ارشيف من :أخبار عالمية
الأزمة السياسية في تونس تراوح مكانها
لا تزال الأزمة السياسية في تونس تراوح مكانها مع إصرار حزبي "المؤتمر من أجل الجمهورية" (حزب الرئيس المرزوقي) كما حركة "النهضة" على الإبقاء على ما كان سائداً من توازنات قبل جريمة اغتيال شكري بلعيد. في مقابل إصرار رئيس الحكومة حمادي الجبالي ابن حركة "النهضة" على تشكيل حكومة جديدة من التكنوقراط تتولى تسيير البلاد إلى حين الانتهاء في أسرع وقت من كتابة الدستور لإجراء الإنتخابات.
وتساند رئيس الحكومة في مسعاه، أهم قوى المعارضة وعلى رأسها حزب "نداء تونس" بزعامة الباجي قائد السبسي، من جهة، كما حزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" الذي ينتمي إليه رئيس "المجلس الوطني التأسيسي" السيد مصطفى بن جعفر من جهة أخرى. الأمر الذي دفع بالكثيرين إلى الحديث عن بروز تكتلات وجبهات سياسية جديدة على الساحة التونسية أحدثها زلزال اغتيال شكري بلعيد.
دعم الجيش
ويرى أغلب المراقبين بأن لإصرار حمادي الجبالي على موقفه في تشكيل حكومة تكنوقراط رغم معارضة حزبه ( حركة النهضة) ما يبرره. حيث يتردد أن الجبالي يحظى بدعم المؤسسة العسكرية وبدعم قائد الجيش الفريق أول رشيد عمار. ويجمع أصحاب هذا الرأي على أن الجبالي سيسعى إلى تغيير جميع وزراء حكومته باستثناء وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي الذي شغل الحقيبة ذاتها في حكومة الباجي قائد السبسي، نظراً للعلاقات الوطيدة بين قائد الجيش ووزير دفاعه. ونظراً أيضا للأداء الجيد للمؤسسة العسكرية سواء في حفظ الأمن وإنقاذ البلاد من براثن الإقتتال الأهلي، أو في الدفاع عن تراب الوطن سواء من المسلحين الليبيين أو من المنتمين إلى الجماعات الأصولية الذين يعبرون إلى تونس من التراب الجزائري.
كما يتحدث مراقبون عن دعم يحظى به حمادي الجبالي من أعيان وكبار شخصيات جهة الساحل التونسي التي ينتمي إليها. وهي جهة تضم ثلاث ولايات كبرى هي سوسة والمنستير (مسقط رأس الزعيم الحبيب بورقيبة) والمهدية (عاصمة الفاطميين الأولى ومهد دولتهم). ولجهة الساحل تاريخ حافل بالنشاط السياسي منذ أيام الإستعمار الفرنسي حيث أسس فيها بورقيبة الحزب "الدستوري الجديد" بمدينة قصر هلال، بعد أن انسلخ ورفاقه عن الحزب الدستوري القديم الذي أسسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي بالعاصمة التونسية. وبعد الإستقلال تقلد غالبية المناصب الوزارية والسيادية في الدولة أبناء الساحل، وبات للجهة وزنها في المعادلة السياسية للبلاد التونسية.
كما أن بعض الجهات تتحدث عن دعم قوى الأمن لمبادرة الجبالي باعتبارها حلاً مثاليا لإنقاذ البلاد من أزمتها السياسية. هذه الأزمة التي لم يتسبب فيها فقط اغتيال شكري بلعيد، بل عدم تمكن حركة النهضة من الوفاء بالتزاماتها وهي الإنتهاء من كتابة الدستور في غضون سنة من انتخاب المجلس الوطني التأسيسي وإجراء انتخابات جديدة، الأمر الذي دفع بالبعض إلى الحديث عن انتهاء الشرعية الإنتخابية وضرورة البحث عن الشرعية التوافقية لتسيير البلاد خلال المرحلة القادمة.
المؤتمر
وإذا كانت مواقف حركة "النهضة" واضحة وصريحة ومبدئية، وهي التمسك بما أفرزته صناديق الإقتراع من أغلبية ومواصلة الهيمنة على الحكومة من دون تحديد خارطة طريق تتضمن مواعيد للإنتهاء من كتابة الدستور ولإجراء الإنتخابات، فإن حزب "المؤتمر" يبقى اللغز الذي عجز أغلب المراقبين في تونس عن فهم توجهات ساسته وتصوراتهم. ذلك أن أغلب قادة المؤتمر متناقضون في تصريحاتهم وعلى رأسهم ساكن قصر قرطاج زعيم الحزب، رئيس الجمهورية السيد محمد المنصف المرزوقي.
فقد أعلن رئيس الجمهورية في وقت سابق وفي خطاب توجه به إلى الشعب التونسي، أنه يدعم تشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية. ثم تراجع لاحقاً عن مطلبه وبات يتحدث عن حكومة توافق مشكّلة من متحزبين رغم أن جميع الأحزاب السياسية باسثناء "المؤتمر" و"النهضة" رافضون لهذا المنحى، ما يعني أن هذه الحكومة ستتشكل من " النهضة" و"المؤتمر" فحسب ولا تحظى بالإجماع الوطني، وبالتالي ستعيد البلاد إلى المربع الأول من دون أن تحل المشكلة. كما أن رئيس الجمهورية هدد في وقت سابق بالإستقالة أثناء المفاوضات حول التحوير الوزاري إذا لم تستجب "النهضة" لطلبات حزبه، لكنه تراجع عن ذلك بعلّة المصلحة الوطنية التي تقتضي عدم ترك كرسي الرئاسة فارغا.
كما إن وزراء حزب "المؤتمر" قدموا استقالاتهم من حكومة الجبالي الحالية احتجاجاً على رغبته في تشكيل حكومة تكنوقراط. لكنهم جمدوا هذه الإستقالة في وقت لاحق وقد ابتدعوا مصطلحاً جديداً في علم الإجتماع السياسي وهو "تجميد الإستقالة".. والحقيقة أنه لا يمكن التشكيك في نضال بعض قيادات حزب "المؤتمر" زمن الإستبداد وعلى رأسهم الرئيس المرزوقي، لكن هذا الحزب ضم لاحقاً وبعد الثورة وجوهاً ليس لها تاريخ نضالي كما ضم بعض النهضويين على مستوى القيادة والقواعد. لذلك فإن كثيراً من المحللين يعتبرون حزب المؤتمر مجرد تابع لحركة " النهضة" لا يتمتع بالاستقلالية في اتخاذ القرار.
ويشار إلى أن بعض الأحزاب، ورغم معارضة حركة "النهضة" بدأت باقتراح الأسماء من التكنوقراط غير المتحزبين على السيد حمادي الجبالي لاختيار من يراه الأفضل من بينهم، وخاصة أن الحلول الدستورية للخروج من الأزمة متوافرة للسيد حمادي الجبالي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018