية
توافق أوّلي على إرجاء الانتخابات إلى أيلول؟
جوني منير - صحيفة "الجمهورية"
الكلام حول تأجيل الانتخابات النيابية بدأ يأخذ مساحة واسعة من النقاش الدائر في الكواليس الرسمية. فرئيس الجمهورية لا يتردّد في إبداء اعتقاده أمام الحلقة الضيّقة المحيطة به بأنّ احتمالات تأجيل الانتخابات بدأت تتعدّى الـ 50 %. ورئيس الحكومة الذي يسمع من السفراء الغربيين ضرورة حصول هذه الانتخابات، لا يرى أنّ المسألة بهذه البساطة في ظلّ المعطيات السائدة حاليّاً.
ووزير الداخلية تحدّث بصراحة أكثر من مرّة وعلى وسائل الإعلام بأنّ احتمالات التأجيل موجودة، ولو أنّه في جلساته البعيدة عن الإعلام يذهب ابعد من ذلك.
ورئيس المجلس النيابي لا يتردّد بدوره من الإعراب امام زوّاره بأنّ مخاطر عدم حصول الانتخابات تبقى كبيرة بسبب عدم اتّضاح الرؤيا إنْ على المستوى الداخلي أو على المستوى الإقليمي.
في أيّ حال، فإنّ اللجنة النيابية الفرعية المكلّفة دراسة قانون جديد للانتخابات شارفت أعمالها على النهاية، وهي فشلت، أقلّه حتى الساعة، في إنجاز مشروع قانون يحظى بتوافق أعضائها. لذلك حاول الرئيس نبيه برّي تظهير مشروع قانون مختلط يقوم على مبدأ المناصفة بين نوّاب الاكثري ونوّاب النسبي. لكنّه لا يبدو قابلاً للحياة مع استمرار اعتراض المستقبل والاشتراكي على اعتماد مبدأ النسبية.
ومن المفترض أن يتقدّم اليوم النائبان جورج عدوان وسامي الجميّل، كلٌّ بمفرده، بمشروعين انتخابيين يقومان على "المختلط"، ما يعني إغراق اللجنة بمشاريع عدّة لا يبدو أيّ منها قابلاً لأن يحوز على إجماع أعضاء اللجنة. وقد دفع هذا الأمر بأحد أعضاء اللجنة للقول: مشاريع "مختلط" بالجملة أصبحت معها العملية طبخة "مخلوطة"، وهذا التعبير يبقى كافياً لتقدير ما ستؤول إليه أعمال اللجنة.
وصحيح أنّ العلاقة عادت وشهدت تحسّناً بين القوات اللبنانية وتيار المستقبل بعد زيارة وفد يمثّل المستقبل الى معراب، والتي تلاها زيارة بعيدة عن الإعلام لمدير مكتب الرئيس الحريري السيّد نادر الحريري، ومن ثمّ حصول اتصال بين الحريري وجعجع، إلّا أنّ عقَدَ قانون الانتخابات بقيت عالقة، حيث قال جعجع: لن نستبدل تحالفاتنا، لكن يجب إيجاد حلول جدّية لحسن التمثيل المسيحي من خلال قانون انتخابات عادل، ذلك أنّ الوزير وائل ابو فاعور، والذي كان زار معراب قبيل انفجار أزمة مشروع قانون اللقاء الاورثوذكسي، أبلغَ جعجع أنّ وليد جنبلاط يصرّ على خفض حصّة الحزبيّين المسيحيّين على لائحته الشوفية من مقعدين الى مقعد واحد فقط. أي إمّا دوري شمعون أو جورج عدوان، هذا فيما كان سعد الحريري يبدّي علاقته مع جنبلاط على تحالفه مع جعجع.
وعندما أعلن حزب القوات ومعه الكتائب الموافقة على مشروع اللقاء الارثوذكسي، اعتقد الرئيس الحريري أنّ جعجع سقط في فخّ المزايدة المسيحية مع العماد ميشال عون. فسارع الى وضع النائب بطرس حرب ومعه وجوه مسيحية أخرى بوجهه، وترافق ذلك مع فرز مسيحيّي 14 آذار بين توصيف بعضهم بالمبدئيّين (المجتمعين في منزل حرب) وغير المبدئيّين (القوات والكتائب). ومع تطوّر الوضع بدأ البعض يضع خلفيّات سياسية لمواقف القوات والكتائب، كمثل تنفيذ انعطافة سياسية نتيجة المستجدّات السورية.
وخلال المقابلة التي أجراها سعد الحريري مع الزميل مرسيل غانم في برنامج "كلام الناس" كان واضحاً تعمّد الحريري الحديثَ بمرارة عن علاقته مع وليد جنبلاط، والإشارة الى بيار الضاهر الذي هو على نزاع قضائي مع جعجع، فيما كانت إشارته باردة لدى التطرّق الى جعجع.
إلّا أنّه في لقاءات معراب الاخيرة مع "المستقبل" جرى إعادة التأكيد من جديد على ثوابت التحالف حول كافة النقاط السياسية والاقليمية والسورية والداخلية، باستثناء قانون الانتخابات والذي بقي نقطة الضعف في هذه العلاقة، خصوصاً وأنّ الشارع المسيحي بات في حالة تعبئة إزاء مسألة صحّة التمثيل، وهي مسألة بالغة الحساسية وذات تأثير كبير على صناديق الاقتراع المسيحية.
لكنّ هذا الجانب الداخلي، وعلى أهمّيته الكبرى، يبقى ثانويّاً إزاء السؤال الأكبر: ولكن ماذا بعد تطيير الانتخابات؟ وهو السؤال الذي يطرحه الرئيس نبيه برّي في جلساته الخاصة.
ففي حال عجزت اللجنة الفرعية عن ابتكار مشروع قانون جديد فإنّ الدعوة ستجري لطرح المشروع الاورثوذكسي على التصويت في جلسة عامّة وحيث من المفترض أن ينال الأغلبية. لكنّ رئيس الجمهورية سيعمل على ردّه، وبالتالي الدخول في صراع داخليّ يؤدّي حكماً إلى تطيير الانتخابات.
عندها تصبح الامور امام حلّ من اثنين: إمّا أن يمدّد مجلس النوّاب لنفسه سنة إضافية في مهمة التوصل الى قانون انتخابات جديد، وهذا الوضع يرضي المراهنين على تغييرات في سوريا، كما أنّه يفتح الباب أمام تمديد على مستوى الجمهورية والحكومة كما يطمح البعض.
وإمّا أن يحصل فراغ على مستوى المجلس النيابي، وبالتالي انتقال صلاحياته الى الحكومة، وهو ما يعني في هذه الحالة الدخول في فراغ داخليّ لا يمكن الخروج منه إلّا من خلال مؤتمر دولي وبالتالي ولادة الجمهورية الثالثة، تماماً كما حصل في العام 1990 مع اتفاق الطائف. لكنّ ذلك يتطلّب شرطاً أساسيّا يتعلق بجهوز المناخ الاقليمي ونجاح المفاوضات بين واشنطن وطهران، وهذا رهان غير مضمون على الأقلّ حتى الآن.
لذلك تبدو "أزمة" قانون الانتخابات اكبر بكثير من قدرة اللبنانيين، وهو ما يدفع بتيار المستقبل للرهان على الفشل في إقرار قانون جديد للانتخابات، وبالتالي اضطرار الجميع للعودة الى قانون الـ 60 ولو أنّ ذلك قد يشكّل "صدمة" لدى الشارع المسيحي تدفعه للانتقام من خلال صناديق الاقتراع.
إلّا أنّه وخلال الساعات الماضية سادت أجواء لدى الأوساط الرسمية بأنّ الحلّ الافضل للأزمة القائمة بتأجيل الانتخابات حتى شهر أيلول المقبل، بحيث تكون فترة ثلاثة أشهر كافية لإقرار قانون جديد للانتخابات على أمل أن لا يؤدّي ذلك فيما بعد لتمديد آخر وبالتالي الدخول الى السيناريوهات المذكورة سابقاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018